دور التعليم في تحقيق مشروع السودان الجديد (١-٣)

✍🏾: الجاك محمود أحمد الجاك

 

 

يعتبر التعليم وفقا للمفهوم المعاصر الذي تتبناه علوم التربية عملية منظمة ومقصودة تهدف إلى إكساب الأفراد المعارف والمهارات والقيم والإتجاهات، وتنمية قدراتهم العقلية والعملية والإجتماعية من خلال عملية تربوية وتعليمية مخططة بما يمكنهم من التكيف مع المجتمع، والمشاركة في تنميته وتحقيق النمو الشخصي والمهني المستمر.

تكمن أهمية التعليم في أنه يمثل الركيزة الأساسية للتنمية الشاملة، البشرية والإقتصادية بالنسبة للمجتمعات والأمم والشعوب والدول. ويلعب التعليم دورا محوريا في تمليك المعرفة وبناء الإنسان وتطويره، وهو أهم وسيلة لتحرير عقل الإنسان وبناء القدرات وتنمية الموارد البشرية والمادية، وهو ما يجعل التعليم الجيد أحد أهم مصادر القوة وتفوق أي دولة في عالم اليوم. فالمعادلة المنطقية أن التعليم الجيد يساوي بالضرورة (إنسان كفؤ – إقتصاد قوي – مؤسسات فعالة – مجتمع مستقر – ودولة قوية قادرة على المنافسة). لذلك فإن الإستثمار في التعليم ليس مجرد إنفاق تقليدي على قطاع خدمي فحسب، بل هو إستثمار إستراتيجي في الإنسان كمورد بشري لضمان مستقبل الدولة وأمنها وإزدهارها. والتعليم الجيد والمنتج في أي مجتمع أو دولة لا يقاس بعدد المدارس والجامعات وغيرهما من المؤسسات التعليمية كما هو الحال عندنا في نموذج الحركة الإسلامية بنسختيها اللتان تعتبران وجهان لعملة واحدة مع فارق الزمن، سواءا كان ذلك إبان فترة حكم المخلوع عمر البشير (من لدن ثورة الإنقاذ الوطني أيام عنفوانها وحتى إندلاع إنتفاضة ديسمبر)، أو في فترة اللجنة الأمنية، أي حكم الطغمة العسكرية المحسوبة على الحركة الإسلامية في السودان بقيادة الجنرال عبدالفتاح البرهان، وإنما يقاس نجاح التعليم وتقدمه بنوع التعليم ومستوي تصميم المناهج والمقررات الدراسية، وكذلك بالقدر والدور الذي تلعبه الدولة في دعم التعليم وتطوير البيئة المدرسية والبنية التحتية للمؤسسات التعليمية وإعداد المعلم الجيد مع الإهتمام بتنمية وتطوير قدراته وتطوير مهارات وطرق التدريس لدى المعلم وتحفيزه ماديا ومعنويا. بخلاف ما يحدث عندنا في دولة ٥٦، أو بالأحرى في السودان القديم الذي نعتبر الحركة الإسلامية إمتدادا وإنشطارا وتطورا طبيعيا له، حيث درجت الجماعة المسيطرة (الأقلية الحاكمة) على تعمد تخريب التعليم من خلال تشويه وأدلجة المنهج الدراسي وإضعاف التعليم العام (المدارس والجامعات الحكومية) بهدف إفراغها من رسالتها وإعجازها عن تحقيق أهدافها التربوية والتعليمية للمصلحة العامة، وتشويه البيئة المدرسية، فضلا عن تهميش المعلم والعمل على إذلاله وتحطيمه ماديا ومعنويا. يحدث كل ذلك في إطار تنفيذ إستراتيجية الجماعة المسيطرة وخطتها المتبعة منذ ما يسمى بمؤتمر تنمية الولاية الشمالية الذي تم عقده في العام ١٩٩٤م. وفي مقابل هذا التخريب المتعمد للتعليم يتم تشجيع خصخصة التعليم وتمكين المدارس والجامعات والكليات الجامعية الخاصة. الهدف من إتباع هذه الإستراتيجية هو إحتكار التعليم النوعي والجيد حتى تتاح لأبناء الجماعة المسيطرة حصريا الإنفراد بفرص الدراسة في أفضل المدارس الخاصة وأرقى الجامعات والمعاهد والكليات الجامعية داخل وخارج السودان، وبالتالي الإنفراد بالتعليم النوعي والجيد لأبنائهم وفي ذلك إحتكار واضح لأحد أهم مصادر القوة التي تضمن لهم إستمرار التفوق وإستدامة السيطرة. قيل قديما إذا أردت تدمير شعب والسيطرة عليه وإخضاعه، فعليك أولا بتدمير التعليم، وقم بتهميش وإذلال المعلم. ثم زور تاريخ هذا الشعب وقم بطمس ثقافته وهويته، وهذا بالضبط ما تمارسه بوعي الجماعة المسيطرة عندنا في السودان.

