حين تُستغل حقوق الإنسان كسلاح سياسي: تفكيك ادعاءات مقال د. سلام توتو

خالد كودي، بوسطن

 

نشر د. سلام توتو مقالاً بتاريخ 13 ديسمبر 2025، قدّمه بوصفه “قراءة قانونية وحقوقية موضوعية” للتصريحات المنسوبة لرئيس هيئة أركان الجيش الشعبي لتحرير السودان–شمال، الفريق عزت كوكو، والتي دعا فيها المواطنين إلى مغادرة مدينتي كادقلي والدلنج تحذيراً وقائياً، في ظل تصعيد عسكري يُنذر بتحوّل المدينتين إلى ساحات قتال. وفي السياق ذاته، أصدرت قوى مدنية وأجسام أهلية في جبال النوبة بيانات مماثلة دعت إلى تحييد المدنيين وتجنيبهم مخاطر العمليات العسكرية.
ومن الضروري التأكيد، من حيث الواقع والقانون، أن هذه التصريحات لم تتجاوز كونها دعوات وتحذيرات، ولم تُنفَّذ على الأرض أي إجراءات تُشكّل ترحيلاً أو نقلاً قسرياً للسكان. لم تُستخدم القوة، ولم تُفرض أوامر إلزامية، ولم تُغلق طرق أو تُصادر ممتلكات، ولم تُسلب حرية الاختيار من المدنيين. وعليه، فإن توصيف هذه الدعوات باعتبارها “تهجيراً قسرياً” هو توصيف مغرض، كاذب، ملفق ومخالف للوقائع قبل أن يكون مخالفاً للقانون، ولنثبت هذا:

استند د. سلام توتو في مقاله إلى نصّين محدّدين، لكنّه بترهما من سياقهما وحرّف دلالتهما:
أولاً: المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949
تنص المادة على أنه:
“يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي، وكذلك ترحيل الأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه”
غير أن الفقرة نفسها تُقرّر استثناءً واضحاً، إذ تنص أيضاً على أنه:
“ومع ذلك، يجوز لدولة الاحتلال أن تقوم بإجلاء كلي أو جزئي لمنطقة محتلة معينة، إذا اقتضت ذلك سلامة السكان أو أسباب عسكرية قهرية، على أن يُعاد الأشخاص المُجلَون إلى منازلهم فور انتهاء الأعمال العدائية.”

موضع التحريف: تجاهل الكاتب هذا الاستثناء الجوهري، وقدّم النص وكأنه حظر مطلق لأي دعوة بالإخلاء، رغم أن الاتفاقية نفسها تجيز الإجلاء المؤقت لحماية المدنيين!

ثانياً: المادة (17) من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977
تنص المادة على أنه:
“لا يجوز الأمر بتهجير السكان المدنيين لأسباب تتصل بالنزاع، إلا إذا اقتضت ذلك سلامة المدنيين المعنيين أو أسباب عسكرية قهرية”
وتضيف المادة التزامات واضحة، منها:
“يجب اتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان استقبال المدنيين في ظروف مرضية من حيث المأوى والصحة والسلامة والتغذية، وألا يُفصل أفراد الأسرة الواحدة.”

موضع التحريف: خلط الكاتب بين الأمر القسري بالتهجير—وهو المحظور—وبين التحذير الوقائي غير الملزم الذي لم يُنفّذ فعلياً ولم يقترن بأي إكراه من اصلو!

