
قضايا الهوية الوطنية في دولة مابعد الإستعمار في السودان ١_٢
✍️🏽 الصادق ادم محمد
مقدمة
تسعى هذه المساهمة الى إلقاء الضؤ على قضايا الهوية الوطنية في دولة مابعد الإستعمار ، وذلك بالتركيز على السودان الحديث كمؤسسة تقوم على فكرة الدولة القومية ومتلازمتها بوتقة الإنصهار. من الملاحظ تجاهل دور الدولة في معظم كتابات من يكتبون عن الهوية. اطلاقا من التجربة السودانية تكمن أزمة البلاد بشكل أساسي في تبني الجماعات الكمبرادورية لهوية أحادية ومحاولات فرضها بإعتبارها الشخصية الثقافية للدولة. وإزالة للإلتباسات المفهومية تبدأ الورقة ببعض التعريفات المفتاحية ذات صلة بموضوع المقالة. بعدها تتطرق الورقة الى أزمة الإستتباع الفكري الناتجة عن الإستعمار والهيمنة الثقافية. ولتوضيح دور العبودية وتجارة الرقيق في تشكيل هذه الوضعية تسلط المقالة الضؤ على العبودية التي مارستها دولة مابعد الإستعمار في السودان ، الإستعمار التركي المصري ، الدولة المهدية ، الإستعمار الإنجليزي المصري. وفي الجزء الأخير نتناول بالنقد والتحليل الإلتباسات التي يخلقها منظور الصراع الطبقي ، يلي ذلك قضايا الهوية الوطنية في مشروع السودان الجديد بمافي ذلك السيرة الذاتية للد. جون قرنق.
1-تعريفات مفتاحية
أ- الثقافة
توجد تعريفات كثيرة للثقافة ، إيتيمولجيا ، تعني الثقافة الزراعة والسكن والتعبد ، وذلك لأن الزراعة كانت دائما محورية في تقدم الإنسان. التعريف الذي يتبناه هذا العمل للثقافة هو تعريف الأنثروبولوجي الإنجليزي إدوارد تايلور الذي عرف الثقافة على النحو التالي
,, هي هذا الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع,,1
تتميز الكثير من الكتابات التي تدور حول الثقافة بالمزيد من الإلتباسات التي تؤدي إلى التشويش الفكري بدلا عن الوضوح وصواب الرؤية. ومن التعريفات الملتبسة للثقافة هو ذلك التعريف الذي يسجن الثقافة في الفنون التعبيرية كالرسم ، الشعر ، الرقص ، والغناء. بالرجوع الى التعريف الذي قدمه تايلور ، تشكل هذه الفنون جزء من الثقافة وليست هي الثقافة.
ب- الإستعمار
بديهي القول أن الإستعمار هو اقصى عنف مادي ورمزي واجهه الانسان عبر تاريخه. كان الإستعمار تدميرا لا يعرف الحدود للمجتمعات. لقد كتب بعض المفكرين والباحثين عن الاثار الاجتماعية والنفسية للاستعمار ، كانت كتابات فانون ، سيزار ، وكابرال رائدة في هذا المجال. تقول أما مازاما
,, يرى فانون أن السمة الرئيسية للاستعمار هي أنه يعتمد على العنف الجسدي ، بمافي ذلك التعذيب والانتهاك والقتل ، ولكن أيضاً ، والأهم من ذلك ، العنف النفسي ، اذ يعتبر فانون أن افظع جريمة ارتكبها الإستعمار ارتكبت في قلب الإنسان ، وكانت عبارة عن تمزيق مرضي لوظائفه وانهيار وحدته,, والتي وصفها في كتابه الشهير – إهاب أسود ، أقنعة بيضاء – بانها أدت الى شعور عميق بالاغتراب الثقافي والنفسي ، القائم على رفض الذات وكراهية الذات ومحاولة عقيمة ومأساوية من جانب المستعمر لاستعادة انسانيته من خلال التقليد القردي للبيض,, بعد الحكم على اشكاله الثقافية ولغته وعاداته الغذائية وسلوكه الجنسي وطريقة جلوسه واستراحته وضحكه وامتاع نفسه ، يلقي المضطهد بنفسه على الثقافة المفروضة بيأس الغريق,,2
ويصل الإستعمار الى نتائجه المأساوية عندما يستبطن المستعمر وجهة نظر المستعمر. ستفصل هذه المقالة في الدور الذي لعبه الإستعمار وتجارة الرقيق في في إلباس البلاد هوية عرقية خاصة بجماعة كمبرادورية إلتقت وتقاطعت مصالحها مع مصالح وأطماع الإستعمار. في دراسات مابعد الإستعمار يدرس العلماء أربعة أشكال رئيسية للاستعمار وهي
1- الإحتلالي
وهو الغزو العسكري المباشر بواسطة شعب ضد شعب اخر. قد تطول مدته أو تقصر حسب السياق والظرف التاريخي. ينتهي هذا الشكل من الإستعمار ، شكليا ، بذهاب المستعمر.
