
دور التعليم في تحقيق مشروع السودان الجديد (٢-٣)
✍🏾: الجاك محمود أحمد الجاك
إن أخطر ما يخيف المستعمر هو كون أن يكون المستعمر (بفتح الميم) مستقلا في تفكيره، واعيا بذاته، ممتلكا لإرادته وواثقا في نفسه. فالذهنية الإستعمارية دائما ما تعمل على سلب عقل وكسر إرادة المستعمر لإخراجه من دائرة الفعل الحر والتفكير السليم، وإراغمه على التفكير بعقلية وسيكولوجية الإنسان المقهور.
السودان الجديد مشروع ساسي فكري يهدف في الأساس إلى إعادة هيكلة وبناء الدولة السودانية على أسس جديدة. والسودان الجديد رؤية لا تموت، فهو مشروع وطني حقيقي قابل للتطبيق والقياس، ومؤهل لبناء دولة قابلة للحياة. فالدولة القابلة للحياة The viable state ليست مجرد تعبير لغوي، وإنما تعني في قاموس السياسة الدولة القابلة للإستمرار، القادرة على رعاية وحماية مواطنيها، وكفالة المساواة وتحقيق العدالة، وإنتاج الثروة، وتطوير وتجديد مؤسساتها، وإدارة مواردها بمسئوولية وطنية، والدفاع عن سيادتها الداخلية والخارجية.
يعتبر التعليم الجيد أحد أهم البنى التحتية غير المادية للدولة القابلة للحياة، لأنه لا ينتح الشهادات الأكاديمية فقط، وإنما يبني وينتج الإنسان المؤهل لتشغيل مؤسسات الدولة. الإنسان القادر على إدارة الإقتصاد، والقضاء، والإدارة والبحث العلمي. وبما أن العلاقة بين التعليم وبناء الدولة علاقة عضوية ومباشرة، فقد قررت الحركة الشعبية وبفضل الوعي الإستراتيجي لقيادتها بأهمية التعليم ضرورة كسر إحتكار العلم والمعرفة، ومنع إستخدام التعليم كسلاح وبنية رأسمالية إستعمارية لظلم وتهميش وإخضاع الشعوب المهمشة في السودان. وكان من المهم الإيمان بأن هذا التحدي يمكن التغلب عليه على الرغم من صعوبة تحقيق ذلك ماديا، وإصطدام ذلك برفض ومقاومة سدنة المركز وأعضاء النادي السياسي القديم، ومن خلفهم عبيد المنازل الذين يرون في الأوضاع المختلة في السودان قدر محتوم، ويؤمنون بإستحالة التحرر من التبعية والخضوع لإستعمار دولة الجلابة، وإستحالة تصحيح هذه الأوضاع المختلة. بالطبع لا يمكن تحقيق مشروع السودان الجديد دون الإعتقاد في إمكانية الإنعتاق والتحرر من قيود وأغلال المركز، وإدراك حقيقة أن السياسة ليست فقط فن الممكن، وإنما هي أيضا فن الإبتكار وصناعة المستحيل. فتفوق وهيمنة الأقلية الحاكمة سببه الأساسي إمتلاك إمكانيات الدولة عن طريق وضع اليد، أي عبر مشروعية العنف والغلبة وليس بمشروعية العقد الإجتماعي. هكذا تمكنت الأقلية الحاكمة من إحتكار السلطة ومصادر القوة. إذا فالتحرر من هذا الواقع يحتم علينا ضرورة تغيير نموذج التفكير ال (Paradigm) والتسلح بقوة الإرادة. فالسودان ليس إستثناءا، فكم من دول خرجت ونهضت من تحت ركام الحرب وفارقت العنصرية والتطرف الأيديولوجي فإرتقت بفضل التعليم الجيد والمنتج إلى مصاف الدول المتقدمة. والأمثلة في ذلك كثيرة منها على سبيل المثال اليابان التي نهضت من ركام الحرب العالميةالثانية بالرغم مما فعلته قمبلتا هيروشيما وناجزاكي بتلك البلد، وبالرغم من عدم إمتلاك اليابان للموارد والثروات الطبيعية لكنها إستطاعت الإستثمار بكثافة في التعليم، وفي بناء وتنمية وتطوير الإنسان كأهم مورد. وفي أوربا على سبيل المثال رأينا كيف نجح الشعب الألماني بعد عصر الرايخ والنازية في تجاوز فكرة النقاء والتفوق العرقي والتخلى عن التطرف الأيديولوجي أو النازية ومعاداة السامية التي أضرت كثيرا بالبلاد، وبفضل ذلك صارت ألمانيا اليوم ضمن أكبر وأقوى أربعة إقتصادات في العالم، والأولى أوربيا. وعلى مستوى قارتنا السمراء هناك تجربة رواندا الصاعدة تعليميا وإقتصاديا وتنمويا على الرغم من الجينوسايد، وكذلك تجربة جنوب أفريقيا بعد الأبارتايد. الحقيقة أن المنهج التعليمي في السودان متخلف وغير منتج لأن الأزمة المستفحلة في السودان هي نتاج طبيعي لإصرار الجماعة المسيطرة على الإبقاء على بنية الدولة القديمة والفاشلة عبر فرض التوجهات الأيديولوجية والعنصرية في التعليم. وقد وصلت أزمة البلاد في مجملها إلى مرحلة إنسداد الأفق لدرجة أنها أفقدت الدولة الأساس الأخلاقي والدستوري الذي يبرر وجودها وإستمرارها لتضع البلاد أمام خيارين:
ا/ إما الإصلاح: وهو خيار أقرب إلى المستحيل لتعارضه مع أيديولوجيا وثوابت وإمتيازات الجماعة المسيطرة، ولغياب عنصر الإرادة السياسية والمسؤولية الوطنية لدى هذه الجماعة.
