قرارات الإحالة للتقاعد بين الروتين والتضليل 

✍️🏽متوكل عثمان سلامات

 

أصدر قائد الإنقلاب الفريق أول ركن/ عبد الفتاح البرهان، قرارات عسكرية بتاريخ 17 أغسطس 2025م بترقية وإحالة عدد من الضباط إلى التقاعد وإخضاع القوات المساندة لقانون القوات المسلحة. وقد لقيت هذه الخطوة إشادة من بعض القوى التي تدعي المعارضة والمرتبطة بالدولة القديمة وجيشها الإسلاموي الذي ظل حارساً لإمتيازات النخب في السودان، بينما وصفها معظم المحللين بأنها محاولة لإبعاد الإسلاميين من الجيش. وسارع آخرون إلى ربط القرارات بمواقف إقليمية ودولية، فإستدل بعضهم بوهمة إعتراض كتائب البراء بن مالك وتشكيلها متحركاً عسكرياً بقيادة الفريق معاش/ نصر الدين عبدالفتاح محمد سليم أحد الضباط المحالين، وربط آخرون القرارات بلقاء البرهان مع مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السيد/ مسعد بولس في سويسرا، فيما ذهب فريق ثالث إلى قراءتها في سياق الموقف المصري من جماعة الإخوان المسلمين. وهناك من أوغل أكثر في التفسير فرأى أن الخطوة تعكس صراعات شخصية بين البرهان وكل من ياسر العطا وشمس الدين كباشي، إلى جانب تصفية حسابات مع بعض أجنحة الإسلاميين.

في ظل هذا المشهد السياسي والعسكري المعقد، تظل قرارات الترقي والإحالة للتقاعد في الجيش السوداني موضع تفسيرات وتحليلات متباينة، تتراوح بين إعتبارها إجراءات روتينية وبين تصويرها على أنها معارك مصيرية ضد الإسلاميين أو لصالحهم. القرارات الأخيرة لقائد الإنقلاب الفريق أول ركن/ عبدالفتاح البرهان لم تكن إستثناء من هذه الديناميكية المعتادة.

ما لفت إنتباهي في التعليقات على قرارات البرهان الأخيرة هو كيف يتم إستغلالها من قبل مختلف الأطراف لتخدم روايات مضللة. فمن يصفها بأنها ضربة للإسلاميين يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن البنية المؤسسية للجيش السوداني تشكلت على مدى عقود تحت سيطرة التيار الإسلاموعروبي، ولا يمكن تغيير هذه الحقيقة بقرارات فردية لترقية أو إحالة بعض الضباط للتقاعد، خاصة إذا كانت هذه القرارات تقنن لمزيد من الإسلاميين المتطرفين داخل القوات المسلحة بمسمى (القوات المساندة)، (وليس هناك ما يمنع هؤلاء الضباط المعاشيين من العودة للقوات المسلحة من بوابة القوات المساندة؟)، او خلط الأوراق بحماية هذه المليشيات الإرهابية بمظلة القوات المسلحة حتى لا تتساقط عليها العقوبات الدولية.

كما أن الربط التلقائي بين هذه القرارات واللقاءات الدولية أو المواقف الإقليمية يفتقر إلى الحجة والدليل ويعكس نظرة إختزالية لتعقيدات المشهد السوداني. فالعملية السياسية والعسكرية في السودان لها ديناميكياتها الداخلية التي لا يمكن تفسيرها فقط من خلال تأثيرات خارجية غير معلنة.

غير أن هذه التفسيرات على إختلاف إتجاهاتها تعكس في جوهرها إعادة إنتاج للوهم وتضليل للرأي العام السوداني. فالواقع يشير بوضوح إلى أن الجيش السوداني، بمؤسساته ومليشياته وإمتداداته السياسية، ظل ولا يزال خاضعاً لهيمنة الإسلاميين منذ عقود، وأن أي قرارات إحالة للتقاعد ليست سوى إجراءات روتينية تُستخدم من حين لآخر كأداة لتجميل صورة المؤسسة العسكرية وإيهام الشعوب السودانية والمجتمع الإقليمي والدولي بأنها في طريقها لتطهير صفوفها. الحقيقة أن تصوير الجيش وكأنه مزيج من إسلاميين وشرفاء ليس سوى خدعة سياسية تُراد بها المراوغة وإبقاء بنية الدولة الأمنية والعسكرية كما هي.

ممارسة إحالة الضباط للتقاعد لأسباب سياسية او روتينية بنكهة تصفية الإسلاميين ليست جديدة في السودان. فقد سبق أن إتخذ الرئيس المخلوع عمر البشير ومن سبقه قرارات مشابهة بنفس الأسلوب لإدارة التوازنات داخل المؤسسة العسكرية تحت مبررات تجديد الدماء أو إبعاد الإسلاميين. ما يحدث اليوم من قبل البرهان هو إستمرار لنفس النهج في إدارة المؤسسة العسكرية وبذات التبريرات ، مما يؤكد أن الأمر لا يعدو أن يكون إستمرارية للنهج القديم في إستخدام القرارات العسكرية كغطاء سياسي، وليس تغييراً جذرياً في المنهجية. أما الإدعاءات بوجود صراعات داخلية بين البرهان وأطراف أخرى، فغالباً ما تخدم أغراضاً سياسية لتقديم صورة مشوهة عن المشهد الحقيقي. فالمؤسسة العسكرية في السودان، مثل غيرها من المؤسسات العميقة، تحافظ على تماسكها الداخلي أمام الرأي العام، حتى عندما تكون هناك خلافات داخلية.

الحقيقة الجوهرية التي يتم تجاهلها عمداً في هذه التحليلات والقراءات هي أن التغيير الحقيقي في المؤسسة العسكرية والخلاص من هيمنة الإسلاميين على المنظومة العسكرية والأمنية لا يتحقق عبر إحالات شكلية او قرارات فردية لترقية أو إحالة ضباط للتقاعد، بل من خلال مشروع تأسيسي لجيش مهني جديد، يؤسس على عقيدة عسكرية جديدة، مستقلاً عن أي ولاء أيديولوجي أو إنتماء سياسي أو حزبي أو جهوي أو قبلي، ويقتصر دوره على حماية البلاد وأراضيها وسيادتها الوطنية، والشعوب السودانية وحماية النظام العلماني الديمقراطي التعددي اللامركزي، وضمان إحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وحماية النظام الدَّستوري المرتكز على المبادئ فوق الدستورية، دون تدخُّل في الشأن السياسي أو الإقتصادي او حماية إمتيازات النخب.

إن الإنسياق وإستمرار الترويج لرواية تصفية الإسلاميين عبر قرارات روتينية يشكل إهانة للوعي المتراكم للشعوب السودانية، ويفضح ويعري محاولات إستمرار إستخدام نفس أدوات التضليل السياسي والإستخباراتي التي إستخدمتها الأنظمة السابقة.

فما يجري الآن، فهو مجرد إعادة تدوير لنظام متهالك يحاول أن يبرر وجوده عبر خلق سرديات زائفة عن الإصلاح والتطهير، بينما الحقيقة أن البنية العسكرية والأمنية برمتها لا تزال قائمة على ذات الأسس التي زرعها الإسلاموعروبيين منذ خروج المستعمر.

الشعوب السودانية تستحق تحليلاً أكثر مصداقية ووعياً أعميق لتعقيدات واقعها، بعيداً عن التفسيرات المبسطة والروايات المضللة. فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى أكثر من مجرد ترقيات أو إحالات للتقاعد، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة تأسيس وبناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية تخدم مصلحة جميع السودانيات والسودانيين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.