في الذكرى السابعة لرحيله: قرنق.. زعيم استثنائي لوطن منكوب (1-2)

✍️🏽 عادل شالوكا

 

 

نشر بتاريخ 28 يوليو 2012

 

تمر علينا هذه الأيام الذكرى السابعة لرحيل الزعيم التاريخي لثورة المهمشين والحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان ومُفجر ثورة الخلاص الوطنى, الزعيم الإستثنائى الذى رحل فى ظروف غامضة بجبال الأماتونج فى حادث تحطم المروحية التى أقلته من مطار عنتيبى إلى (نيو سايت) أمسية 30 يوليو 2005م بعد (21) يوم فقط من أدائه القسم نائباً أول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة جنوب السودان, ذلك الرحيل المفاجىء الذى أفجع الجميع الذين كانوا ينتظرون الكثير من الزعيم الذى إستقبلوه بالملايين فى الساحة الخضراء بالخرطوم يوم الجمعة 8 يوليو 2005م.

 

قرنق مبيور : معاناة الطفولة :

 

ولد قرنق عام 1945 في قرية (وانقلي) قرب مدينة بور بولاية أعالي النيل, وكأترابه عمل راعيا للمواشي التي تملكها الاسرة، ولم يولد الطفل قرنق وسط رغد الغيش والجاه مثل سائر الزعماء الذين مروا على التاريخ السوداني، بل علي العكس من ذلك تماماً، فقد عاني مثله مثل غالبية سكان الريف السوداني الفقراء والمحرومين, وجد نفسه يتيماً وهو في العاشرة من عمره، مما أضطر أحد أقاربه لأن يتحمل نفقات تعليمه, وقد مكّنه ذلك من أن يواصل دراسته بكل من مدينتي واو ورمبيك, كذلك وفي فترة صباه فرضت الظروف المعيشية القاسية عليه أن يكسب عيشه بالعمل وإنتقل للخرطوم وعمل في الهيئة القومية للكهرباء ومنها ذهب للعمل في منطقة الدمازين كأجير يومي يحمل الخرصانة في مشروع تعلية خزان الروصيرص على النيل الأزرق.

 

مراحل الدراسة :

 

بدأ قرنق دراسته فى ظروف معيشية غير ميسورة, ويقال إن مدير المدرسة رفض تسجيله فى بادىء الأمر بحجة كبر سنه, فقد تأخر عن الإلتحاق بالدراسة فى سن مبكرة لإنشغاله بالإهتمام بماشية الأسرة, ولكن المدير وافق فى نهاية الأمر ولا ندرى أى جريمة كان سيرتكبها إذا تمسَّك بموقفه, درس المرحلة الثانوية في منطقة رومبيك وأُغلقت المدرسة بسبب الثورة التي كانت قد إندلعت في الجنوب عام 1955, فواصل تعليمه الثانوي بالمدارس العليا في تنزانيا، وذهب إلى كينيا وعمل في التدريس عام 1965 بمدرسة “كانتوناقا” الثانوية والآن تسمى مدرسة “ماونت كينيا العليا”, واصل قرنق دراسته حتى نال درجة البكالوريس في الإقتصاد عام 1969 من كلية قرنيل بمقاطعة (أيوا) بالولات المتحدة الأمريكية, وقد منح فرصة للدراسات عليا في أعرق جامعاتها لكنه فضَّل العودة لتنزانيا حيث درس الإقتصاد الزراعي لشرق أفريقيا بجامعة دار السلام, وكعضو في الجبهة الإفريقية الثورية بجامعة دار السلام، ربطته علاقة زمالة وصداقة مُميزة بيوري موسيفيني، الذي أصبح فيما بعد رئيساً ليوغندا, وقد ظل موسيفيني حليفاً وصديقاً حميماً لقرنق في رحلة نضاله الشاقة والطويلة حتى اللحظات الأخيرة من حياته, عاد قرنق إلى الولايات المتحدة مرة ثانية لتلقي تدريب عسكري في فورت بينينج، جورجيا.

 

إلتحق قرنق بحركة (أنانيا – 1) عام 1963، وهي الثورة التي قادها نائب الرئيس السوداني الأسبق جوزيف لاقو وكانت تسمى حركة تحرير جنوب السودان، وقتها كان قرنق يبلغ من العمر 18 عاماً, وبعد ذلك بعشر سنوات، وقَّعت الحكومة المركزية إتفاقاً مع حركة الأنانيا (إتفاق أديس أبابا 1972) وصار الجنوب منطقة حكم ذاتي, وإستوعب الجيش السوداني قرنق وآخرين حيث إنتقلوا للعيش في الخرطوم, حيث تم إستيعاب قرنق في القوات المسلحة السودانية برتبة “نقيب” بالدفعة الثامنة عشر, عاد قرنق إلى الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى عام 1974 ليحصل من جامعة (أيوا) على درجة الدكتوراة في الإقتصاد الزراعي عام 1981م, وبعدها عاد إلى الخرطوم وعمل في مركز البحوث العسكرية بالقوات المسلحة، كما عمل بالتدريس بجامعة الخرطوم كلية الزراعة.

 

الأستاذ الجامعى :

 

يقول الدكتور/ عمر القراى : (أول مرة رأيت فيها د. جون قرنق، رأيته يقف وهو في كامل زيّه العسكري، يحمل في يده قبعته العسكرية، وفي يده الأخرى حقيبة، في ركن نقاش، كنت أقدمه بكلية الزراعة في جامعة الخرطوم في عام 1983م.. وذلك بعد أن تخرَّجت من الجامعة بسنوات، وفرغت للتحضير للماجستير. وبعد أيام، حين بدأت الدراسة، كان د. جون من ضمن أساتذتي الأجلاء، وكان وقتها يعمل مديراً لإدارة البحوث العسكرية، قد تبرع للمشاركة في تدريس طلاب الماجستير، بلا مقابل.. وأذكر بالإضافة إلى د. جون، د. بابكر إدريس، ود. كامل إبراهيم حسن، وبروفسير فرح حسن آدم، والأستاذ الأمريكي الزائر د. براين ديسلفا، والذي ترك د. جون معه أوراق إمتحاننا، حين قرر السفر للجنوب، ليُنشئ الحركة الشعبية لتحرير السودان. لم تمنع د. قرنق مكانته كأستاذ، أن يقف في رُكن نقاش يؤمه الطلاب، ويتجافى عنه الأساتذة.. ولم يؤثر فيه، إنه يلبس الزي العسكري، ويُشارك طلابه المدنيين، الإستماع لمختلف وجهات النظر، التي كانت في الغالب، تهاجم الحكومة التي يعمل في جيشها.. كان إلى جانب تواضعه الجم، حريصاً على سماع مختلف الآراء ووجهات النظر، ومهتماً إهتمام بالغ، بالشأن السوداني، وما يدور في ساحة الحوار الفكري والسياسي، الذي كانت جامعة الخرطوم في ذلك الوقت، رأس الرمح فيه ) – إنتهى.