إن هذين النصين، عند قراءتهما قراءة أمينة، لا يُدينان ما صدر عن الحركة الشعبية والقوى المدنية، بل على العكس، ينسجمان مع جوهر هذه الدعوات التي هدفت إلى حماية المدنيين وتقليل الخسائر في ظل خطر عسكري وشيك. فالتحذير الوقائي، ما دام بلا إكراه وبلا تنفيذ قسري، لا يُنشئ جريمة، ولا يرقى إلى التهجير القسري المحظور
وعليه، فإن تحويل دعوات وتحذيرات إنسانية لم تُنفّذ قسراً إلى “جريمة تهجير”، ليس قراءة قانونية، بل تحريف وتزوير متعمّد للنصوص وإساءة لاستخدام القانون الدولي الإنساني، تُفرغه من مقاصده الحمائية وتجعله أداة تضليل سياسي بدلاً من أن يكون إطاراً لحماية المدنيين. ولنناقش الامر مع الدكتور سلام توتو:

أولاً: التمييز القانوني الجوهري بين التحذير الوقائي والتهجير القسري، كشف سوء النية والاحتيال القانوني في ادعاء الكاتب:
يقع كاتب المقال في خلط قانوني فاضح بين مفهومين متمايزين بوضوح في القانون الدولي الإنساني، ثم يحاول عبر هذا الخلط المصطنع تحميل الحركة الشعبية مسؤولية قانونية لا سند لها نصّاً ولا اجتهاداً. هذا ليس خطأ تفسيرياً بريئاً، بل مناورة قانونية تهدف إلى تزييف الوقائع وتسييس النصوص لصالح الدولة والجيش… تلفيق ليس الا!
ويتمثل هذا الخلط/التلفيق في المساواة الزائفة بين:
– دعوة تحذيرية ومؤقتة للمدنيين لمغادرة مناطق يُتوقَّع—استناداً إلى معطيات عسكرية واقعية—أن تتحول إلى ساحات قتال، بقصد تجنيبهم مخاطر العمليات العسكرية؛
– والتهجير القسري المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.

التمييز القانوني الدقيق:
(Forcible Transfer) وفقاً للقانون الدولي الإنساني، فإن التهجير القسري
لا يتحقق إلا بتوافر عناصر محددة مجتمعة، من بينها:
– وجود سلطة فعلية ومباشرة على السكان المدنيين؛
– استخدام الإكراه، سواء بالقوة أو التهديد أو عبر حرمان المدنيين من أي بدائل آمنة؛
– توافر نية واضحة لتغيير البنية السكانية أو فرض عقوبة جماعية على جماعة بعينها
وهذه الشروط غير متوافرة إطلاقاً في تصريح الحركة الشعبية، ولا في مواقف المنظمات المدنية أو الشخصيات الوطنية التي أيّدت التحذير الوقائي. فلم تُمارس الحركة سلطة قهرية على المدنيين، ولم تُجبرهم على النزوح، ولم تُغلق أمامهم سبل البقاء، ولم تفرض واقعاً قسرياً يرقى إلى التهجير المحظور. تجاهل هذه العناصر الأساسية ليس اجتهاداً، بل تدليس قانوني رخيص.

