حين يتناول قضايا الهيمنة الثقافية المستلب ثقافياً، يكون نتيجته تكريس المزيد من الإستلاب وإستمرار الهيمنة

أندييلينقا مآجي أدم-توتو 24 يوليو 2026م أونتاريو - كندا

 

 

طالعت في إحدى منصات التواصل الإجتماعي منشورا يشبه المقال دون تدوين إسم كاتبه _ ولكن علمنا بأن المنشور يعود لشخص تدعى آلاء إبراهيم _ معنوناً ب “مغالطات وأساليب يستخدمها مناصروا الهيمنة الثقافية في السودان لتغبيش الوعي عن قضايا التهميش والعنصرية في السودان-منشور قد يهمك”. نحن لسنا بصدد التصحيح والحكم على المنشور بأنه مقال أو غير مقال، ولكن هذا المنشور لا يمكن تسميته بمقال لانه لا تنطبق عليه معاييره ولكننا سنحاكم ما ورد فيه.

حاولت آلاء ابراهيم (حسب عنوان منشورها) تفكيك وتوضيح بعض المغالطات التي “يستخدمها مناصروا الهيمنة الثقافية” حسب زعمها لكنها وقعت في مغالطة ذاتية خطيرة تفضح عقليتها وبنية تفكيرها، بإعتبار أن معظم النقاط التي ذكرتها كمغالطات هي تساؤلات إفتراضية لا يمكن أن يقدمها أي سوداني ملم بطبيعة الصراع وبنية الدولة السودانية العنصرية ذات الأحادية الثقافية العربية الإسلامية، التي ظلت، منذ إستلام النخب العروبية مقاليد السلطة في السودان بعد خروج الإستعمار الخارجي (الأجنبي) 1956م، ترعي وتمارس عمليات الإبادة الثقافية ماديا ومعنويا ضد ثقافات الشعوب الأفريقية الأصيلة بواسطة عمليات الأسلمة والإستعراب مستخدما كل ما توفر من موارد وأجهزة الدولة لإعادة إنتاج نموزج إنسان مقهور ومستلب ثقافيا وفق نظرية بوتقة الإنصهار لصالح الثقافة الإسلاموعروبية.

أوردت آلاء مجموعة من النقاط وتناولتها ك”مغالطات” وهذه المواضيع تمثل أساس بنية التفكير المنتج للهيمنة الثقافية الإسلاموعروبية في السودان وعملية إختزال هذه المواضيع كمغالطات منطقية هو تبسيط مخل تفضح العقلية المستلبة وغرضها تكريس الهيمنة الثقافية وإستمرارها عبر إعادة بناء تفكير وعقول المهمشين بخلق تصورات مشوهة لأنفسهم لتقبل وضعية التهميش والهيمنة الثقافية بإعتبار أنها أمر واقع لا يمكن تغييره.

ما وردت في منشور آلاء ابراهيم لا يمكن قراءته ووصفه سوى كعرض لمحضر تحقيق مع شخص من الهامش متهم بممارسة العنصرية (المعكوسة) قام به ضابط أمن ينتمي للثقافة العربية الإسلامية السائدة المفروضة في السودان. وإصرار هذا الضابط على تجريم المتهم وإقناعه بعدم قيمة التمسك بضرورة الإعتراف باللغات الأفريقية الأصيلة أو إحياءها، لأن اللغة العربية أصبحت واقع وهي لغة العلم ولا داعي لإهدار المال والوقت والجهد في تعلم اللغات الأفريقية المنقرضة لا محالة. هذه العقلية تفضح الكاتب بإعتباره نموزج لانسان سوداني مستلب ثقافيا ويستبطن العنصرية ويمارسها على نفسه وعلى الآخرين.

آلاء عبدالله تغض الطرف عن دور اللغة العربية كحامل ثقافي في السودان _ في عملية التهميش والاقصاء (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وجهويا …الخ) التي وقعت ويعاني من آثارها أبناء الأغلبية الأفريقية في السودان. وهي بذلك تساهم بوعي او لا وعي منها بدعم فكرة التخلي والتخلص من لغات الشعوب الافريقية الاصيلة في السودان (مشروع إستعراب السودانيين الأفارقة التي تبنتها كل حكومات السودان القديم المتعاقبة على السلطة) عن طريق الإستهزاء والإزدراء والتقليل من قيمتها وتسميتها بالرطانات ومعاقبة متحدثيها في المدارس وغيرها من الأساليب المتبعة بواسطة الحكومات في السودان مقابل تصوير اللغة العربية بانها الافضل والأحسن والأجمل.

هل تعلم آلاء بأن كل اللغات تحمل قيم ثقافية وإستعمالية متساوية بالنسبة للناطقين بها، وبان اللغة هي الحامل الثقافي وهي أبرز محدد للهوية، وتحمل اللغة الذاكرة التاريخية للشعوب من خلال القصص والروايات والأدب والفنون سواء كانت مكتوبة او شفهية وتحمل اللغة كذلك العادات والتقاليد وانماط السلوك وسبل كسب العيش للمجموعة المتحدث بها. وبالتالي اي مجموعة ثقافية تفقد لغتها تكون قد فقدت (بنسبة كبيرة) ذاتها وهويتها وذاكرتها التاريخية وكل ما يميزها عن الاخرين وتصبح نسخة مشوهة ثقافيا لشعب آخر ويعاني من عقد ومركبات نقص (الشعب الذي تقوم المجموعة الفاقدة للغتها بتبني ثقافته ولغته مثل العربية بالنسبة للشعوب الأفريقية التي فقدت/ نست لغتها)، وهذا ما يتمناه المستعربون والمستلبون ثقافياً ولن تحدث أبداً.

وأخيرا نقدم التحية والاحترام لكل الشعوب الأفريقية الاصيلة في السودان التي حافظت على تراثها الثقافي وعاداتها وتقاليدها الافريقية الجميلة وندعو كل الشعوب الافريقية الاصيلة في السودان والتي تمثل الاغلبية في السودان ان تسعى لتطوير لغاتها وأن تعمل عاى إعادة كتابة تاريخها بلغاتها الخاصة للمحافظة عليها.

وأعلم٫ من يعمل على إبادة ثقافتك ولغتك وتغيير إسمك; يحاول محو هويتك وإستئصالك وقطع ذاكرتك التاريحية وتحويلك لإنسان مشوه كاره لنفسه يسهل السيطرة عليه وإستخدمه.

 

أندييلينقا مآجي أدم-توتو
24 يوليو 2026م
أونتاريو – كندا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.