 

رؤية مبكرة واضحة لا تتغيَّر:

 

في عام 2002م زار د. جون قرنق الولايات المتحدة الأمريكية. فقامت الجامعة التي نال منها درجة الدكتوراة، وهي جامعة ولاية أيوا بإيمس، بدعوته لتكريمه في حفل، رأى هو أن يكون مُخاطبة للسودانيين الموجودين بالمنطقة وما حولها، عن الوضع السياسي في السودان، ورؤية الحركة الشعبية لمستقبل البلاد.

في بداية المحاضرة الشهيرة والتى قدَّم فيها قرنق رؤية متكاملة لطبيعة الصراع فى السودان وتصوره للحل الشامل, تحدث أحد أساتذة د. قرنق السابقين، وقرأ من آخر بيانات الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقال هذا ما يقوله قرنق، كقائد حركة تغيير، في وطنه، اليوم، وما يطرحه كحل لمشكلة بلده، بعد حوالي عشرين عام من النضال، فماذا كان يقول قرنق عندما كان طالباً ؟ وكان يحمل أيضاً أطروحة قرنق للدكتوراة، وقرأ منها من المقدمة التي يُلخِّص فيها قرنق مشكلة السودان، وتصوره العام لكيفية حلها، فضجَّت القاعة بالتصفيق، لما سمع الحاضرون من الإنسجام التام، بين حديث قرنق الماضي حين كان طالباً، وتصوره بعد أن أصبح قائداً ..!! فعلق البروفسير بانه : لا يعتقد بإن هناك قائد لحركة تحرر وطني في أفريقيا، أو غيرها، يملُك رؤية واضحة بهذه الصورة، سوى أن إتفقنا أو إختلفنا معه .. !!

 

قرنق المُفكر :

 

إستطاع د. قرنق بفكره وعمق رؤيته أن يضع نفسه عن جدارة وإستحقاق في سجل التاريخ، ليقف بذلك كأحد أعمدة الفكر السياسي في التاريخ السوداني المعاصر, وآخرين أقعدهم وَهَم زائف بعلوا شأنهم، وهؤلاء من حملوا وتحاملوا عليه كثيراً عن قصد وجهل بحقائق التاريخ، لكنه رغم كل ذلك، رحل تاركاً خلفه تراثاً فكرياً عميق المحتوى، تتقاصر أمامه قامات, وستظل كذلك سنيناً عددا إلى أن تعترف بعبقريته, لقد أدخل الراحل بقوة الفكر مصطلح “السودان الجديد” في القاموس السياسي السوداني ليصبح الآن لغة ومنطق الخطابات السياسية حتى في أجندة ألد أعدائه.

لم يكن د. قرنق مفكراً كلاسيكياً، بل كان ـ وسوف يبقى ـ عبقرياً متجاوزاً لزمانه، بكل ما تحمل هذه الجملة من دلالة, وبمقارنة ما طرحه من أفكار وفلسفة خلال تاريخه السياسي القصير في مواجهة معاصريه من الساسة السودانيين، تتكشف لنا كم كبيرة هي المسافة التي تفصله عنهم، سواء على مستوى الرؤية أو المنهج. قرنق كان رجلاً “مُفارقاً” لزمانه ومعاصريه، ذلك لأن هؤلاء “المعاصرين” ظلوا حبيسي أضابير المناهج التقليدية في التحليل بينما قفز هو مرحلة إلى الأمام في سلم التطور الفكري، مستفيداً من المناهج الرياضية في ثوبها الحديث لتفسير واقعه الإجتماعي، ومناقشة المستقبل السياسي إستناداً على هذه الأداة التحليلية القوية والمعاصرة.

 

منهجية قرنق :

 

على مستوى المنهج نجد أن قرنق ينتمي لما يمكن أن نطلق عليه مُفكري جيل الحداثة, فبمقارنة بسيطة لكل ما كتبه القُدماء والمُحدِّثين حول السياسة في السودان نجد أن كل هذه الكتابات لم تخرج عن قالب نمطي يستند على المنهج الوصفي/ التحليلي، والذي وبقدر ما يتميز بدقة السرد للوقائع، غير أنه من جانب آخر ضعيف في عملية التحليل (التفكيك وإعادة التركيب), إذ يغلب عليه طابع الترتيب الزمني التتابعي (الكرنولوجي) للوقائع بهدف تكوين “بنية كلية” لهذه الأحداث، تمتد خطياً لتربط هذه الأحداث مع بعضها البعض، على أساس تسلسل زمني مغلق بنقطتي بداية ونهاية, وهو الأمر الذي يؤثر في الناتج النهائي للتحليل, ولشرح هذه النقطة فلنتخيل الأحداث المتتالية الآتية : الواقعة (أ) حدثت في العام الأول، والواقعة (ب) في العام الثاني … الواقعة (س) في العام (ن). فأول ما يبدأ به المنهج الوصفي/ التحليلي رحلته هو وصفه للوقائع [أ، ب، ج…..]، ـ كحوادث مجردة في التاريخ.