التحذير الوقائي: إجراء مشروع وواجب قانوني:
(Precautionary Warning)في المقابل، فإن التحذير الوقائي
ليس إجراءً مشروعاً فقط، بل واجب قانوني بموجب القانون الدولي الإنساني. وهو منصوص عليه صراحة في المادة (57) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تُلزم أطراف النزاع بـ
“اتخاذ العناية الدائمة لتجنيب السكان المدنيين والأعيان المدنية آثار الأعمال العدائية”
وتنص المادة ذاتها على التزامات واضحة، منها:
– اختيار وسائل وأساليب القتال التي تقلل الضرر على المدنيين؛
– اتخاذ تدابير وقائية خاصة، لا سيما في الهجمات الجوية؛
– التأكيد الصريح على أن هذه الاحتياطات لا تُجيز بأي حال استهداف المدنيين
وبالتالي، فإن التحذير المسبق للمدنيين لا يُنشئ جريمة، بل إن غيابه في سياقات كثيرة هو الذي يشكّل الانتهاك، خصوصاً عند استخدام وسائل قتال ذات تأثير واسع، مثل القصف الجوي والطائرات المسيّرة.
قلب أخلاقي وقانوني متعمّد للوقائع من الدكتور
إن تحميل الحركة الشعبية مسؤولية ما سماه الكاتب “إرهاباً نفسياً” لمجرد أنها حذّرت المدنيين، بينما يواصل الجيش السوداني قصف المدن والمدارس والأسواق بالطيران دون أي إنذار، لا يمكن وصفه بقراءة قانونية، بل هو قلب أخلاقي وقانوني فاضح للوقائع، وتزييف صريح لوظيفة القانون الدولي الإنساني- مؤسف حقيقة!
وهنا يبرز سؤال لا يمكن الالتفاف حوله:
هل سمع الكاتب، أو أي من مؤيدي الجيش السوداني والمليشيات الإسلامية المتحالفة معه، عن تحذير واحد وجّهه الجيش السوداني للمدنيين في حروبه منذ عام 1956 وحتى اليوم؟
لقد قُصفت:
المدارس، الأسواق، المستشفيات والقري بطائرات الأنتنوف والميج والسوخوي دون أي تحذير. واقتحمت مليشيات مثل كتائب البراء وكتائب الخنساء، والقادسية، وسعد ابن ابي وقاص…الخ.. القرى، ونهبت المحاصيل، ودمّرت الآبار، وروّعت السكان بلا إنذار أو أي اعتبار لحياة المدنيين- فعم يتحدث هذا السلام؟
فبأي منطق قانوني أو أخلاقي يُدان التحذير الوقائي، ويُبرّأ القصف العشوائي؟
وأي “قانون دولي” هذا الذي يُستدعى لمعاقبة من يسعى إلى تقليل الخسائر المدنية، ويُغض الطرف عن من يجعل المدنيين هدفاً مباشراً، لا انذار، لاتحذير ولاهم يحزنون؟
إن ما يقدمه الكاتب ليس دفاعاً عن القانون الدولي الإنساني، بل احتيال قانوني مكشوف يخدم رواية السلطة، ويقلب جوهر الحماية الإنسانية رأساً على عقب، محوّلاً القانون من أداة لحماية الضحايا إلى أداة لإدانتهم، وياللبؤس!

ثانياً: مغالطة “النية الإجرامية” وتزييف مفهوم الإبادة الجماعية:
يقع كاتب المقال في تزويرٍ قانوني فاضح حين يحاول—ضمناً—الإيحاء بأن دعوة الحركة الشعبية للتحذير الوقائي من المخاطر العسكرية تنطوي على “نية إجرامية محتملة”!! هذا الادعاء لا يستقيم قانوناً، ويكشف جهلاً فادحاً بأسس الجرائم الدولية، وسوء نية مقصوداً لتبرئة الفاعل الحقيقي وتحميل الضحية عبء الجريمة.

التعريف القانوني الدقيق للإبادة الجماعية:
وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948)—وهو التعريف المعتمد دولياً والمُدمج في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية—تُعرَّف الإبادة الجماعية بأنها أي فعل من الأفعال التالية يُرتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً، وتشمل الأفعال:
١/ قتل أفراد الجماعة؛
٢/ إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفرادها؛
٣/ إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يُقصد بها تدميرها المادي؛
٤/ فرض تدابير لمنع الإنجاب داخل الجماعة؛
٥/ نقل أطفال الجماعة قسراً إلى جماعة أخرى.

الأركان القانونية الحاكمة لجريمة الإبادة الجماعية:
تقوم جريمة الإبادة الجماعية، وفق القانون الدولي، على أركان قانونية محددة لا تحتمل التلاعب الدعائي أو التأويل السياسي الفضفاض، ويمكن إجمالها على النحو الآتي:
أولاً: القصد الخاص
(Mens Rea / Dolus Specialis)