2- الإستيطاني
هو الشكل الذي يتطور فيه الاحتلال الى اقامة دائمة ويتم تحويل المواطن الأصلي الى إنسان بلا أرض.
3- الإستعمار الداخلي
سيطرة مجموعة أو مجموعات محددة على الدولة واستغلال موارد الدولة لمصلحتها الخاصة وقهر المجموعات الاخرى أو إبادتها من الوجود.
4- الإستعمار الجديد
ظهر هذا الشكل من الإستعمار في ستينيات القرن العشرين بعد أن نالت العديد من الدول استقلالها السياسي ، وبعد مغادرة المستعمر ظلت علاقات التبعية السياسية والاقتصادية مؤثرة وفعالة عبر الكمبرادور. العمل الرائد في تفسير ظاهرة الإستعمار الجديد هو كتاب كوامي نكروما المعنون ب- الإستعمار الجديد اخر مراحل الامبريالية.
لا يقع الإستعمار على الفرد بل على المجتمعات والشعوب ولا يتأثر به الفرد إلا كجزء من كل اجتماعي ثقافي. إن دراسة الإستعمار هي دراسة للبنيات القامعة التي تمارس العنف والابادة الجماعية ضد الشعوب.
ب- دولة مابعد الإستعمار
ونقصد بها البنية السياسية ، الاجتماعية ، الاقتصادية ، و الثقافية التي فرضت على الاقاليم والمناطق التي تعرضت للاستعمار. تطورت دراسات مابعد الإستعمار كحقل أكاديمي في سبعينيات القرن العشرين وذلك بالرجوع الى كتابات فانون ، اسميه سيزار ، إدوارد سعيد ، هومي بابا ، وسبيفاك. يقول بيل أشكروفت ، جاريث جريفيث ، وهيلين تيفين
,, من الواضح على أي حال أن مصطلح مابعد الكولونيالية كما تم توظيفه في أغلب الروايات الحديثة قد اهتم في المقام الأول بفحص عمليات واثار الكولونيالية الاوروبية والاستجابات لها ، بداية من القرن السادس عشر وحتى عصرنا الحاضر ، مرورا بالكولونيالية الجديدة,,3
تغطي دراسات مابعد الإستعمار الفترة من بداية الإستعمار حتى اللحظة الراهنة ، في الكثير من الحالات ، البنيات التي رسخها الإستعمار مازالت فاعلة ومتحكمة رغم ذهاب المستعمر. السمة الرئيسية لدولة مابعد الإستعمار هي أنها نقل ميكانيكي عبر الية الإستعمار للدولة القومية الحديثة كظاهرة تاريخية ثقافية تعود جزورها الى أوروبا القرن السابع عشر. تأسست الهيمنة الاستعمارية على الزعم بالتفوق العرقي وقامت المستعمرات على بنيات هرمية يتموضع في قمتها المستعمر تليه المجموعات الكمبرادورية. ومع بداية ماصار يعرف بعصر الاستقلال ، أورث الإستعمار الدولة للجماعات الكمبرادورية التي تعاونت معه لتسهيل عمليات الإستعمار ، وهذا ما حدث في الحالة السودانية. تتمثل أهم مشكلات دولة مابعد الإستعمار في افريقيا في الاتي
– الحدود الاعتباطية والجروح الاجتماعية المزمنة التي سببها هذا التقسيم الذي تاسس على مراعاة مصالح وأطماع الإستعمار.
– الهرمية المؤثننة
– الجماعات الكمبرادورية التي تعتمد في اقتصادها على ريع الدولة.
– الهيمنة الثقافية
2- العبودية ، الدولة ، وقضايا الهوية الوطنية في سودان مابعد الإستعمار
تعود الجزور التاريخية للدولة القومية الحديثة كظاهرة الى القرن السابع عشر وذلك بالتوقيع على اتفاقية وستفاليا في 1648 . بناءا عليها قسمت أوروبا إلى عدة دول على قاعدة أن لكل قومية اثنية دولة. وفي الحالات التي لا تتوفر فيها هذه القاعدة على الدولة اللجوء الى إستراتيجية بوتقة الإنصهار وذلك باخضاع وقهر من تسميهم الدولة الحديثة بالأقليات. تأسست الدولة القومية الحديثة على الإستعمار والابادة الجماعية.