 

منهج التحليل الرياضى :

 

بعكس غيره من المُفكرين والكُتَّاب والسياسيين الذين إستندوا على المنهج الوصفي/ التحليلي فى تشخيص الأزمة السودانية, فقد كان قرنق يري قضية السودان رياضياً على هذا النحو : س = (أ + ب + ج). حيث (س) هى السودان أو الهُويَّة السودانيَّة وهى دالة مرتبطة بالمتغيرات أ ، ب، ج. يمثل (أ) التنوع التاريخى، ويمثل (ب) التنوع المعاصر، و(ج) تأثيرات الحضارات الأخرى علينا، لأننا وكما يقول هو: “لا نعيش فى جزيرة معزولة إنما فى مجتمع إنساني”. أما المتغير (س) والذى يمثل الهُويَّة السودانيَّة، فهو المحصلة النهائيَّة لهذه المتغيرات أو المكونات وعموماً، فلنتصور الهوية الإسلامية العربية مرة أخرى بإفتراض أنها دالة مرتبطة بالتنوع المعاصر والتاريخي في المعادلة التي وضعها قرنق :

 

س (ثابت) = (أ + ب + ج)، حيث (س) الهوية العربية الإسلامية وهي هنا ثابت، (أ)، (ب)، (ج) تمثل التنوع التاريخي والمعاصر والمؤثرات الحضارية الإنسانية الأخرى كمتغيرات. عليه تكون النتيجة على النحو التالي:

(المتغيرات أ، ب، ج) = (ثابت)، وعند إجراء إشتقاق تفاضلي لهذه الدالة بالنسبة للزمن، وبما أن إشتقاق الثابت يساوي الصفر، وأن الهوية (س) التي تمثل الهوية العربية ثابتاً، إذا فمعدل تغير عناصر التنوع المعاصر والتاريخي تصبح صفراً (ثابت) أو لا يوجد تغير فيها (سكون لحظي).

وبإجراء الإشتقاق فإن: د(أ،ب،ج)/دن = صفر، وفي الرياضيات وعندما يساوي معدل تغير مُتغير (ما) الصفر، فهذا يعني أنه إما وصل نهايته العظمي أو الدنيا أو أنه في مرحلة إنقلاب يمضي بعدها في مساره، والذي قد يكون إما إنحدار أو علو أو في مسار ثابت. وهذا يعني أن هذه العناصر ستعاني واحدة من هذه الحالات المذكورة. ووصول هذين التنوعين إلى هذه المستويات من الإستنتاج الرياضي يدخلنا في تناقض مع الصيرورة التاريخية عند رؤيتها في الحقل الإجتماعي الذي يتحركان فيه، فكيف يمكن تفسير ذلك ؟؟ إن التفسير والوحيد الذي تقبله شروط العقلانية هو إفتراض تأثير عوامل محددة (Determinant) لهذين التنوعين تمكنت من الحد من تطورها في حقلهما التاريخي / الإجتماعي. وبدارسة عناصر المعادلة مرة أخرى يمكننا تقوية هذه الفرضية عند النظر لوجود الثقافة العربية الإسلامية كطرف في المعادلة. وطالما أن هذه الثقافة ـ وبحكم طبيعة تكوينها وبنيتها ـ سوف تعمل على الحلول مكان التنوع التاريخي والمعاصر بدلاً من التفاعل معه، فإن ذلك إما يؤدي إلى إنحدارهما أو وصولها إلى نهايتها العظمي أو الدنيا في تركيبية المعادلة، وإنحلال هذين التنوعين في بنية المعادلة يعني فقدان الرابطة التي من الممكن لها أن تتطور نحو تكوين هوية مُشتركة, وبهذا فقط يمكن تفسير النتائج التي أفرزها المنطق الرياضي.

 

رؤية السودان الجديد : معرفة جيدة للتاريخ :

 

ينطلق قرنق في رؤيته من واقع التعدد الإثني والثقافي والديني الكبير الذي يحفل به السودان، معتبره مصدر قوة الأمة، لا سبباً للشقاء والحروبات والتخلف, ويُفسر ذلك بأن وحدة الدولة والقوميات السودانية جميعها، تنطلق من واقعين هما : واقع التنوع التاريخى، والتنوع المعاصر، واللتين يعرّفهما على أنهما يمثلان عناصر تكوين وتشكُّل الأمة السودانية ولا بدَّ من تأسيس الوحدة عليهما.

 

تنوع تاريخي :

 

يُشير قرنق إلى أن القسم الأول من التنوع, يمثل التكوينات الثقافية والحضارية والعرقية التي سادت في العصور القديمة مستنداَ على التاريخ والأديان، ويمضي شارحاً ذلك بقوله:

(.. هذا هو الكتاب المقدس، وهو بين يدي وليس فى رأسي، ففى سفر التكوين، الإصحاح الثانى : “الله بحكمته المطلقة خلق كل شئ، غرس الرب الإله جنة فى عدن شرقاً ووضع هناك آدم الذى جبله، وكان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس. إسم الواحد “فيشون”، .. واسم النهر الثانى “جيحون”، وهو المحيط بجميع أرض كوش.. واسم النهر الثالث “حداقل”، وهو الجاري شرقي أشور .. والنهر الرابع هو “الفرات” ). ويمضي مُستطرداً في شرحه :

(سأعطي للناس فكرة مبسطة عن جنة عدن، إذ يعتقد الكثيرون أنها قطعة صغيرة من الأرض, فى الحقيقة أن جنة عدن مساحة كبيرة وممتدة من الأرض ـ فهى تنبسط من قيهون (قحيون) جنوباً الى الفرات شمالاً. وفيهون وفيشون اللذان يجريان فى أرض كوش هما نهري النيل الأبيض والنيل الأزرق. وتقع كوش، وفقاً لتفسير إحدى الحواشي، في السودان. فالسودان مذكور بالحرف فى الكتاب المقدس الإصحاح التاسع عشر : (“فرجع ربشاقى ووجد ملك أشور يحارب “لبنة” لأنه سمع أنه إرتحل عن “لخيش”، وسمع عن “تهارقا”، ملك السودان، قولاً قد خرج ليحاربك قائداً لجيش المصريين فعاد وأرسل رسلاً الى حزقيا ملك يهوذا) .ويذكر سفر أخبار الأيام الثانى، الإصحاح الرابع عشر، أنَّ حرباً وقعت بين الإسرائيليين وجيرانهم، وكان السودان أحد هؤلاء الجيران، فخرج إليهم زارح السوداني بجيش ألف ألف وبمركبات ثلاث مئة وأتى الى مريشة ) ويستطرد قائلاً : ( يتضح من ذلك أنه كان لنا حاكم يدعى “زارح” إستطاع أن يعد جيشاً قوامه مليون رجل), ويواصل : أيضاً، فى سفر زكريا، الإصحاح الثامن عشر، كما يعلم الكثيرون منكم، ورَّد أن الله سيعاقب السودان، ويبدو أن هذا العقاب قد وقع علينا بالفعل. هذا هو تاريخنا وهذا ما صنعناه نحن. لا بدَّ من الرجوع الى الماضى حتى ندرك الحاضر ونمهّد الطريق الى المستقبل. فقد إزدهرت حضارات كوش، ومصر الفرعونيَّة، والممالك القروسطيَّة منذ آلاف السنين قبل الميلاد. ومن ثمَّ، ومع بداية الحقبة المسيحيَّة، قامت فى السودان حضارات قويَّة تمثلت فى ممالك النوبة المسيحيَّة والتى دامت لأكثر من سبعمائة عام. وتبع ذلك، ومع ظهور الإسلام وتدفق المهاجرين من شبه الجزيرة العربيَّة، تأسست ممالك إسلاميَّة قويَّة, وبعدها جاء الحكم التركي ـ المصرى، ثم المهديَّة، ثم الحكم الثنائي الإنجليزي ـ المصري الى أن نال السودان إستقلاله فى 1956. هذا هو ما أُطلق عليه التنوع التاريخى … – الحديث لقرنق.

