
رئيس وزراء حكومة “تأسيس”: صوت التغيير الجذري في لحظة مفصلية من التاريخ السوداني.
خالد كودي، بوسطن، 18/7/2025
في ظل الواقع السوداني الكارثي الذي نشهده اليوم، حيث تنهار البُنى الأخلاقية والمؤسسية، وتتمزق خرائط العيش المشترك تحت نيران الحرب والتمييز، لا يمكننا أن نتحدث عن “رئاسة وزراء” وكأننا في لحظة استقرار بيروقراطي أو توافق نخبوي عادي. نحن لسنا أمام “وظيفة حكومية”، بل أمام موقع تاريخي وجودي، تقع على عاتقه مسؤولية الإشراف على لحظة إعادة التأسيس للدولة السودانية من الجذور، بعد عقود طويلة من الإقصاء، المركزية القهرية، والهوية الأحادية المفروضة.
لا وقت للتردد أو المساواة الشكلية:
رئيس وزراء حكومة “تأسيس” ليس مديرًا لمرحلة انتقالية عادية كما تفعل سلطات الأمر الواقع في بورتسودان، بل هو مؤمن علي مشروع وطني–ثوري تتجاوز مهمته حدود الإدارة إلى بناء مسار جديد كليًّا يليق بتضحيات الشهداء والمُهجّرين والمهمشين. عليه أن يكون الصوت الصريح لثورة تُنهي قرونًا من التهميش البنيوي، وتطلق لحظة التأسيس الجذري لدولة تُكتب بأيدي ضحاياها، لا جلاديها. وهكذا الحال مع كل وزراء تالسيس.
إن وثائق “تأسيس” – من الميثاق السياسي إلى الدستور الانتقالي – لم تصدر كإجراءات إدارية، بل كبيانات ثورية تعكس وعيًا جذريًا بحجم الخراب، وبضرورة القطيعة الكاملة – معرفيًا، أخلاقيًا، ومؤسساتيًا – مع الدولة القديمة، المركزية، والعنيفة، وبناء سودان جديد. ولذلك، فإن من يتقدم لتولي هذا المنصب لا يملك رفاهية التسويات الفوقية، ولا يحق له أن ينحني أمام الضغوط الجهوية أو الدينية أو الأيديولوجيات الموروثة. هذا المنصب يتطلب قائدًا بوعي تأسيسي ثوري، لا إداريًا تقليديًا متصالحًا مع قيم السودان القديم. وإن فشل، فالشعب سيكون له بالمرصاد، لا تهاون، ولا تأجيل.
أول الواجبات: إعلان أن الثورة لم تنتهِ بعد:
في خطابه الأول، يجب على رئيس الوزراء أن يعلن بوضوح وبصوت لا يتردد: إن تعيينه ليس نهاية الثورة، بل بداية مرحلة جديدة من تجذيرها. الشرعية لا تُمنح من تحالفات نُخَب الخرطوم أو دوائر السلطة التقليدية، بل من الميادين، من معسكرات النزوح، من المقابر الجماعية، ومن أحلام من حلموا يومًا بدولة عادلة:
هذه اللحظة لا تحتمل المواربة. لا مجال فيها للالتفاف على المبادئ فوق الدستورية التي تم الاتفاق عليها في نيروبي، بل يجب أن تُكرَّس كإرادة شعبية وميثاق وجودي للدولة المقبلة:
– علمانية الدولة- علمانية كل أقاليم السودان: أي الفصل بين الدين والدولة/ والسلطة السياسية، بما يضمن حرية المعتقد والمواطنة المتساوية دون عنعنة او تأجيل.