وهو النية المحددة والمتعمدة لتدمير جماعة معيّنة، كلياً أو جزئياً، بصفتها تلك. ولا يكفي لإثبات هذا القصد مجرد ارتكاب أفعال إجرامية، بل يجب أن يكون الهدف النهائي هو القضاء على الجماعة نفسها، لا تحقيق غايات عسكرية أو أمنية عابرة.
ثانياً: الجماعة المستهدفة
ويجب أن تكون جماعة قومية، أو إثنية، أو عرقية، أو دينية، وفق التعريف الحصري الوارد في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948
ثالثاً: الفعل المادي
(Actus Reus)

ويتمثل في ارتكاب واحد أو أكثر من الأفعال الخمسة المنصوص عليها حصراً في الاتفاقية، مثل القتل، أو إلحاق الأذى الجسدي أو العقلي الجسيم، أو إخضاع الجماعة لظروف معيشية يقصد بها تدميرها، أو منع الإنجاب، أو النقل القسري للأطفال.
هذا الإطار القانوني لا يُستخلص من تصريحات عامة، ولا من تحذيرات إنسانية أو وقائية، بل يُبنى على تحليل شامل لسجل متكامل من الأفعال والسياسات والممارسات على الأرض.
حقيقة قانونية حاسمة
إن القصد الخاص في جريمة الإبادة لا يُستدل عليه من خطابٍ معزول، بل يُستنتج من مؤشرات موضوعية متراكمة، من بينها:
– نمط متكرر ومنهجي من الأفعال عبر الزمن؛
– سياسات دولة معلنة أو مضمَرة تستهدف جماعة بعينها؛
– أوامر عسكرية وسلاسل قيادة موثقة؛
– خطاب كراهية رسمي ينزع الإنسانية عن جماعة محددة؛
– واستهداف منظم لجماعة معينة بسبب هويتها، لا بسبب سلوك أفرادها
وبدون توافر هذه العناصر مجتمعة، لا يقوم الوصف القانوني لجريمة الإبادة الجماعية وفق المعايير الدولية المستقرة.

تطبيق المعيار على الحالة السودانية:
إذا طُبِّق هذا المعيار تطبيقاً أميناً—لا انتقائياً—فإن الدولة السودانية وأجهزتها العسكرية والمليشيات المتحالفة معها هي التي تتوافر في سجلها عناصر القصد الخاص، عبر تاريخ طويل وموثّق، من بينها:
– قصف المدارس والأعيان المدنية (الهدرا، هيبان، كاودا، كُمو)؛
– استهداف المدنيين جوياً لعقود دون إنذار؛
– التهجير القسري والتجويع والتطهير العرقي في جبال النوبة؛
– خطاب “التمرد” و”الحسم” الذي نزع إنسانية جماعات إثنية بعينها وشرعن استهدافها
هذه الوقائع تُشكّل نمطاً وسياسة، لا حوادث معزولة؛ وهي الإطار الذي يُستدل منه قانوناً على القصد الخاص.

في المقابل: أين تقف الحركة الشعبية؟
– لا يوجد توثيقٌ قضائي أو حقوقي لنمط استهداف مدنيين من قِبل الحركة الشعبية؛
– لا توجد سياسة مُعلنة أو مُضمَرة للإبادة؛
– ولا خطاب كراهية إثني ينزع الإنسانية عن جماعة محددة
وعليه، فإن إقحام الحركة الشعبية في خانة “النية الإجرامية” عبر تحذيرٍ وقائي هو قلبٌ للمعيار القانوني، لا تفسيرٌ له سوي غيباب الأمانة والكذب والاحتيال.

وعليه:
الخلط الذي يمارسه الكاتب ليس مجرد خطأ علمي؛ إنه تزويرٌ للمعايير القانونية وتواطؤٌ مفضوح مع الفاعل الحقيقي، إذ يحاول ان يُفرغ مفهوم الإبادة من مضمونه، ويحوّله من أداة مساءلة للسلطة إلى سلاح اتهام ضد الضحية.
إن القانون الدولي لا يُستدعى لتبييض سجل دولةٍ توافرت فيها السياسة والنمط والقصد، ولا لمعاقبة من يسعى—عبر التحذير الوقائي—إلى تقليل الخسائر المدنية…ولأنه سقوط، فاعد ياد كتور اعد!