 

تنوع معاصر :

 

وينتقل د. قرنق إلى الشق الثاني وهو ما يطلق عليه (التنوع المعاصر)، بإعتباره الشكل الآخر من تركيبة السودان التي تكوَّنت حديثاً من قوميات ومجموعات إثنيَّة متعددة وقبائل كثيرة ـ تحصيها بعض المصادر ـ على أنها أكثر من 500 مجموعة، تتحدث أكثر من مائة وعشرين لغة مختلفة. فالدناقلة في شمال السودان ما زالوا يتكلمون “بالدنقلاوى”، والبجة ظلوا يتحدثون “بالبجاويَّة”. ويروي د. قرنق حادثة تشرح فكرته لمفهوم التنوع المعاصر بقوله :

 

(حدث لى شئ غريب عندما ذهبت الى شرق السودان، فى منطقة همشكوريب، لأتفقد قواتنا الموجودة هناك. كنت أخاطب شباب البجة، وهم لا يعرفون العربيَّة إنما يتكلمون لغة البداويت فقط، وأنا قادم من الجنوب وأتحدث معهم بالعربيَّة، فكان لا بدَّ لى من الإستعانة بمترجم) هذا هو التنوع المعاصر ? والحديث لقرنق – نجد العديد من القبائل فى الجنوب، مثل الدينكا، والنوير، والشلك، والزاندى، واللاتوكا، والفرتيت، والمورلى وغيرها من القبائل. وفي الشمال أيضاً توجد قبائل كثيرة غير عربيَّة، فهناك النوبة والفور، والزغاوة، والمساليت، والعديد من القبائل ذات الثقافة العربيَّة كالبقَّارة المسيرية والرزيقات، والكبابيش، والجعليين والشايقية وغيرهم. لدينا كل هذه القبائل وغيرها تمثل هذا التنوع، وهو أيضاً هناك ولم أفتعله أنا. ولدينا أديان مختلفة، فهناك المسلمون، وهناك المسيحيون وأصحاب كريم المعتقدات الأفريقيَّة. إذن، لدينا أديان مختلفة كلها متعايشة منذ زمن بعيد، بإختصار هى الإسلام والمسيحيَّة والديانات الأفريقيَّة التقليديَّة. هكذا، فإن هذا التنوع المعاصر، “قومياً” وإثنياً وثقافياً ودينياً، يُشكِّل جُزءاً منَّا.

ويخلُص قرنق إلى أن هذين التنوعين يشكّلان جزءاً من الهُوية السودانية، ويجب أن يكون السودانيين فخورين بتاريخيهم ويجب أن ينقلوه للأجيال اللاحقة، كما يجب تضمينه في المناهج التعليميَّة وتدريسه للطلاب لكي يدركوا ثقافتهم، وثراء ماضيهم. ويري د. قرنق إن التحدي الذى يواجه السودان هو كيف يتثنى له أن يعمل على صهر جميع عناصر التنوع التاريخى والمعاصر لكي ينشئ أمة سودانيَّة، قادرة على أن تستحدث رابطة إجتماعية قوميَّة تضم جميع السودانيين تتجاوز هذه “المحليات”، يفخرون بالإنتماء إليها، والدفاع عنها، دون نفى لأي من هذه المكونات.

على خلفية هذه الرؤية، تأسس مفهوم “قرنق” للسودان الجديد الذي دعَى إليه، على منهجية تربط ما بين الماضي والحاضر، أو الأصالة والمعاصرة في السودان بشكل جدلي صميمي، كاشفة بذلك عن وعيه التاريخي والسياسي العميق بجذور وأسباب الأزمة السودانية المُمتدة منذ خروج المستعمر من جانب، وعوامل النهضة الكامنة فيه من جانب آخر. وهو بذلك؛ ومن خلال رؤيته للسودان الجديد، أو كما ظل يقول في مناسبات عديدة “سودان على أسس جديدة”، يطرح صيغة ومعادلة للتعايش بين القوميات والأديان والثقافات المختلفة التي شكّلت السودان منذ عهود موغلة في القدم وحتى يومنا هذا، قائمة على أساس عادل في إقتسام الموارد وممارسة السلطة وبناء هوية مشتركة بديلاً للتناحر والإقصاء والتهميش السياسي والإجتماعي والإقتصادي الذي ظل السمة الأبرز في مسيرة الحياة السياسية في السودان منذ خروج الإنجليز.

نواصل ..

 

في الذكرى السابعة لرحيله:

 

قرنق.. زعيم إستثنائى لوطن منكوب (2-2).