لقد تعمدت الجماعة المسيطرة إتباع عدة طرق ووسائل لتخريب التعليم في السودان من بينها:
أ/ تزوير التاريخ:
الشاهد أن تاريخ السودان الموجود في المنهج الدراسي تاريخ فيه إختزال وتشويه مضر بحاضر ومسقبل البلاد، لأن كثيرا منه عبارة عن كذب وتزوير للحقائق. وكثير من المعلومات التي تم تدريسها وتلقيننا إياها في المدارس بما في ذلك الأناشيد الوطنية مثل ملحمة الإستقلال التي شدى وتغنى بها الأستاذ والموسيقار محمد عثمان وردي (نشيد الإستقلال). ذلك النشيد الذي ما زال يدرس للأجيال جيلا بعد جيل، فقد جاء في إحدى مقاطعه:

كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية

صحيح الأنصار كانوا رجالا لا شك في ذلك، وقد خاضوا اللهيب فعلا، لكن ليس صحيحا أنهم شتتوا كتل الغزاة الباغية، فمعلوم أن كتشنر وبفضل تفوق السلاح الناري قد هزم جيوش الخليفة عبدالله التعايشي ودخل الخرطوم عنوة بعد أن حصدت مدافع المكسيم أرواح الأنصار. لقد سكتت تلك القصيدة وسكت التاريخ المكتوب في المنهج الدراسي أيضا ولم يحدثنا على الإطلاق عن من الذي إستجدى الإنجليز للمجيئ لإحتلال وإستعمار السودان؟! ومن الذي خان الثورة المهدية أصلا ووشى بالثوار وجاء دليلا لللغازي وخادما للمستعمر الأجنبي؟! لقد تم تلقيننا أيضا نشيد صديقنا منقو فحفظناه عن ظهر قلب بإعتباره ملحمة وطنية أخرى تجسد الوحدة الوطنية في أبهى صورها وفقا لرواية وسردية وشرح الأستاذ حتى ظل أكثر بيتين محببين لنا في تلك القصيدة:

نحن روحان حللنا بدننا ضمنا الوادي فمن يفصلنا
منقو قل لا عاش من يفصلنا قل معي منقو لا عاش من يفصلنا

فإكتشفنا فيما بعد، وللأسف الشديد أنه أيضا لا يعدو كونه كذبة تاريخية أخرى!! فمن كتبوا تلك القصيدة ودرسوها للأجيال هم من فصلوا جنوب السودان بالأمس القريب عندما تيقنوا من إستحالة إخضاع الجنوبيين بالقوة وإستحالة ترويدهم وإستمالتهم بساسات وتوجهات ناعمة، أو (بالأونطة والإستهبال) على هدى نظرية ووصايا عراب المركز الإمام الصادق المهدي الموثقة في كتابه المعنون: (خمس خطوات لأسلمة وتعريب جنوب السودان). ذلك الكتاب الذي صار فيما بعد وبعيد طباعته وصمة عار في جبينهم فصار أتباع المهدي وأنصاره يتوارون منه خجلا. لقد صار هؤلاء اليوم دعاة دولة البحر والنهر ودعاة إلغاء السودان إسما وتاريخا وجغرافية والإنضمام إلى الجارة في شمال الوادي. إكتشفنا أيضا مع مرور الوقت أن الزبير باشا ود رحمة الذي تم إمتداحه وتصويره وتقديمه لنا في المنهج والمقرر الدراسي كأحد الرموز التاريخية المهمة، وكشخصية وطنية أسست مملكة إسلامية في بحر الغزال، وعلى هذا الأساس ما زالوا يمجدونه ويخلدون ذكراه بإطلاق إسمه على أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة القومية الخرطوم (شارع الزبير باشا) إكتشفنا بمرور الوقت أنه، أي الزبير باشا كان أكبر تاجر رقيق في أفريقيا. فمن سخرية القدر كما قال القائد والمعلم يوسف كوة مكي أن يكتب تاريخ السودان المؤرخ العربي واللبناني نعوم شقير!! لكن ما كتبه نعوم شقير على علاته وعيوبه كان أهون بكثير وأقل تزويرا قياسا بما فرض تدريسه قسرا لأبنائنا اليوم في المقرر الدراسي لمادة التاريخ،على سبيل المثال لا الحصر: (دخول الناس السودان)!! فتاريخ السودان بحاجة إلى مراجعة حقيقية وإعادة كتابته، لأن مثل هذا التزوير لا يمكن تفسيره سوى بأنه بلطجة سياسية وشر مستطير، وبالتالي لا يمكن أن يقدم هذا النوع من التعليم والمناهج الدراسية التي تقوم على التزوير والتضليل المتعمد سوى تدمير حاضر البلاد ومستقبل الأجيال.