دولة مابعد الإستعمار كنسخة مشوهة للدول الاستعمارية ، قامت على التطهير العرقي والابادة الجماعية. في المستعمرات ، لم يكن التسامح الذي اتسمت به الحداثة السياسية الاوروبية ضروريا تجاه المستعمر ، فبناءا على منظور الحداثة السياسية الاوروبية من يجب التسامح معهم هم الاقليات المتحضرة وليس المستعمر الذي لم يرتق بعد إلى مستوى الحضارة. عندما فرض الإستعمار نموذج الدولة القومية الحديثة في المستعمرات لم يكن يوجد ما يسمى بالاقليات في التنظيم السياسي والاجتماعي الافريقي ، لذلك عمل الإستعمار على تقسيم المجتمعات والشعوب الى وحدات صغيرة ووضع سياسات للسيطرة على زعماء القبائل وتوجيههم للعمل بمعزل عن المجموعات الاخرى. عبر السياسات التي عرفت في المستعمرات البريطانية بسياسة فرق- تسد ، استطاع الإستعمار تقسيم السكان الأصليين الى اقليات تفتقر الى قيم التضامن التي عرفتها المجتمعات السابقة على الإستعمار.
العبودية وتجارة الرقيق وتشكل السودان الحديث
– الإستعمار التركي المصري ومواقفه من العبودية
كان الهدف الرئيسي وراء غزو محمد علي باشا للسودان هو جلب الرقيق لتجنيدهم في جيشه للاستقواء بهم خصوصاً بعد التمرد الذي حدث داخل جيشه في 1815. بلغت تجارة الرقيق ذروتها في اربعينيات القرن التاسع عشر عندما استعانت الحكومة الاستعمارية بالجلابة ووفرت لهم الامكانيات والبيئة لتنظيم حملات صيد الرقيق والاغارة على القبائل. تعد هذه الممارسة احد أهم العوامل التي أدت الى التراتبية العرقية والطبقية المؤثننة في دولة مابعد الإستعمار في السودان. في سبعينيات القرن التاسع عشر تحولت مناطق صيد الرقيق غربا الى جمهورية افريقيا الوسطى والاطراف الغربية الجنوبية للسودان.
انتشرت العبودية وتجارة الرقيق في مناطق وسط وشمال السودان حيث امتلكت الاسر الرقيق الذين تم اسغلالهم في المشاريع الزراعية والأعمال المنزلية بما في ذلك الاستغلال الجنسي. يقول أحمد العوض سيكينجا
,, في الخرطوم ، أسس تجار مثل غطاس ، كشك ، على محمد وادريس ود دفتر الرئاسات التي ارسلوا منها الحملات الى الجنوب. ليس من الصدفة أن تجار الرقيق في الجنوب قد عرفوا بالخرطوميين,,4
وقد ادى هذا الاعتماد على العبودية وتجارة الرقيق في هذه المناطق الى ظهور ما تسميه الباحثة هيزر شاركي بأخلاقيات الكسل ، حيث صارت الاسر في هذه المناطق تتعفف من العمل البدني وبالتالي تفشت الممارسات الريعية ، لذلك ، النظام الاقتصادي للدولة الحديثة في السودان قائم على اقتصاد الريع العشائري ولم يتطور بعد إلى نظام رأسمالي.
– العبودية وتجارة الرقيق في الدولة المهدية
مثل سابقتها ، كانت الدولة المهدية عبودية البنية بامتياز. يأتي الاشارة إلى المهدية كثورة بسبب أن وقت اندلاعها في 1881 كانت كل الظروف الموضوعية قد توفرت لطرد المستعمر. اختلفت اسباب الناس في دعمهم للمهدي ، دعمه تجار الرقيق بسبب العراقيل التي وضعتها الحكومة الاستعمارية أمامهم ، أما الرقيق فقد انضموا الى الثورة بسبب الوعود التي قدمها المهدي بتحريرهم ، وهو الموعد الذي لم يوفي به بعد استيلاءه على السلطة ، بل امتلك هو نفسه رقيقا وسبايا.