 

عادل شالوكا

 

قرنق : الدين والدولة :

 

وفى تناوله لقضايا الدين والدولة فى السودان يقول قرنق :

نحن نقول أن الدين هو علاقة بين الإنسان وخالقه وأن هذه العلاقة تحكمها التشريعات الدينية, بينما العلاقة بين الإنسان والأشياء التي صنعها بأياديه (كالعربة والفندق والدولة،… إلخ) مختلفة, ذلك لأن الدولة مؤسسة إجتماعية سياسية خلقناها نحن لتقوم بخدمة مصالحنا المشتركة, فالعلاقة إذن، بين أنفسنا وبين ما خلقناه تختلف عن العلاقة بيننا وبين الذي خلقنا وهو الله. لأننا لم نر أبداً (دولة) ذهبت الي المسجد لأداء صلاة الجمعة مثلاً، وكذلك لم نر أبداً (دولة) ذهبت الي الكنيسة لأداء الصلوات يوم الأحد, لكن نحن الأفراد نذهب لأداء هذه الصلوات، وعندما نموت، ربنا لأ يسألنا عن دولتنا عملت شنو، بل (نحن عملنا شنو، كأفراد).

بهذه البساطة وضح الزعيم الراحل، د. جون قرنق دي مبيور، هذه العلاقة بين (الدين والدولة) لأن خلط هاتين العلاقتين، الدين والدولة، يوقع الكثير من المشاكل ويهدد النسيج الإجتماعي كما هو ظاهر في تاريخ البشرية عموما وفي تاريخ السودان بالخصوص.

 

قرنق ومحمود محمد طه :

 

وفي علاقة قرنق بالجمهوريين بصورة عامة وشهيد الفكر والإنسانية الأستاذ / محمود محمد طه, يروى الدكتور/ عمر القراى عن ذلك بقوله : ( إلتقيت بالدكتور/ جون قرنق عدة مرات، في حوارات متفرقة، كان فيها مهتماً بأن يعرف رأي الجمهوريين في مشكلة الجنوب، وكيفية التغيير.. أهديته كتابين أحدهما باللغة الإنجليزية، كان الجمهوريون قد أصدروهم عن موضوع الجنوب حين بدأ نميري موضوع التقسيم وإعادة النظر في إتفاقية أديس ابابا, كان يُبدي إحتراماً كبيراً للأستاذ محمود محمد طه، ويقف عندما يُنقل له من عباراته, وأذكر من العبارات، التي وقف عندها، وكررها أكثر من مرة، عبارة الأستاذ محمود (حل مشكلة الجنوب في حل مشكلة الشمال). ويحكى عمر القراى إنه عندما كان فى الولايات المتحدة حضر محاضرة لدكتور قرنق فى حفل تكريمه في جامعة قرنيل في (أيوا) وذكر قرنق فى فاتحة حديثه عن محمود محمد طه قائلاً : ( لقد قاومنا قوانين سبتمبر بدون تردد منذ إعلانها، وإعترض عليها أيضاً بعض المثقفين، ولكن أكبر من قاومها، وقدم روحه فداء لنا جميعاً، وضعضع بذلك سطوة السلطة، وحرك الشعب بالثورة عليها، إنما هو الأستاذ / محمود محمد طه، فلنقف جميعاً إجلالاً لشهيد الوطن، ورمز عزتنا، وكرامتنا، ووحدتنا). وعلى أثر حديثه هذا، وقف الحاضرون الذين لا يقلون عن الخمسمائة شخص، فصفق قرنق وبدأوا جميعاً يصفقون، ثم بدأ أحدهم يترنم بحداء، بلغتهم مع الضرب على الأرض بالقدم، وأخذوا جميعاً يرددون معه بما فيهم قرنق نفسه.. عرفنا فيما بعد إنه نشيد، بلغة الدينكا، يُقال عندما يموت زعيم القبيلة وهو يدافع عنها .. !!

فهم مُبكر لنظرية ما بعد الإستعمار ? Post-colonial :

الذي يتأمل في المنفستو الأول للحركة الشعبية لتحرير السودان لعام 1983 يندهش كثيراً لما آلت إليه أوضاع الحركة الشعبية لتحرير السودان, فيبدو إنها تأثرت بسمات الدولة السودانية القديمة فيما يُعرف ب”التطور العكسي” أى الرجوع إلى الخلف, فمنفستو 1983 يعتبر أكثر تقدماً من المنفيستو الحالي 2008 فكرياً ومنهجياً وموضوعياً, فقرنق كان ذو نظرة ثاقبة وإدراك مبكر بالأفكار والنظريات الحديثة والتي إستعان بها في تحليله للأزمة وتصوُّرِه لطرق معالجتها, ومن ضمن هذه النظريات (نظرية ما بعد الإستعمار Post-colonial) التى ضمَّنها فى الفصل الأول من المنفستو واصفاً ذلك بقوله :

 

1/ عندما أصبح واضحاً أن حروب تحرير حقيقية وشيكة الحدوث وأنها ستؤدي إلى تأسيس دول أفريقية مستقلة حقاً، عقد الإستعمار صفقة مع الصفوة الأفريقية البيروقراطية المتبرجزة والتي بدأت في الظهور حينها، هؤلاء الأفارقة الذين ساعدوا الإستعمار في إدارة الاستعمار المباشر (مدرسو المدارس الأولية، الممرضون، أولاد الكنائس، القساوسة، ضباط الصف، صغار التجار … الخ) تم تشجيعهم لإقامة أحزاب سياسية وتم دعوتهم إلى العواصم الكبرى مثل لندن، باريس، وبروكسل للتفاوض حول “شروط الاستقلال”. ذهب هؤلاء ورجعوا حاملين “وسائل الاستقلال” داخل حقائبهم وإستقبلتهم الجماهير في المطارات أحسن استقبال وبترحاب مفعم بالأمل، لكن هيهات!!! إن هذه الجماهير لم تكن تعلم بما تحتوي هذه الحقائب؛ إنه الإستعمار الجديد؛ لقد تم تغيير الإداريين المستعمرين بإداريين محليين، إلا أن إستغلال المستعمرات إستمر غير مضعفٍ.

 

2/ أحدث الإستعمار الجديد إعادة تقسيم أفريقيا للمرة الثانية، إن المستعمرات التي تبدو كبيرة للإدارة غير المباشرة من خلال الصفوة المحلية تم تقسيمها إلى مستعمرات جديدة. هكذا قسمت شرق أفريقيا البريطانية إلى الدول “المستقلة”: كينيا، تنجانيقا، يوغندا؛ وقسمت وسط أفريقيا البريطانية إلى الأقطار الحالية وهي: زامبيا، وزيمبابوي، ملاوي. أما أفريقيا الإستوائية الفرنسية فقد تم تقسيمها إلى ثلاث مستعمرات جديدة، فقد تم تشجيع الصفوة حول بحيرة تشاد للذهاب إلى باريس وإحضار إستقلالهم كتشاديين، والذين حول مدينة برازافيل ككنغوليين برازافيليين؛ ولعدم وجود تسمية أحسن فالذين في الوسط أصبحوا وسط أفريقيين؛ وهكذا تم خلق (14) دولة أفريقية مستقلة من مستعمرتين فرنسيتين.

