
سكان المناطق غير المنظمة (العشوائي) في السودان: استهداف ممنهج وتصفية اجتماعية مُغلَّفة.
أبو بكر مكين - محامي ومدافع عن حقوق الإنسان.
باتت قضية سكان المناطق غير المنظمة (العشوائيات) في السودان ملفًا شائكًا ومعقدًا، يتجاوز كونه مجرد تحدٍ عمراني وتخطيطي ليلامس عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية في البلاد. في خضم الصراع الدائر والأوضاع الهشة، تصاعدت مؤخرًا حملات إزالة المنازل التي تصنفها الدولة كـ”غير منظمة”. هذه الحملات، التي شملت مناطق واسعة في بحري (كالعزبة، المرسى شمبات، السامراب، الجيلي)، محلية أمبدةو شرق النيل، ووصلت إلى ولاية الجزيرة وما يعرف بـ”الكنّابي”، لا تبدو مجرد إجراءات روتينية، بل تشي بوجود سياق أعمق من التصفية الاجتماعية والاستهداف الممنهج لهذه الفئات المهمشة
شيطنة وتخوين عبر التحريض
ما يثير القلق هو أن الإجراءات الميدانية سبقتها حملة تحريض واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد ساهمت المطالبات بـ”ضرورة إزالة هذه المنازل” تحت ذريعة أنها “حواضن لقوات الدعم السريع” – كما روّج لها أنصار “دولة البحر والنهر” – في خلق غطاء شعبي مضلل من الكراهية والعنصرية البغيضة
كما أن ظهور مقاطع فيديو، لسكان الولاية الشمالية، يطالبون الحكومة بإزالة مساكن المواطنين بحجة أنهم “مجرمون” ووجوه غريبة عن المنطقة، يعد مؤشرًا واضحًا على محاولات شيطنة وتنميط هذه الفئات.
يهدف هذا التمهيد الإعلامي والاجتماعي إلى تجريد هذه التجمعات السكانية من حقها في الوجود، مما يسهّل على السلطات تطبيق سياسات الإزالة القاسية دون مقاومة مجتمعية واسعة أو تعاطف شعبي.
البعد الرسمي لسياسة الاستهداف الشامل وغياب البدائل:
على الصعيد الرسمي، زاد إعلان وزير الدفاع في حكومة بورتسودان، الفريق حسن كبرون، عن سعي الدولة لإزالة “السكن العشوائي في كل ولايات السودان” من وتيرة القلق.
إذا كانت الإزالة هدفًا وطنيًا شاملًا، فكان يجب أن تُدار ضمن خطة واضحة تتضمن توفير البدائل السكنية اللائقة والتعويضات العادلة، وهذا ما تغيب عنه الكثير من الحالات.
هذه التصريحات والحملات تُترجم كـسياسة استهداف ممنهج لطبقات محددة، غالبًا ما تكون من أشد فئات المجتمع فقرًا وتهميشًا، والذين اضطرتهم ظروف النزوح والنزاعات وغياب التخطيط الحضري إلى بناء هذه المساكن. إن اتهام هذه المساكن بأنها “حواضن” لمجموعة مسلحة، هو تسييس لقضية سكنية واجتماعية، ويُستخدم لإعادة هندسة ديموغرافية واجتماعية للمدن.
تعميق الأزمة الإنسانية:
إن تدمير هذه التجمعات السكنية في ظل الأزمة الراهنة لا يحل مشكلة، بل يخلق مشكلة إنسانية جديدة وخطيرة. هذه الإجراءات تؤدي إلى
• زيادة النزوح والتشرد:
تشريد آلاف الأسر التي لا تملك أي بديل آخر، مما يزيد الضغط على المدن الآمنة نسبيًا أو يدفعهم للعودة إلى مناطق الصراع وهذا ما يهدف إليه الذين يقفون وراء هذه الحملة.
• تفاقم الهشاشة الاجتماعية:
تفكيك الروابط الاجتماعية والأمنية الهشة التي يوفرها هذا السكن.
• إهدار الكرامة الإنسانية:
التعامل مع ملف السكن كقضية أمنية فقط، وليس كحق أساسي من حقوق الإنسان.
في الختام، لا يمكن فصل حملات الإزالة العنيفة في السودان عن سياق أوسع من التهميش التاريخي وتصاعد خطاب الكراهية. إن ما يحدث لسكان المناطق غير المنظمة هو عملية تصفية اجتماعية مُغلفة بغلاف “تنظيم المدن”، هدفها الحقيقي هو إزاحة فئات اجتماعية واقتصادية معينة من خريطة المدن الرئيسية إن معالجة أزمة السكن غير المنظم تتطلب عدالة اجتماعية وتخطيطًا حضريًا مستدامًا، لا استهدافًا ممنهجًا يفاقم جراح وطن ينزف بالفعل.
ابوبكر مكين محامى ومدافع عن حقوق الإنسان [email protected]