ب/ أو ثورة عارمة تقود إلى التحرر الكامل والحل الجذري الذي يفضي إلى تفكيك بنية الدولة القديمة وبناء سودان جديد يسع الجميع كنهاية منطقية، وهو الخيار المنطقي والأرجح، والأكثر واقعية على الرغم من كلفته، لكنه صار خيارا لا مفر منه. أؤمن وأعتقد بشدة أنه لا يوجد حل جذري دون القضاء على مؤسسات السودان القديم التي ترفض الحل الجذري من الأساس، خاصة وان النخب التي تدير هذه المؤسسات وتسيطر عليها ما زالت تتبع وسائل وتكتيكات ماكرة في التعامل مع جذور المشكلة وتحاول الإلتفاف على الحل الجذري بإتباع عدة حيل من بينها إنكار وجود المشكلة، وإتباع سياسة القمع أو الهروب إلى الأمام بهدف شراء الوقت وتأجيل الحل، أو فرض سياسة تجزئة الحلول Piecemeal solutions على حساب الحل الجذري لضمان عدم المساس ببنية الدولة القديمة.
التعليم في السودان الجديد:
وفقا لرؤية السودان الجديد وبرنامج الحركة الشعبية في التعليم كما جاء في كتيب البرنامج السياسي الصادر في بحر سبتمبر من العام ٢٠١٩م – الفصل الخامس ( محور الخدمات والتنمية البشرية)، فقد جاء وصف التعليم كركيزة أساسية للتنمية الشاملة، الإقتصادية والبشرية. وتم تحديد مواصفات التعليم في السودان الجديد وفقا للمعايير التالية:
١. علمي Scientific: أي أنه تعليم يلتزم بالمعايير العلمية، ويتوخى تقديم المعلومات الصحيحة.
٢. مساواتي Egalitarian: أي أنه تعليم متاح لكل أفراد المجتمع كسبيل لإكتساب المعرفة والترقي الإجتماعي.
٣. معيار للفرز Differential: أي أنه يشكل معيارا موضوعيا للتمييز الموجب، ويتيح الفرصة للمتميزين من أصحاب المواهب والمتفوقين للترقي وحيازة المواقع.
٤. تمديني Civilzing: أي أنه يعمل لنقل المجتمع من مرحلة التحيزات القبلية والعصبية الدينية أو الجهوية إلى مرحلة إحترام الإختلاف والنزاهة العامة، وترسيخ مبدأ الكفاءة والمهنية لحيازة المراتب.
٥. تقدمي Progressive: أي أنه يسعى لنقل المجتمع من مرحلة التخلف إلى مراحل أفضل من الكفاية والرفاهية وذلك عبر العمل والإبداع وإستشراف المستقبل، لا الركون إلى مخلفات الأسلاف.
٦. تعددي Multilateral: أي أنه يعطي الفرصة للجماعات الثقافية المتعددة بإتخاذ ثقافاتها مادة للمناهج التعليمية، ولغاتها كأدوات للتدريس.
٧. وطني Nationalistic: يكرس لإنتماء الفرد والجماعة للوطن الكبير ومجموعاته الأخرى بالأصالة.
وحدد البرنامج أهم الموجهات العامة للتعليم في السودان الجديد على النحو التالي:
١. إلزامية ومجانية التعليم الأساسي.
٢. مجانية التعليم الثانوي.
٣. تعليم عالي مدعوم، وذلك من خلال تطبيق نظام التسليف الفردي Student’s loan آجل الدفع.
٤. توسيع قاعدة التعليم المهني.
٥. ردم الفجوات الجندرية كما ونوعا.
ويقوم برنامج التعليم في السودان الجديد (بإعتبار ما يكون طبعا) على الآتي:
١. تعمير وتطوير البنيات التحتية للتعليم.