 

3/ كان الإستغلال الإستعماري، وبالتالي التنمية الهامشية، أشد في الشمال أكثر من المناطق المتخلفة في السودان. لقد فرض التنافس في تجارة القطن بين بريطانيا وبقية العالم الرأسمالي ? خاصة أمريكا والصين ? قيام مشروع الجزيرة من الإستخلاص الرخيص للقطن لتغذية مصانع النسيج المتوعكة في مانشستير وليفربول. لهذا أصبح من الضروري تزويد الشمال بالتعليم العام والصناعي من أجل خلق صغار الموظفين المحليين اللازمين لمساعدة الإدارة الإستعمارية في إستخلاص الربح.

 

فى نقده لإتفاقية أديس أبابا 1972م :

 

إنتقد قرنق في الفصل الرابع من المنفستو, إتفاقية السلام التى وقعتها حركة الأنيانيا بقيادة جوزيف لاقو والتي كان له عليها العديد من التحفظات بقوله : ( إن رغبة الجنوبيين في الألقاب الوزارية ومثلها من المناصب في الجيش والخدمة المدنية تم تحقيقها أخيراً في عام 1972م في أديس أبابا بدلاً من عام 1956م في لندن. كانت إتفاقية أديس أبابا بين الصفوة البيروقراطية المتبرجزة في الجنوب ورصيفاتها في الشمال. لقد أملت الصفوة الشمال الشروط بينما ساومت الصفوة الجنوبية بمصالح الجماهير مقابل المناصب التي حرموا منها طويلاً, إن المناصب التي شعر الجنوبيون أنها من حقهم في عام 1956م منحت لهم أخيراً مقابل مليون ونصف المليون من الأرواح. كان لا بد للإتفاقية أن تنهار لأنها تجاهلت المصالح الحقيقية للشعب، إستغلت الصفوة الجنوبية الإتفاقية كمصدر للثراء في حين أن الصفوة الشمالية، بعد أن أيقنت بزوال العنصر العسكري (الأنانيا ?1) في أديس أبابا، حاولت إرجاع البلاد إلى حال ما قبل 1971م عندما كانت لهم الهيمنة في الشمال والجنوب على السواء).

 

إستراتيجية مبكرة لقيادة وإدارة الحركة الشعبية لتحرير السودان :

 

وضع قرنق إستراتيجية قوية ومنذ وقت مبكر لكيفية تحويل الحركة الشعبية لتحرير السودان من حركة جنوبية إلى حركة تحرر وطنى قومية تمتد إلى جميع أقاليم ومناطق السودان, وعبر منهجية علمية محكمة ومدروسة, فجاءت تلك الإستراتيجية فى منفستو 1983 على النحو التالى :

 

1/ تكوين الجيش الشعبي لتحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان لشن نضال مسلح طويل الأمد.

 

2/ التحديد المبكر للقيادة الصحيحة للجيش الشعبي وللحركة الشعبية لتحرير السودان حتى لا تخطف الحركة بواسطة أعداء الثورة.

 

3/ مواصلة العمليات ضد العدو من خلال حرب العصابات ومعارك شبه نظامية للحفاظ على قوة دفع الحرب. في البداية لا بد من الإبتعاد عن المواجهة المباشرة للعدو، ستكون الحرب طويلة الأمد لسبب الحجم الحالي لقوة العدو وحجم قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان. إن قوة الجيش الشعبي لتحرير السودان ستنمو من الخلية الصغيرة التي هي عليها الآن إلى قوة نظامية لها القدرة على تحطيم جيش السودان الرجعي.

 

4/ لا بد للجيش الشعبي لتحرير من تجميع المجموعات المقاتلة المبعثرة الآن في جنوب السودان وكسب ثقتهم وتدريبهم عسكرياً وسياسياً ومن خلال الحرب والتزام السلوك القويم لا بد للجيش الشعبي لتحرير السودان من كسب ثقة وتأييد جماهير الشعب (كان قرنق في معظم خطاباته ومحاضراته يأمر جنوده بعدم الإعتداء على أموال وممتلكات وأعراض المواطنين).

 

5/ لكي يتمكن من تجميع وتأسيس القوات المقاتلة بفعالية، يحتاج الجيش الشعبي لتحرير السودان إلى إنشاء معسكراته التقدمية منفصلاً عن معسكرات الأنانيا ?2 والتي هي في واقع الأمر معسكرات قبلية وإقليمية. بعد ذلك سيعمل الجيش الشعبي لتحرير السودان على كسب ثقة قوات الأنانيا ?2 وضمهم تحت قيادته.

 

6/ إنشاء جهاز فعال للدعاية يشترك فيه أكبر عدد ممكن من جماهير الشعب وهذا يشمل من ضمن الطرق الأخرى للدعاية والتحريض, إقامة محطة إذاعية للحركة الشعبية لتحرير السودان.

 

7/ إنشاء مكاتب سياسية في كل قطر للإتصال السياسي من أجل المساعدات العسكرية وغيرها ستكون هذه المكاتب بالضرورة تحت إشراف رئاسة الحركة الشعبية لتحرير السودان.

 

8/ إنشاء معهد لدراسات الحرب الثورية في منطقة محررة لتدريب الكوادر السياسية والعسكرية، سيتم إختيار هذه الكوادر من الأعداد الهائلة من الطلاب والعمال والموظفين الذين غادروا أو سيغادرون المدن إلى الأحراش. الضباط والرتب الأخرى من الذين يغادرون جيش السودان الرجعي سيتم فرزهم ويطلب إليهم الالتحاق بهذا المعهد بغرض التوجيه السياسي وتدريب عسكري تنشيطي.