ثالثاً: انتقائية “حقوق الإنسان” كأداة لتبرير الدولة:
يتعامل الكاتب مع القانون الدولي الإنساني بانتقائية سطحيّة، كأنه وُضع فقط لضبط الحركات المسلحة، لا لمساءلة الدولة بوصفها الفاعل الأكثر تسليحاً وتنظيماً وخطورة. وهذا الفهم لا يسيء قراءة النصوص فحسب، بل يقلب الوظيفة التاريخية للقانون الدولي، الذي نشأ أساساً لتقييد عنف الدولة لا لتجميله أو توفير غطاء أخلاقي لجرائمها.
وتتجلى هذه الانتقائية حين يستدعي الكاتب اتفاقيات جنيف لمهاجمة الحركة الشعبية، بينما يتجاهل عمداً انتهاكات موثقة ارتكبها الجيش السوداني والمليشيات الإسلامية المتحالفة معه، مثل القصف الجوي للأعيان المدنية، قتل الطلاب داخل المدارس، استهداف سيارات الإسعاف، منع الإغاثة، عسكرة المدن، والتهجير القسري واسع النطاق. هذه ليست ادعاءات سياسية، بل وقائع مثبتة في تقارير دولية وحقوقية.
وعليه، فإن ما يقدمه الكاتب ليس قراءة حقوقية نزيهة، بل تحيّز بنيوي للدولة، يُفعِّل القانون حين يخدمها ويعطّله حين يدينها، محوّلاً حقوق الإنسان من أداة مساءلة وحماية إلى وسيلة تبرير سياسي، ومفرغاً إياها من مضمونها الأخلاقي مهما بلغت جسامة الجرائم المرتكبة.

رابعاً: خطاب “الخوف من الدعم السريع” بوصفه ستاراً سياسياً وتبسيطاً قانونياً مُخلّاً:
يعمد الكاتب إلى شيطنة الحركة الشعبية عبر ربطها آلياً بقوات الدعم السريع، دون أن يقدّم أي تحليل قانوني جاد لمبدأ (Command Responsibility)مسؤولية القيادة والسيطرة
وهو المعيار الحاكم في القانون الدولي الجنائي لتحديد المسؤولية عن الجرائم – القصة ما “جربندية” يادكتور!
ما الذي يجرّمه القانون الدولي فعلاً؟
القانون الدولي الإنساني والجنائي لا يجرّمان التحالفات السياسية أو العسكرية بذاتها، بل يُحمِّلان المسؤولية الجنائية حين تتوافر عناصر محددة، من بينها:
– إصدار أوامر مباشرة بارتكاب الجرائم؛
– السيطرة الفعلية على القوات المنفِّذة؛
– العلم بالجرائم وعدم اتخاذ تدابير معقولة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها؛
– أو التواطؤ المباشر في التخطيط أو التنفيذ
الخلط بين التحالف والمسؤولية الجنائية ليس اجتهاداً قانونياً، بل تبسيط مُخلّ يُستخدم لتشويه الخصوم سياسياً، لا لتطبيق القانون.
مقارنة كاشفة للانتقائية:
بينما يبالغ الدكتور في استدعاء “الخطر” المفترض للدعم السريع لتجريم الحركة الشعبية، يتجاهل—دون أي مسوّغ علمي— ودون ان يرمش له طرف حقائق موثقة تاريخياً:
– أن الجيش السوداني أقام، عبر عقود، وبشكل منهجي تحالفات عضوية مع:
١/ مليشيات إسلامية؛
٢/ قوات الدفاع الشعبي؛
٣/ كتائب جهادية منظّمة؛
– والجيش قوى ارتكبت جرائم إبادة وتطهير عرقي في جبال النوبة وغيرها، تحت مظلة الدولة، وبسلاسل قيادة واضحة.
لو طُبّق معيار القيادة والسيطرة تطبيقاً متسقاً، لكان العبء القانوني موجهاً إلى الدولة المركزية وأجهزتها، لا إلى حركة تحرر لم يُثبت عليها إصدار أوامر أو ممارسة سيطرة على جرائم موثقة بحق المدنيين!