– اللامركزية العميقة: بوصفها مدخلًا للعدالة التاريخية، وتمثيلًا فعليًا للمناطق المهمشة في سلطة القرار والثروة
– الحق في تقرير المصير: كحق قانوني وإنساني لا مساومة عليه، يضمن كرامة الشعوب داخل السودان وتعددها
– المواطنة المتساوية بلا وصاية: لا فضل لعربي على إفريقي، ولا لمسلم على مسيحي أو أرواحي، او لاديني ولا لمركز على هامش، ولا لرجل علي امرة… الكل سواء
من خطاب الحقوق إلى بناء المؤسسات: ترجمة المبادئ إلى بنى مستدامة:
المسؤولية لا تتوقف عند إعلان النوايا، بل تتطلب أفعالًا فورية تترجم المبادئ إلى بنى ملموسة في حياة كل السودانيين. في سياق الكارثة الإنسانية الراهنة، عليه أن يطلق منظومة طوارئ إنسانية شاملة لإنقاذ حياة الملايين من النازحين والجوعى والمحرومين. ولكن الإنقاذ لا يُختزل في الإغاثة، يشملها، يبدأ ببناء مؤسسات مستدامة، من الناس وإليهم، لا تنتمي إلى المركز ولا لعقليتة، بل إلى السودان الجديد منها:
– مفوضية قومية للعدالة التاريخية، تتجاوز منطق التعويضات الإجرائية والعدالة الانتقالية نحو تأسيس عدالة تاريخية تشملها وتُعيد الاعتبار للتاريخ المسكوت عنه وتتجاوز أي احتيال.
– منصة دستورية شعبية، تُمكّن الجماهير من صياغة عقدها الاجتماعي دون وصاية نخبوية
– مجلس إعلام وطني تحرري، يعيد كتابة السردية السودانية بعدة لغات ولهجات، من البجاوية إلى النوبية و الدنقلاوية، ويعيد الاعتبار للمُهمَّش والمُقصى بوصفه جزءًا أصيلاً من الهوية السودانية الجامعة.
السلام الجذري والشامل: من ضبط السلاح إلى تفكيك العنف الرمزي:
وزراء تأسيس، علي راسهم رئيس وزراء تاسيس لن يُعفى من مسؤولية التعامل مع السلاح. لكن المطلوب ليس نزع السلاح في هذا الوقت، بل إعادة توجيهه سياسيًا وأخلاقيًا. فالسلاح ليس عدوًا في ذاته، بل أداة تعكس غياب العدالة. المطلوب هو ضبطه لا لتجريم من حمله دفاعًا عن حقه في الحياة واهله، بل لتوجيهه نحو بناء السلام الجذري الذي يعالج أسباب الحروب لا نتائجها فقط. يجب أن يُعلن رئيس الحكومة بوضوح: الحرب، وإن فرضت علينا، لن تُستخدم لتبرير الاستبداد أو محو الثقافات أو القيم المختلفة. من يدعو إلى “الضبط والانضباط” بوصفها مبررات للقمع الثقافي ، هو جزء من معسكر الطغيان، لا من معسكر التأسيس.
الخطاب الأول: عقد أخلاقي – سياسي لا مناسبة إعلامية:
على غرار خطابات نلسون مانديلا، وسلفادور أليندي، وإيفو موراليس، يجب أن يكون خطاب رئيس وزراء حكومة “تأسيس” وثيقة سياسية تُحدّد أفق المرحلة الجديدة لا حدثًا إعلاميًا عابرًا. يجب أن يقول فيه:
“لن نُعيد بناء السودان بالخرائط، بل بالناس. لا دولة تُبنى على الإهانة.
لن نكرّس خطاب الإقصاء تحت أي شعار – ديني أو قومي أو مدني”.
نحن نحرر الناس لا فقط الأرض، نحررهم من الإهانة ومن التسلط ومن الذاكرة المُهانة.
المساءلة الرمزية: الكلمة تقتل كما الرصاصة:
في سياق الحرب، لا بد من فتح ملف الخطاب العنصري، العنيف والمُهين. خطاب الكراهية الذي تصاعد في وسائل الإعلام وعلى ألسنة مسؤولين رسميين ليس مجرد كلمات، بل أداة قتل رمزي يجب تفكيكها.
كل الوزراء بمن فيهم رئيس الوزراء يجب أن يوجهوا هذه الخطابات لا أن يتواطؤأ معها. كما فعلت رواندا مع “غاتشاكا”، يجب تأسيس محكمة رمزية للخطاب، توثّق وتُحاسب من أهان النازحين أو الفقراء أو ضحايا الدولة باسم الوطنية أو الأخلاق أو الأمن…او الدين…
من دروس التاريخ: جنوب إفريقيا، بوليفيا، رواندا…
درس مانديلا: التأسيس الثوري والأخلاقي قبل القانوني:
حين خرج نيلسون مانديلا من سجن روبن آيلاند، لم يكن أول خطابه مجرد تهنئة رمزية بالنصر، بل وثيقة سياسية– ثورية وأخلاقية أعلن فيها نهاية مشروع الفصل العنصري، لا فقط قانونيًا، بل في الخيال والوجدان العام. لقد رفض تحويل الأغلبية السوداء إلى آلة انتقام، وركّز على العدالة التاريخية مع إبقاء جذور الصراع واضحة.