منذ البداية واصلت الدولة المهدية سياسة الاعتماد على العبودية وتجارة الرقيق كدعامة اساسية لاقتصادها. قام خليفة المهدي ، عبدالله التعايشي ، بالاغارة على مناطق جبال النوبة ، الاستوائية ، وبحر الغزال لجلب الرقيق. يؤكد سيكينجا
,, تحت المهدية ، ظلت الأفكار الأساسية للعبودية فعالة. قام العبيد بالاعمال الزراعية والمنزلية,,5
تمثلت المصادر التي تحصلت عبرها المهدية على الرقيق في القبض على الرقيق الهاربين وتحويلهم إلى ملكية لبيت المال ، الإغارة على المجتمعات والقبائل الأفريقية التي تمرت على المهدية بسبب تنصل الدولة من وعودها بالتحرير، بالإضافة إلى الحملات التي تنظمها الدولة للإغارة على المجتمعات.
– الإستعمار الإنجليزي المصري وموقفه من العبودية وتجارة الرقيق
واصل الإستعمار الإنجليزي المصري في الاعتماد على البنية العبودية التي ترسخت مع الإستعمار التركي المصري والدولة المهدية. تم استغلال الرقيق في المشاريع الزراعية التي أنشأتها الحكومة الاستعمارية في الوسط والشمال. منذ البداية تمفصلت مصالح مجموعات الوسط والشمال مع مصالح الإستعمار في الموقف من العبودية وتجارة الرقيق لذلك تطابقت مواقفهم. يضيف سيكينجا
,, اتف الإداريين الإستعماريين مع وجهة نظر مالكي العبيد بأنه بدون الضبط سيصبح العبد كسولا ، عاجزا ، وحتى خطيرًا,,6
اعتمدت الحكومة الاستعمارية على خبرة سلاطين باشا وعينته مفتشا عاما وتعاملت معه كخبير في العادات والتقاليد. وكان موقف سلاطين رافضا لتحرير العبيد لأنه كان يعتقد أن التحرير سيؤدي الى الانهيار الاقتصادي والانحطاط الاجتماعي.
من خلال البناء العبودي للدولة و المجتمع تأسست مركزية اثنية ثقافية قائمة على العنصرية ضد الأفارقة. تضع هذه التراتبية الجلابة في قمة الهرم السياسي ، الاقتصادي، الاجتماعي ، والثقافي. يقول الباحث أبكر ادم اسماعيل
,, إن حاجة التجار قد لا تمثل حاجة المجتمع ، في احيان كثيرة تكون مناقضة لها ، هذا جانب. ولكن الجانب الاخر الأكثر أهمية هو تجارة الرقيق ، هذه السلعة التي تتصدر القائمة تكشف عن عنصر جوهري من عناصر الاختلاف ، ظل يؤثر تأثيرا كبيرا على مسارات الصراع في السودان لاحقا ، حيث انسحب على الحياة فيه طويلا مازال ، لينقسم الناس إلى
أ- سلالات العبيد ، وهم من الكيانات الزنجية.
ب- سلالات السادة ، وهم من الكيانات ذات الأصول العربية الإسلامية أو التي تدعيها.,,7
ويضيف أبكر
,, واصبح العرق والدين واللون عناصر تحدد موقع الإنسان في الحياة العامة في ما صار لاحقاً سودان اليوم ومازالت تحدد المواقع في التراتبية الاجتماعية ل- المجتمع الكبير= الدولة,,8
لا يمكن لاي دراسة جادة وحقيقية لأزمة الهوية الوطنية في سودان مابعد الإستعمار تجاهل دور العبودية التي مارستها الدولة.
تتلخص أهم مشكلات دولة مابعد الإستعمار في السودان في الاتي
– البنية الاجتماعية العبودية
– إقتصاد الريع العشائري
– الإستبداد السياسي
– الهيمنة الثقافية
تداخل وتتفاعل هذه المشكلات لتشكل وضعية مأزومة يتعزر الدفاع عنها تحت اي شعارات. في سودان مابعد الإستعمار ، وكما اوضحنا في الجزء المتعلق بالرق في العهود الاستعمارية ، عمل الإستعمار بنسختيه على التأسيس لشكل من أشكال الإستعمار الداخلي. على خلاف القول الشائع بأن الإستعمار الإنجليزي المصري قد حارب الاسلام ، تجنب الإستعمار الصدام مع الاسلام بل تواطأ مع التقاليد الاسلامية التي تبرر استرقاق غير المسلمين وغير العرب. يتضح هذا في السماح لمحاكم الشريعة الاسلامية بالعمل بالتوازي مع المحاكم المدنية. وبسبب تواطؤ الإستعمار مع العبودية وتجارة الرقيق ومن يمارسونها ، كانت كل القضايا المتعلقة بالاسترقاق من اختصاص محاكم الشريعة الاسلامية وهي محاكم كانت تحت ادارة مالكي الرقيق انفسهم.
