شهادة حق ومقاومة: من التهميش إلى التعبئة، والآن إلى الوحدة

بقلم: كوبِّيتا إدريس أمبالولا - جامعة آيي بجنوب السودان.

 

 

لا أكتب اليوم بصفتي طالباً في سنته السادسة بكلية الطب بجامعة آيي فحسب، بل بصفتي ابناً لجبال النوبة وشاهداً على عقودٍ من التهميش الممنهج والإهمال المتعمد والقمع الممنهج الذي مارسته الأنظمة السودانية المتعاقبة. لقد حُرم شعبنا، وعلى نحوٍ مقصود، من حقه في التعليم والرعاية الصحية والمياه النقية والعيش الكريم. لم يكن ذلك نتيجة فشلٍ في إدارة الدولة، وإنما سياسة مدروسة هدفت إلى محو هويتنا وإقصائنا من الوجود الوطني.

 

لقد تعرضنا للقصف الجوي، والحصار، وحملات الأرض المحروقة التي استهدفت إخضاعنا وإسكات أصواتنا. وأمام هذه الظروف، اختارت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ومعها قوى وجماعات أخرى مهمشة، طريق المقاومة. لم يكن خيارنا انتقاماً، بل دفاعاً عن حق البقاء. وقد استلهمنا في ذلك حلم المساواة والعدالة والتعددية، ووقفنا ضد السودان القديم الذي تأسس على العنصرية والإقصاء وهيمنة فئة ضيقة.

 

ومع ذلك، ظل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والمجتمع الدولي الأوسع في موقف المتفرج بينما كان شعبنا يواجه المذابح والتجويع والعنف الجنسي وتدمير القرى والحياة المدنية. وقد وثّقت المحكمة الجنائية الدولية وهيومن رايتس ووتش ووزارة الخارجية الأمريكية هذه الانتهاكات، لكن مكان الفعل العاجل ظل صمتاً مريباً.

 

اليوم، طوى السودان صفحة جديدة. فمن رحم المقاومة والمعاناة، وُلدت حكومة جديدة للسلام والوحدة، تعبر عن إرادة جماعية لتفكيك السودان القديم وإعادة تأسيس الدولة على مبادئ العدالة والمساواة والهوية المشتركة. ما كان بالأمس صرخة استغاثة للبقاء، أصبح اليوم مشروعاً وطنياً لإعادة البناء والتأسيس.

 

هذا ليس تمرداً، بل هو تجديد. إنه ميلاد جديد لسودان تُصان فيه الهوية الإفريقية، ويُحتفى فيه بالتنوع، وتُقدَّم فيه أولوية السلام. سودان تُبنى فيه المدارس والمستشفيات بدلاً من أن تُحرق القرى، وتكون فيه الدولة خادمةً لكل المواطنين دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة.

 

وعليه، فإننا ندعو الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وكافة الشركاء الدوليين إلى الاعتراف بهذه الحكومة الجديدة للسلام والوحدة وتقديم الدعم اللازم لها. إن زمن التهميش قد انتهى، وبُدئ عهد إعادة البناء. أما الإحجام عن الاعتراف فهو تمسك بهياكل الماضي الفاشلة التي لفظها شعب السودان.

 

لقد انتقلنا من التهميش إلى المشاركة، ومن القهر إلى الفرص، ومن العزلة إلى التضامن. فلينحاز العالم إلى السودان وهو يخطو نحو فجرٍ جديد؛ لا كضحايا لظلمٍ تاريخي، بل كصناعٍ للسلام والوحدة والكرامة لكل مواطنيه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.