رئيس وزراء حكومة “تأسيس” السودانية، في سياق مماثل، لا يمكنه أن يتحدث بلغة رمادية أو متصالحة مع خطابات الإهانة الرمزية أو الثقافية، بل عليه أن يُعلن نهاية الدولة النخبوية المركزية القهرية، تمامًا كما أعلن مانديلا نهاية “الأبارتيد”، و ونحن الجماهير سنراقب هذا السقف، فان انخفض سيسمع منا !
درس بوليفيا: التعدد أساس التأسيس:
عندما تولّى إيفو موراليس رئاسة بوليفيا عام 2006، لم يكتفِ بإصلاح النظام الاقتصادي، بل أعلن أن الدولة البوليفية نفسها ستُعاد تأسيسها على الاعتراف بالتعدد الإثني واللغوي والروحي لسكانها الأصليين. كتب دستورًا جديدًا يعترف رسميًا بـ36 قومية، واعتمد التعدد كلغة قانونية للدولة.
في السودان، حيث تتقاطع العروبة والإفريقانية، الإسلام والمسيحية والأرواحية، وتتنوع اللغات والثقافات، لا يحق لرئيس حكومة التأسيس أن يُبقي على سردية واحدة فوق كل الآخر. عليه أن يُعلن منذ اليوم الأول: السودان متعدد، ومن يحكمه لا بد أن يقر أولًا بأنه لا يمتلك الحقيقة الثقافية أو الأخلاقية المطلقة، وعليه الالتزام بإدارة التعدد دون أي انحياز.
درس رواندا: لا تأسيس دون مساءلة للخطاب:
في رواندا، بعد المجازر البشعة عام 1994، قاد بول كاغامي مشروعًا لإعادة تأسيس الدولة على أنقاض الكراهية العرقية. لم يبدأ بالاقتصاد، بل بمحاكم “غاتشاكا” الشعبية، التي جعلت من الحقيقة والمساءلة عمادًا أوليًا للسلام.
رئيس وزراء “تأسيس” في السودان، بعد موجة خطابات العنصرين هنا وهناك ، لا يمكنه أن يصمت أو يُسامح باي ذريعة كانت، بل عليه أن يفتح ملف المساءلة الرمزية والخطابية، لأن الكلمة تقتل كما تفعل الرصاصة.
خطابه الأول: وثيقة سياسية لا مناسبة إعلامية:
على غرار خطاب الرئيس التشيلي سلفادور أليندي الأخير، الذي اختلطت فيه الكلمات برنين القنابل، يجب أن يُدرك رئيس وزراء “تأسيس” أن خطابه الأول قد يكون الأخير إذا لم يحمل معنى الصدق والإرادة الثورية والالتزام بالمبادئ فوق الدستورية. عليه أن يقول:
إن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط إعادة الإعمار، بل إعادة التأسيس. لا مكان في دولتنا القادمة لمن يرى في التعدد خطرًا. لا اعتراف بمن يستخدم الدين أو الأخلاق كأداة للقمع. لن نبني جيشًا من ضحايا التمييز، بل من مواطنين أحرار يدافعون عن وطنٍ يعترف بهم.
خطوط العمل: من النصوص إلى الترجمة المؤسسية:
كما فعلت جنوب إفريقيا في إنشاء “هيئة الحقيقة والمصالحة”، وكما فعلت تشيلي في إلغاء القوانين التي شرّعت الديكتاتورية، فإن المهام العاجلة لرئيس حكومة “تأسيس” يجب أن تشمل:
– تأسيس الجسم الدستوري بمشاركة ممثلي الأقاليم والمجتمعات المتنوعة، لتثبيت المبادئ فوق الدستورية كقواعد غير قابلة للتفاوض.