ب/ طمس الهويات والثقافات:
من الواضح أن أهم الأهداف التربوية والثقافية للمنهج الدراسي المعمول به في السودان اليوم هو صياغة التلميذ/الدارس وإعادة إنتاجه وتذويبه في حقل الثقافة العربية والإسلامية من خلال عملية الأسلمة والتعريب، الأمر الذي يعد رفضا وإنكارا واضحا للتعدد والتنوع، أي عدم الإعتراف بالآخر الثقافي، وإصرار على تطبيق نظرية بؤتقة الإنصهار Metmlting pot لإنتاج شخصية سودانية ذات هوية زائفة. فالمنهج الدراسي في السودان القديم كان وما زال، وسيظل منهج عنصري يكرس لتعميق صراع الهوية Conflict of identity الذي يعتبر أحد أبرز وأعمق جذور المشكلة في السودان، الأمر الذي يحتم ضرورة إعادة تصميم المنهج وإعادة النظر في أهدافه الثقافية لتحريره من سياسة الأسلمة والتعريب وأي توجهات أيديولوجية أو تحيزات عنصرية.

ج/ أدلجة وتسييس المنهج:
من شروط ومعايير التعليم الجيد والمنتج الحياد العلمي وإستقلال المؤسسات التعليمية والمنهج الدراسي ومراكز البحوث العلمية. ولا يمكن تحقيق تلك الشروط إلا بحياد وإستقلال المؤسسات المعنية بتصميم المناهج. ويتم ضمان ذلك الحياد والإستقلالية من خلال إيجاد إطار وطني ودستوري للمناهج في الدولة يحدد أهداف التعليم وفقا لحقوق الإنسان والمعرفة العلمية، وليس وفقا لمصالح الحكومات والأحزاب. ولا يتم ذلك إلا بإستقلال هيئة تطوير المناهج، شريطة أن تضم خبراء في التربية والعلوم، معلمين وأسانذة جامعات، مع شفافية إختيار أعضائها والحد من التدخل السياسي المباشر، وعدم سماح دستور الدولة بإقحام أي توجهات أيديولوجية لأي حزب سياسي أو جماعة دينية في المنهج كما حدث ويحدث عندنا في السودان، فقد تمت أدلجة وتسييس المنهج الدراسي في كل المقررات الدراسية بما في ذلك العلوم والرياضيات.

د/ خلو، أو بالأحرى إفراغ المنهج التعليمي من مادة التربية الوطنية Civic – education، هذه المادة تعد من أهم المواد والمقررات الدراسية في أي نظام تعليمي ناجح، لأنها تهدف في الأساس إلى تعزيز الإنتماء الوطني في التلاميذ والدارسين وترسيخ قيم المواطنة فيهم بهدف إعداد مواطن واع ومسؤول قادر على الإسهام في تنمية وتطوير مجتمعه ووطنه الكبير.