٢. تحسين وتوحيد البيئة المدرسية.
٣. تنمية القدرات البشرية بتطوير معاهد التربية وكلياتها.
٤. تطوير القدرات الإدارية والعودة إلى نظام التنقل الدوري، ال Rotation.
٥. حصر التعليم الخاص في الضروري فحسب.
وفيما يتعلق بترقية التعليم العالي وفقا لبرنامج التعليم في السودان الجديد يتم ذلك من خلال ترسيخ مهنية وإستقلالية الجامعات، دعم مؤسسات التعليم العالي لتقوم بمهامها في إنتاج المعرفة والإبداع ورفع كفاءة التعليم العالي، على أن يتم إنشاء مراكز البحث العلمي في كافة المجالات ودعمها.
لغة التعليم:
اللغة ليست فقط مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هي الأداة التي يفكر بها الإنسان ويفهم بها العالم من حوله ويكون بها المفاهيم. وتعتبر اللغة – أي لغة حاملة للثقافة وخازنة للقيم، وبحسب خبراء التربية وخبراء علم اللغات من الأفضل التعلم بلغة الأم وذلك لأن لغة الأم تساعد التلميذ/الدارس أكثر على:
١.جودة الفهم والإستيعاب.
٢. تنمية التفكير والتحليل.
٣. تحسين القراءة والكتابة.
٤. زيادة المشاركة داخل الفصل الدراسي أو قاعة المحاضرات.
٥. تقوية الهوية والثقة بالنفس.
٦. تحسين إنتقال المعرفة من المدرسة إلى المجتمع.
ومع أن التعليم بلغة الأم هو الأفضل، لكن لا يعني ذلك إغلاق الباب أمام اللغات الأجنبية التي تكون أداة جيدة للتواصل والإنفتاح، وأداة لإكتساب العلم والمعرفة العالمية. وعندما يكون الأمر متعلقا بالجامعة والعلوم تكون هذه المسألة أكثر تعقيدا، خصوصا في العلوم التطبيقية مثل الطب والهندسة والتكنلوجيا….إلخ. حيث توجد كمية هائلة من المصطلحات والأدبيات والمراجع العلمية العالمية باللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات. في حالة السودان وبما أن الدولة ظلت وبسبب عدم الإعتراف بالتعدد والتنوع، تعمل على تهمش وتدمير اللغات والثقافات الأخرى في البلد، فإن السودان الجديد كما ورد في برنامجه التعليمي يعطي الفرصة للجماعات الثقافية المتعددة لتطوير لغاتها وإتخاذها مادة ووسيطا للتعليم Medium of instruction، بل يجب أن يكون لهذا الحق الطبيعي إطارا دستوريا ملزما للدولة ومؤسساتها التعليمية. كأمر واقع، ومواكبة لإيقاع العصر تقوم المدارس في الأراضي المحررة بإستخدام اللغة الإنجليزية كلغة لتدريس المقررات الدراسية بإعتبارها أكبر لغات العلوم والتكنلوجيا عالميا.
وبالإطلاع على برنامج التعليم في السودان الجديد نجد أنه عبارة عن ثورة حقيقية على المنهج التعليمي الرجعي والمتخلف في السودان القديم الذي يقوم على تزوير التاريخ، ويكرس لطمس الهويات والثقافات وفرض هوية أحادية إقصائية، وإتباع توجهات أيديولوجية تضر بحاضر ومستقبل البلاد، لأن التربية الأيديولوجية في الدولة الثيوقراطية والعنصرية كما هو الحال في السودان عكس التربية الوطنية السليمة، إذ تكمن خطورة التربية الأيديولوجية في أنها تعلم التلميذ/الدارس الولاء الأعمى للتنظيم، التطرف الأيديولوجي، الولاء للنظام الشمولي، تمجيد وتقديس الزعيم، كراهية الخصوم (إعدام شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه نموذجا)، كراهية الآخر العرقي والثقافي (وقد رأينا كيف قادت كراهية الآخر العرقي والثقافي إلي إعلان الجهاد في السودان على أساس عرقي في تسعينيات القرن الماضي، كما أدى إلى قيام السوداني بذبح ونحر أخيه السوداني وأكل أحشائه وهو يحتفي بذلك وهذه ثقافة دخيلة لا تشبه ثقافات الشعوب السودانية الأصيلة، بل هي ثقافة داعشية مستجلبة من عصر الجاهلية). وفوق ذلك تعمل التربية الأيديولوجية على إلغاء التفكير النقدي وقتل روح الإبداع في التلميذ. فلا خير مطلقا في نظام تعليمي لا يساهم في تحرير عقل الإنسان من هذا الواقع المأزوم.
نواصل في الجزء الثالث والأخير من المقال،،،،،
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.