– إطلاق مشروع لبناء إعلام تحريري يعيد للسودانيين لغاتهم ولهجاتهم وصورهم المنسية
– فتح المجال أمام القواعد الشعبية لصياغة ميثاق العدالة التاريخية، لا العدالة الإجرائية/الانتقالية فقط…
– إعادة تعريف الخدمة المدنية والمؤسسة العسكرية كمؤسسات لا مركزية تمثيلية… ومهام اخري…
مقارنة أخيرة: سوريا والعبرة السودانية:
في سوريا، حين فشلت المعارضة في تقديم مشروع تأسيسي بديل، وسقطت في فخ المحاور والطائفية، بقيت الثورة بلا أفق، وتحولت المطالب العادلة إلى صراعات وجودية. السودان اليوم يقف على حافة المسار ذاته.
لكن “تحالف تأسيس” يقدّم ما لم تملكه ومالم تقدمه كل معارضات المنطقة: وثيقة ثورية متكاملة، دستور انتقالي، ورؤية فوق دستورية لبناء دولة جديدة من جذورها.
لكن من دون قيادة تنفيذية تليق بهذا المشروع، ومن دون رئيس وزراء يُدرك أنه حامل رسالة لا منصب، فإن هذا الأمل سيتبخر في مكاتب بيروقراطية أو مجاملات علي طراز ما ظلت تمارسه نخب الخرطوم.
بين ضمير الانتقال ومسؤولية القطيعة:
لن يُقاس رئيس وزراء حكومة “تأسيس” بما أنجز من قرارات إدارية أو ما وقّع من مذكرات تفاهم، بل بما مثّله من انحياز صريح للمبادئ فوق الدستورية التي تشكّل العمود الفقري لمشروع السودان الجديد. السؤال الجوهري الذي سيواجهه التاريخ هو: هل كان موظفًا ينتظر التوجيه من الأحزاب والائتلافات؟ أم كان صوتًا صريحًا للقطيعة الكبرى، يحكم بلسان الثورة لا بلسان السلطة، ويؤسس لميلاد دولة لا تعرف الوصاية ولا الإقصاء؟
لن تعفيه الجماهير ولن يعفيه التاريخ من السؤال الأخلاقي: هل صمت أمام إهانة الكرامة والهوية؟ أم وقف في وجه الاستعلاء، متحصّنًا بالعدالة والاعتراف؟ هل ساهم في إعادة إنتاج الدولة القديمة بأدوات جديدة؟ أم مَضى في طريق تأسيس وطنٍ جديد، تُكتب خرائطه بأصوات ضحاياه، لا بأقلام جلاديه؟
في جنوب إفريقيا، خُلِّد نيلسون مانديلا لأنه جعل من المصالحة عقدًا أخلاقيًا بعد قطيعة شاملة مع الأبارتيد.
في بوليفيا، كُتِب اسم إيفو موراليس لأنه لم يساوم على الاعتراف بالتعدد، وأعاد للهوية المهمشة سيادتها.
وفي السودان، لا نريد أن نضيف اسمًا آخر إلى سجل البيروقراطية، بل إلى دفتر التحوّلات التاريخية الجذرية.
إن حكومة “تأسيس” ليست سلطة مؤقتة، بل لحظة مفصلية في سردية السودان. ورئيسها ليس مؤتمنًا على إدارة الأزمات، بل على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها من منظور جديد: وطن علماني، ديمقراطي، لا مركزي، تُبنى فيه العدالة التاريخية كحق لا يخضع للتشويش، ولا تُؤجل باسم التوازنات أو الأمن أو الواقعية.
نحن لا نبحث عن صاحب منصب، بل عن حامل ذاكرة ومسؤولية، ضمير انتقالي يضع نهاية لجمهورية القهر، ويؤسس لعهد الاعتراف، نحن نريد رئيس وزراء قائد يُحوّل الجراح إلى مرتكزات جديدة للمعنى، ويرى في الرماد فرصة للتأسيس، لا مخرجًا للإنكار أو التجميل او الحياد او التواطؤ.
فليكن رئيس وزراء “تأسيس” على قدر القطيعة، لا التمديد.
على قدر المبادئ، لا الصفقات.
على قدر الثورة، لا الدولة القديمة.
ففي دفتر التاريخ، لا تُخلَّد المناصب، بل المعاني التي حملتها.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.