 

9/ تحويل الوحدات المقاتلة في الميدان إلى وحدات عضوية للجيش الشعبي لتحرير السودان، الكوادر المدربة في معهد دراسات الحرب الثورية سوف تتولى قيادة هذه الوحدات ونقل معرفتهم وتجربتهم الثورية إلى كل الذين تحت قياداتهم.

 

10/ تسييس وتنظيم المزارعين وتدريبهم عسكرياً في مناطقهم المحررة.

 

11/ الإتصال بمجموعات المعارضة في الشمال والجنوب بهدف تكوين جبهة موحدة مع هذه المجموعات بشرط أن تظل قيادة هذه الجبهة مسلحة وتقدمية.

 

12/ وأخيراً، يكون من الضروري العمل للحصول على دعم فكري ومعنوي وعسكري وغيرها من أية دولة ومنظمة عالمية تتعاطف مع أهداف ومبادئ الجيش الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان.

 

رؤيته لتطوير الريف : الزراعة أولاً :

 

وفي خطابه خلال إحتفال أدائه القسم بالخرطوم حرص د. جون على توجيه تحية خاصة للمزارعين مشيراً إلى أنه هو نفسه مزارع, ثم تعهد بجعل الزراعة أولوية لديه في عملية التنمية ” سنأتي بالمدن إلى الناس بدلاً من أن نأتي بهم للمدن… وسنقضي على الجوع باستخدام أموال النفط لتمويل الزراعة” لقد كان قائداً عظيماً وصاحب رؤية نافذة، لكأنه كان يتنبأ بأن إعتماد السودان على واردات النفط ليس هو السبيل الأمثل نحو إزدهار البلاد ورفاه أهله. وقد جاء فى خطابه بمناسبة توقيع إتفاق السلام الشامل بنيروبى 9 يناير 2005م فى حديثه عن المزارعين :

(ينتجون الثروة, ولكنهم لا يمتلكونها) فى إشارة لتهميش المزارعين وقد كان إنحيازه واضحاً تجاههم.

 

قرنق والمناطق المهمشة :

 

ظل قرنق إلى آخر ايام حياته، على طرحه للسودان الجديد الموحد، وطرح ضرورة تحرك مواطني الريف لأخذ حقوقهم بأنفسهم.. وفتح أبواب الحركة الشعبية لكل مواطني الهامش. وبالفعل سرت روح الحركة الشعبية، في جبال النوبة، وفي الإنقسنا، وفي شرق السودان، وفي دارفور, وقد دافع قرنق عن موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان فى توحيد منبر التفاوض حول منطقتى جبال النوبة والفونج عندما رفض المؤتمر الوطنى التفاوض بخصوص المنطقتين فى المسار الرئيسى للتفاوض(منبر الإيقاد) بعد أن قرروا نقل ملف المنطقتين إلى مسار آخر للتفاوض فى ضاحية “كارن”, وبخصوص رفض الحكومة منح حق تقرير المصير لشعب المنطقتين, قال قرنق للوسطاء “سيمبويو ودانفورث” , لقد كلفونى بالتفاوض نيابة عنهم للحصول على حق تقرير المصير ولذلك لا إستطيع أن أفرض عليهم شيئاً آخر, فهذا أمر غير ديموقراطى الآن يجب أن تعطوهم حق التعبير عن تطلعاتهم, فجاءت المشورة الشعبية, وقد إهتم قرنق بقضية دارفور منذ وقت مبكر عندما بعث بحملة عسكرية عام 1991م بقيادة الشهيد داؤود يحى بولاد وعبد العزيز آدم الحلو, وقد إقترح على الحكومة عقب توقيع إتفاق السلام الشامل, إرسال قوات مشتركة من الجيش الشعبى والقوات المسلحة السودانية (10,000) جندى إلى دارفور للمراقبة, وهو المقترح الذى رفضته الحكومة, وفى إستقباله فى الساحة الخضراء 8 يوليو 2005م إرتفعت العديد من اللافتات المرحبة بقدومه من مختلف المناطق, ولكن أكثر اللافتات وضوحاً ولفتاً للنظر كانت لافتة دارفور الشهيرة والتى كُتب عليها (دارفور .. دارفور.. يا دكتور) وإلى قرنق يرجع الفضل في ثورة هؤلاء البسطاء، ووعيهم بحقوقهم، وتشجيعهم للوقوف للدفاع عنها. لقد أصبح د. جون قرنق دى مبيور، هو رمز المواطن السوداني البسيط، الذي وعى بظلمه، وهب واقفاً للدفاع عن حقه في الحياة الإنسانية الكريمة. ولقد أهّل قرنق لهذا الدور الفريد، مقدرته الفائقة على التضحية، والعيش مع البسطاء في الأحراش، لسنوات عديدة، وتقدم الصفوف في كافة المعارك التي خاضها الجيش الشعبي لتحرير السودان, وقد قاد معركتى “الجيكو” و”البيبور” بنفسه ومعارك أخرى شهيرة, وهذا بطبيعة الحال، خلاف السياسيين الآخرين.

 

قرنق : (3×1) :

 

يتميز د.قرنق بأنه جمع ما بين ثلاثة شخصيات، وهو الأمر الذي نادراً ما يتوافر في تكوين أي زعيم، وعلى وجه الخصوص في سودان ما بعد الاستقلال, فقد كان : 1/ مفكراً صاحب رؤية نافذة 2/ وزعيماً سياسياً مقتدراً 3/ وقائداً عسكرياً محترفاً، مما مكّنه من أن يقود الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في أحلك الظروف، طوال فترة نضال مسلح إمتدت لـ 21 عاماً إستطاع خلالها أن يكسب إحترام الشعب السوداني بأسره.