التعليم ركيزة أساسية لمشروع السودان الجديد:
بالرغم من ظروف الكفاح المسلح يظل التعليم كفكرة وبرنامج من أهم منجزات ثورتنا. ففي الأراضي المحررة يتم بناء نموذج حقيقي للتعليم في السودان الجديد بالرغم من حداثة التجربة والفارق في الإمكانيات المادية والبنية التحتية للمؤسسات التعليمية. لقد قامت الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال بترجمة رؤيتها في مجال التعليم إلى برنامج مفصل ضمن البرنامج السياسي الذي صدر في كتيب لها في بحر سبتمبر من العام ٢٠١٩م. هذه الإصدارة التنظيمية عبارة عن ترجمة فعلية لرؤية السودان الجديد في شكل برامج تطبيقية متوسطة المدى، وأخرى طويلة المدى، على أن تعقد ورش عمل أو مؤتمرات متخصصة لاحقا تحدد التفاصيل الأدق لكل مجال من المجالات. ويعود الفضل في ترجمة رؤية السودان الجديد فيما يتعلق ببرنامج التعليم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي إلى وعي قيادة الثورة بدءا من الراحل الدكتور جون قرنق ديمابيور، القائد والمعلم الراحل يوسف كوة مكي ورجل المهام الصعبة القائد عبدالعزيز آدم الحلو. ومعلوم أن هؤلاء القادة ثلاثتهم قد درسوا وتخرجوا في أعرق الجامعات. فالدكتور جون قرنق مثلا نال درجة الدكتوراه في أعرق جامعات الولايات المتحدة الأمريكية (جامعة آيوا)، وعمل محاضرا في جامعة الخرطوم. وتخرج القائد يوسف كوة مكي من كلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الخرطوم وعمل معلما ومربيا في حقل التدريس وفي السياسة قبل وبعد تخرجه من الجامعة. وكذلك تخرج القائد عبدالعزيز الحلو من كلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة الخرطوم، الأمر الذي أهل هؤلاء القادة ثلاثتهم منذ وقت مبكر، ومن واقع التجربة والممارسة والخبرة العملية لإكتشاف الخلل البنيوي والعيوب الموجودة في المنهج الدراسي وعرفوا كيف ساهم ذلك في تكريس الأوضاع المختلة في السودان. وبحكم وعيهم بطبيعة المشكلة والصراع الحاصل في السودان، وإدراكهم لأهمية ودور التعليم في تحرير إنسان الهامش وضرورة إمتلاك التعليم كأحد أدوات العصر وأهم الأسلحة ومصادر القوة التي يجب أن يرتكز عليها مشروع السودان الجديد أثناء الكفاح المسلح، وفي مرحلة ما بعد التحرير – أي مرحلة إعادة هيكلة وبناء الدولة، فقد فكروا خارج الصندوق وفكروا بعمق وجدية ومسئوولية القائد الذي يحمل هموم تحرير شعبه حتى توصلوا إلى القناعة بضرورة كسر إحتكار العلم والمعرفة، ومنع إستخدام التعليم كسلاح وكبنية رأسمالية إستعمارية لظلم وتهميش وقهر وإذلال الآخر العرقي والثقافي في السودان، أو لإستدامة التفوق والسيطرة. ومن هنا جاءت الرؤية العميقة، وجاء الإختلاف في برنامج التعليم وفي المنهج الدراسي للتعليم في السودان الجديد مع منهج التعليم في السودان القديم من حيث الأهداف التربوية، الأهداف العلمية، الأهداف الثقافية وحتى في لغة التدريس.

صفوة القول إن المنهج التعليمي في السودان منهج فيه تزوير متعمد للتاريخ يضر بحاضر ومستقبل البلاد. وهو فوق ذلك منهج تعليمي مسيس ومؤدلج وغير محايد. منهج يفرق بين الموطنين السودانيين على أساس العرق والدين والثقافة. ولا تكفل الدولة المساواة في فرص التعليم بين المواطنين السودانيين على أساس مبدأ الإنسانية والمواطنة. ولذلك كان لا بد من رؤية وطرح مغاير وجديد قادر على حمل المنهج التعليمي للإسهام بقوة في إعادة السودان إلى منصة التأسيس وبناء دولة قابلة للحياة.

ونواصل في الجزء الثاني من المقال،،،،،

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.