بفحص ودراسة المواقف من ثورة ١٩٢٤ بقيادة علي عبداللطيف ، سيتبين التطابق التام بين مواقف الإستعمار والمجموعات الكمبرادورية من الأفارقة. في هذا السياق ، كان رفض الجلابة لقيادة الثورة التي تمثلت في شخصية علي عبد اللطيف متسقا مع خطاب هذه المجموعات تجاه افريقيا.بوضعها في سياقها التاريخي ، قدمت ثورة ١٩٢٤ مفهوما للامة السودانية متقدم فكريا من مفهوم الجلابة للأمة السودانية. عندما انخرط النجاريين والترزية والعتالة في الثورة ، وقفت الجماعات الكمبرادورية ضدها لأنها ثورة يقودها – العبيد -. العرق والعنصرية يفسران موقف الجلابة من ثورة ١٩٢٤.
تتمثل أزمة السودان في الطريقة التي تشكلت بها الدولة كمؤسسة هرمية وظيفتها الأساسية تدمير المجتمعات ذات التنظيم الأفقي السابقة على الدولة. أي حديث عن العنصرية في السودان يتجاهل عنصرية الدولة كمؤسسة متماهية مع الجلابة هو حديث يفتقر الى الدقة. باستغلال مؤسسات الدولة ، عملت مجموعة الجلابة على قهر المجتمع الافريقي وفرض تصوراتها بإعتبارها المحتوى الذى تتأسس عليه الهوية الوطنية للبلاد. يقول الراحل د. جون قرنق
,, والجلابة بالتالي أقلية حاكمة صاحبة امتيازات. وهذا يفسر لماذا يتبنون ايديولوجيا العروبة والاسلام السياسي ليتخندقوا ويحموا امتيازاتهم الاقتصادية وموقعهم السياسي والاجتماعي في المجتمع السوداني. إن مأساة الجلابة كمجموعة اجتماعية هي نظرتهم العربو- اسلامية الضيقة وفشلهم الكلي في النظر الى ما وراء العروبة والاسلام كعاملي توحيد للسودان.,,9
وقد تمظهر هذا التعصب للهوية الاحادية في الحرب التي بدأت في 15 ابريل 2023 والمواقف منها. الشيء الذي يجب معرفته هو أن الوضع كان هكذا بالنسبة للجنوب ، النوبة ، دارفور ، والفونج منذ تشكل السودان الحديث ، باستثناء الفترات التي تتوقف فيها الحرب نتيجة لإتفاق سلام هو دائما مؤقت وانتقالي نحو حرب أخرى أكثر شراسة. طبيعي أن تجد مجموعات الوسط والشمال اختلافا بين الوضع قبل 15 ابريل والوضع بعده ، لكن بالنسبة للسودانيين الاخرين الاختلاف هو أن الحرب قد توسعت وربما يحس البعض ببعض الراحة بسبب عدم قدرة جيوش ومليشيات الدولة من الوصول اليهم نتيجة للتكافؤ العسكري بين أطراف الحرب. أي مساعي لإيقاف الحرب وتحقيق السلام الدائم دولية ، اقليمية ، محلية تتجاهل أو تقفز فوق هذه الحقائق سيكون مصيرها الفشل مثل سابقتها وبالتالي المزيد من التعقيدات في المشهد. كما كان يؤكد د. جون قرنق ، المجموعات العربية أو تلك التي تدعي العروبة جزء من السودان وليست هي السودان ، وبالتالي يجب أن تتأسس الهوية الوطنية على مبدأ الوحدة في التنوع في دولة علمانية تقوم على الشراكة في المواطنة.
بهذا تتفق هذه المقالة مع أراء د. جون قرنق وابكر ادم اسماعيل حول أزمة الهوية الوطنية في السودان. رغم أنه لم يترك لنا الكثير من الكتابات إلا أن جون قرنق كان مفكرا ومثقفا ثوريا عرف دوره جيدا في اللحظة التاريخية التي عاش فيها. أوضح الكتابات في هذا المجال هي كتابات أبكر ادم اسماعيل ، وبغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف معه ، من الصعب تجاهل أراءه من أي مناقشة جادة حول الموضوع. سيجد القاريء أهم افكاره في كتابه الشهير الموسوم ب – جدلية المركز والهامش ، قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان – وورقة له بعنوان – جدلية المركز والهامش وإشكال الهوية في السودان -1999-.
بالمقابل هناك آراء ووجهات نظر تنظر للمسألة من زوايا أخرى ، في الجزء القادم ،٢-٢ ، سنتناول بالنقد والتحليل وجهات نظر د. هشام عمر النور أو منظور الصراع الطبقي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.