 

حشود 8 يوليو 2005 :

لقد عبّرت جماهير الشعب السوداني عن تقديرهم لقرنق عندما إستقبلته في الخرطوم بعد التوقيع على إتفاقية السلام الشامل، إذ قدَّرت الإحصائيات إن الذين حضروا إستقباله فاق الـ 6 مليون نسمة ضاقت بهم شوارع العاصمة السودانية. وهو ما لم يحدث قط لزعيم في تاريخ البلاد (!). وهذا الحدث وصفته صحيفة سودانية مستقلة بـ”الحشد الخرافي”، لكون إن المواطنين جاءوا : (… من كل حدب وصوب، يتدافعون بعنفوان من أجل قضاء بقية أعمارهم في هدأة بعد أن هدّهم طول المسير في ليل الديكتاتورية المليء بالمصاعب والمتاعب والثعابين والعقارب.. جميعهم جاءوا بلغاتهم ولهجاتهم وأزيائهم وطقوسهم وثقافاتهم ومعتقداتهم يصلّون بمئات الألسنة لرب واحد، ويشرئبون بملايين الأفئدة بفجر قادم، ويعانقون بفيض غامر من المشاعر آمالهم، وطموحاتهم.. وكانت قامة د. قرنق الممدودة من فوق المنصة.. تؤشر لإنبلاج شمس لا تغيب، في وطن عمّه الظلام طويلاً، وأرخى سدوله بغير رأفة بالعيون التي أصابها العمى من كثافة الظلمة، والأيدى التي أوهن جلدها طول فترة بقائها خلف الظهر مكتوفة), ويواصل الكاتب سرده : (كان “قرنق” حلم كل الوطن من حلفا إلى نمولي ومن همشكوريب للجنينة، كما كان دائماً يردد هو بنفسه دائماً عندما يتحدّث عن “السودان الجديد” إذ لم تكن تعلو عنده رقعة على رقعة، ولم ينكفئ على ضيق أفق يجعل لحدود الإستعمار قدسية بل كان – وهو الإنسان- يحلم ويعمل ويفكّر من أجل إنسان السودان في كل مكان.. لهذا أضحى رمزاً لكل أهل السودان.. جاءهم من أزمنة الزعامات المُهيبة والقواد الأفذاذ والمناضلين الأشاوس..).

 

مسيرة قرنق السياسية :

 

إن حياة د.قرنق السياسية أشبه ما تكون بقصص أبطال الأساطير اليونانية القديمة، فقد حارب الرجل 21 عاماً في أدغال جنوب السودان، وجباله بالشرق وصحاريه بالغرب، وفي النيل الأزرق وجبال النوبة، ولم يعش أكثر من 21 يوماً بالقصر الجمهوري بالخرطوم من بعد التوقيع على إتفاقية السلام الشامل التي أوقفت الحرب(!!). حارب الرجل بشجاعة منقطعة النظير أربعة أنظمة سياسية تعاقبت على حكم السودان (نظام المشير جعفر النميري في سنواته الأخيرة)، حكومة الفترة الإنتقالية برئاسة المشير سوار الذهب (1985 ـ 1986)، والحكومات الائتلافية الصادق المهدي في (1986 ـ 1989)، وأخيراً حكومة الإنقاذ برئاسة المشير عمر حسن أحمد البشير (1989 وحتى 2005) ، وهو تاريخ التوقيع على إتفاقية السلام الشامل. وطوال تلك الفترة واجه د. قرنق وأثناء قيادته للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، تحدّيات جسيمة كانت كفيلة بالقضاء عليه وعلى الحركة الشعبية، منها الحملات العسكرية المتتالية التي قادتها حكومة الإنقاذ في 1992، عندما كانت في عنفوان توجهاتها الإسلامية، أشهرها “صيف العبور”. كما واجهته الإنقسامات الحادة في صفوف قيادة الحركة الشعبية في نفس العام كما حدث بمدينة الناصر بولاية أعالي النيل، وخروج كل من د. لام كول، د. رياك مشار، وليم نون، أروك طون أروك وكاربينو كوانين بول، وتوقيعهم مع حكومة الإنقاذ على ماعرف بإتفاقية سلام الخرطوم في 1997. وقد كان هؤلاء يمثلون في ذلك الوقت أكبر هيئة قيادية للحركة الشعبية. تزامن ذلك مع إنهيار نظام منقستو هايلي ماريام في إثيوبيا في نفس الفترة، والذي وفَّر دعماً كثيراً للحركة الشعبية في ذلك الحين، مما أفقدها بإنهياره العمق الإقليمي، في وقت كانت فيه أحوج ما تكون إليه. وقد إستطاع د. قرنق أن يدير الأزمة بكفاءة القائد العسكري المتمرس، والزعيم السياسي المقتدر، مثبتاً بذلك أن قضية الحرب والسلام في السودان لا تجدي معها سقوط الأنظمة المتعاطفة بدول الجوار ولا تحد منها الإنقسامات.

إن د. جون قرنق دي مبيور، ومن خلال ما طرحه من أفكار ورؤى ومواقف سياسية، شكّلت ملامح حقبة هامة من تاريخ تطور الفكر والممارسة السياسية المعاصرة في السودان، يقف كأحد أعمدة الفكر والسياسة الشامخة ليس في حياة السودانيين فحسب، وإنما في إفريقيا والعالم, وكتجربة نضال زاخرة بالفكر والبطولة، و كفاح مرير مليئة بالدم والدموع من أجل تحقيق أحلام السـودانيين في الحرية والمساواة والتنمية المتكاملة، ومن قبل كل ذلك كرامة الإنسان السوداني على وجه الخصوص والإفريقي بصفة عامة، وبحثهما الدائم والمستمر عن الإستقرار, ناحتاً بذلك نقوشاً بارزة في مستقبل السودان، ستظل؛ دائماً، منارات تضئ ظلمة بحار الحياة السياسية لسفن الباحثين فيها عن الحق والعدل لأجيال قادمة في مستقبل السودان السياسي والإجتماعي.

 

المصادر :

 

1/ د. عمر القراي – في الذكرى الثالثة لرحيل القائد الفذ : هذا هو جون قرنق – صحيفة سودانايل الإلكترونية – 15 أغسطس 2008م.

 

2/ التجاني الحاج عبد الرحمن – قضايا الوحدة والإنفصال في فكر د. جون قرنق – موقع منبر السودان الجديد الإلكترونى – مارس 2006 م.

 

3/ د. جون قرنق ديمابيور (1945 ـ 2005) : مفكر سياسي وقائد عسكري سوداني من طراز فريد، مركز القرن الأفريقى لبناء السـلام أسمرا (بكـا) 2007م.

 

4/ د. الواثق كمير ـ د/ جون قرنق : رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية – 2005 م.

 

5/ منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان – 1983م.

 

6/ منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان – 2008م.

7/ شبكة رصد السودان – 27 يوليو 2012.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.