الخلاصة هنا:
تجاوز الكاتب لهذه الحقائق ليس سقطـة معرفية عابرة، بل انحياز سياسي مُسبق: فـ”الخطر” الحقيقي في خطابه ليس العنف ولا حماية المدنيين، بل فقدان الدولة المركزية احتكارها للقوة والسيطرة. وهكذا يُستبدل التحليل القانوني الرصين بخطاب تخويفي، يُوظّف القانون لإعادة إنتاج سردية السلطة، لا لمساءلتها.

خامساً: حين تُستَخدم “حماية المدنيين” كسلاح ابتزاز سياسي رخيص:
ما كتبه صاحب المقال ليس موقفاً حقوقياً، ولا قراءة أخلاقية، بل انخراطٌ فاضح في بروباغندا سلطة بورتسودان، وترديدٌ كسول لخطاب الدولة القديمة وجيش الحركة الإسلامية وكتائبها، بلسان من يُفترض أنهم أبناء قضية لا أبواق سلطة.
وهنا تكمن الفضيحة: أن يقوم بعض أبناء النوبة أنفسهم بلعب هذا الدور، وأن يتحولوا—بوعي أو بدونه—إلى أدوات دعائية تُجمّل القاتل وتُدين الضحية والمقاومين!
مقال الدكتور سلام توتو لا ينطلق من السؤال الحقيقي الذي يفرضه أي ضمير حي:
كيف نوقف القصف؟ كيف نمنع قتل الأطفال؟ كيف نُحاسب من يضرب المدارس بالطيران؟
بل ينطلق من سؤال آخر، مكشوف ومخزٍ:
كيف نُعيق الحركة الشعبية؟ كيف نكبح مشروع السودان الجديد؟ كيف نحمي امتيازات المركز ولو على جثث أهلنا؟
وعند هذه النقطة، تُغتَصب “حقوق الإنسان” مرة أخرى، لا على أجساد الضحايا، بل في معناها ذاته، فتتحول من:
– أداة إنصاف وعدالة
إلى:
– عصا سياسية لتأديب الخصوم
– ولغة تخوين تُستخدم ضد كل من يهدد بنية الدولة العنصرية القديمة!
هذا ليس فشلاً فكرياً فحسب، بل انحطاط أخلاقي:
أن تُستدعى معاناة المدنيين لا لإنقاذهم، بل لابتزاز مشروع تحرري،
وأن يُستثمر دم الأطفال لا لإيقاف الحرب، بل لإطالة عمر السلطة التي قتلتهم.
وقد قال الفيلسوف الحقوقي كوستاس دوزيناس قولاً يليق تماماً بهذه الحالة:
“أخطر ما في حقوق الإنسان ليس انتهاكها، بل استخدامها لتبرير القوة”
وهؤلاء—كاتب المقال ومن هم على شاكلته—لا يدافعون عن المدنيين،
بل يدافعون عن سلطة القصف،
ويهاجمون كل من يهدد معادلة: الدولة أولاً… حتى لو مات المجتمع.
والتاريخ لا يرحم من اختار أن يكون لسان السلطة ضد أهله.

الخلاصة الأخلاقية والسياسية: نحو أفق السودان الجديد:
هذه ليست معركة مصطلحات، بل معركة على مستقبل السودان. ولهذا يصبح من الضروري تثبيت الحقائق المفهومية قبل أي سجال سياسي أو قانوني. فالتحذير الوقائي لا يعني التهجير القسري، والنية القانونية في الجرائم الدولية لا تُختزل في التخمين السياسي أو الإسقاط الدعائي، كما أن حقوق الإنسان ليست أداة دعاية للدولة، وحماية المدنيين لا تعني إعادة إنتاج سلطة عنصرية قديمة بثوب قانوني.
إن استخدام القانون الدولي لتجريم حركة تحررية تسعى إلى تفكيك بنية دولة عنيفة، في الوقت الذي يُغضّ فيه الطرف عن دولة توافرت فيها، بشهادة الوقائع والوثائق، عناصر الجرائم الدولية الكبرى من حيث السياسة والنمط والقصد والفعل، لا يمكن اعتباره اجتهاداً قانونياً نزيهاً، بل هو إفساد للعدالة وتقويض لمعنى حقوق الإنسان نفسه.

وقائع موثقة لا تقبل الإنكار:
لقد ثبّتت منظمات دولية مرموقة، على مدى عقود، مسؤولية الدولة السودانية وأجهزتها العسكرية والأمنية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأفعال ترقى إلى الإبادة الجماعية، من بينها:
– الأمم المتحدة (بعثات تقصي الحقائق وتقارير مجلس حقوق الإنسان)؛
– المحكمة الجنائية الدولية (مذكرات التوقيف والادعاءات في دارفور)؛
– هيومن رايتس ووتش؛
– منظمة العفو الدولية؛
– لجنة التحقيق الدولية في دارفور؛-
– تقارير خبراء الأمم المتحدة بشأن القصف الجوي، التهجير القسري، التجويع، واستهداف المدنيين.
هذه ليست روايات سياسية، بل سجل قانوني تراكمي يُثبت نمط الدولة لا “انحرافاتها”.

لماذا ينحاز بعض أبناء الهامش إلى سردية الجلاد؟
إن انحياز بعض المثقفين—ومنهم د. سلام ومن على شاكلته—إلى خطاب الدولة القديمة لا يُفسَّر بالمنطق القانوني، بل يُفهم في ضوء التحليل النفسي–السياسي الذي قدّمه المفكر فرانز فانون وغيره من مفكري ما بعد الاستعمار.
فانون شرح ظاهرة التماهي مع المعتدي بوصفها استجابة نفسية–اجتماعية لدى بعض الضحايا الذين:
– يسعون إلى الاعتراف الرمزي من مركز الهيمنة؛
– يطلبون الأمان عبر الانضواء تحت سلطة القامع؛
– يعيدون إنتاج خطاب السيد أملاً في النجاة الفردية، ولو على حساب الحقيقة الجماعية.
هذا الانحياز ليس شجاعة فكرية، بل قلق وجودي يُترجم إلى دفاعٍ عن منظومة عنف ظنّاً بأنها قدر لا يُقاوَم.

أفق السودان الجديد.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يتحرك وفق رغبات المرجفين.
مشروع السودان الجديد—القائم على المواطنة المتساوية، وكرامة الإنسان، والعلمانية، والديمقراطية، واللامركزية، وجيش قومي مهني، وعدالة تاريخية—ليس شعاراً، بل مساراً تاريخياً يتقدّم مهما كانت التحديات.
إنه مشروع يهدف إلى هدم السودان القديم القائم على الامتياز والعنصرية، وبناء دولة حديثة تحمي البشر لا السلطة.

وفي الختام:
القانون الدولي لم يُصغ لحماية الدولة من المساءلة، بل لحماية البشر من الدولة حين تتحول إلى آلة عنف.
وأي خطاب لا يضع هذه الحقيقة في قلب تحليله—مهما تزيّن بلغة الحقوق—يبقى خطاباً سياسياً منحازاً، لا قراءة قانونية نزيهة.
أما السودان، فمستقبله لا يُكتب بأقلام التبرير، بل بإرادة التحرير.
وسيُقام السودان الجديد—ديمقراطياً، علمانياً، لا مركزياً—مهما اجتهد الفاشلون في إعاقة ثورته.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.