
حين تتحول القبيلة إلى سلاح سياسي 1-2 -صناعة المظلومية الإثنية، وسياسات فرّق تسد، والحرب على التعايش في جبال النوبة ومشروع السودان الجديد
11/8/2026 خالد كودي.
عندما تتحول القوائم إلى خرائط للفتنة: اختزال العدالة في الحساب القبلي هناك لحظات في تاريخ المجتمعات لا تعود فيها الكلمة مجرد رأي، ولا القائمة مجرد أسماء، ولا الرقم حقيقة محايدة. ففي المجتمعات التي تعيش الحرب وتحمل ذاكرة ثقيلة من التهميش والعنف وانعدام الثقة، يمكن للتصنيف أن يصبح أداة سياسية: يعيد تعريف الجار بوصفه منافساً، ويحوّل الرقم إلى دليل مصطنع على المظلومية، وينقل القبيلة من فضاء الانتماء الاجتماعي والثقافي إلى أداة للحشد والاستقطاب.
وهذا هو الخطر الذي ينبغي مواجهته اليوم في جبال النوبة “مقاطعة هيبان”.
فمع تقدم مشروع السودان الجديد وانتقاله من المقاومة إلى بناء مؤسسات الحكم والإدارة، أخذت بعض الأصوات المناهضة للحركة الشعبية ومشروعها التحرري والحداثي تتداول قوائم بأسماء أعضاء الحركة الشعبية، مصنفةً إياهم بحسب انتماءاتهم القبلية، ثم تربط ذلك بالتكليفات السياسية والتنظيمية في حكومة الوحدة والسلام “تأسيس” ومؤسسات السودان الجديد. ولا يبدو الغرض من هذه القوائم تقييم أداء المكلفين أو مساءلة المؤسسات، بل إنتاج حساب قبلي للسلطة: كم شخصاً من القبيلة “س” كُلّف؟ وكم من القبيلة “ص”؟ ثم يُستنتج من غياب أسماء قبيلة ما، أو قلتها في قائمة منتقاة، أنها “غير ممثلة”، وبالتالي “مهمشة” أو “مظلومة”
المشكلة هنا أعمق من إساءة استخدام الأرقام؛ إنها تكشف خللاً مفاهيمياً وجهلاً بطبيعة التهميش والتمثيل السياسي. فهذا المنطق يفترض أن القبيلة هي الوحدة الطبيعية للتمثيل، وأن المنصب العام حصة ينبغي توزيعها بين القبائل، وأن العدالة تتحقق عندما تتطابق خريطة المؤسسات مع خريطة الأنساب!!
وهذا قلب لمفهوم التهميش رأساً على عقب. فالتهميش، في الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع ودراسات ما بعد الاستعمار، ظاهرة تاريخية وبنيوية تتصل بتوزيع السلطة والثروة والأرض والتنمية والاعتراف والمواطنة والوصول المتكافئ إلى المؤسسات. ولا يُقاس ببساطة بعدد الوزراء والمسؤولين المنحدرين من جماعة بعينها. فقد تصعد نخب من مجتمع مهمش إلى أعلى مؤسسات الدولة بينما يظل مجتمعها محروماً من التعليم والصحة والبنية التحتية والسلطة الفعلية. فالتمثيل العددي ليس، في ذاته، عدالة، كما أن المنصب الفردي ليس دليلاً على تحرر الجماعة.
والأخطر أن هذا المنطق ينقل السياسة من المواطنة إلى المحاصصة القبلية. فإذا أصبح كل منصب يمثل قبيلة، تحول المسؤول من موظف عام خاضع للمساءلة إلى مندوب إثني يفترض أنه يحرس “حصة” جماعته؛ فيصبح تعيينه انتصاراً لقبيلته، وإعفاؤه اعتداءً عليها، ومحاسبته استهدافاً لها. وهكذا تتحول المؤسسة من فضاء للمواطنة إلى سوق دائم للمساومة بين الهويات.
وهذا نقيض فلسفة السودان الجديد.
فالتكليفات في حكومة الوحدة والسلام ومؤسسات السودان الجديد ليست غنائم أو تشريفات توزع على القبائل، وإنما مسؤوليات سياسية وتنظيمية ونضالية. ومن يُكلف بموقع حكومي لا تزيد قيمته النضالية، من حيث المبدأ، على رفيق يؤدي مهمة في مؤسسة مدنية أو سياسية أو تنظيمية أخرى. فالمنصب ليس ملكاً لصاحبه ولا إرثاً لقبيلته، وإنما مسؤولية مؤقتة ينبغي أن يحكمها الالتزام والكفاءة والقدرة على الأداء والمساءلة.
كما أن الحركة الشعبية تنظيم قومي وليست تنظيماً خاصاً بجبال النوبة. ولذلك فإن تكليفاتها في حكومة تأسيس لا تقتصر على أعضاء منحدرين من الإقليم، وإنما تشمل أعضاء وقيادات من مناطق ومجتمعات سودانية متعددة. ومن ثم فإن اقتطاع أسماء أبناء جبال النوبة وحدهم من بنية قومية أوسع، ثم إعادة تصنيفهم قبلياً واستخلاص أحكام عن “تمثيل” القبائل، يمثل خطأ منهجياً من نقطة البداية.
وهنا يظهر التناقض العميق لدى من يحاول قراءة السودان الجديد بأدوات السودان القديم. فهو يتصور الدولة مائدةً لتوزيع المناصب، ثم يسأل: كم مقعداً حصلت عليه قبيلتي؟ بينما يطرح مشروع السودان الجديد سؤالاً مختلفاً: هل المؤسسات منصفة وعادلة؟ هل المواطنون متساوون أمامها؟ هل الموارد موزعة بإنصاف؟ هل المجتمعات التي عانت التهميش تحصل على حقوقها في الأرض والتعليم والصحة والأمن والتنمية؟ وهل تخضع السلطة للمساءلة؟
الفرق بين السؤالين هو، في جوهره، الفرق بين تقاسم السودان القديم وإعادة تأسيس السودان الجديد.
ولا يعني ذلك تجاهل أهمية التنوع الاجتماعي والجغرافي داخل المؤسسات أو إنكار احتمال وجود تمييز حقيقي. فأي مشروع ديمقراطي جاد مطالب بمراقبة أنماط الإقصاء وتصحيحها. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين دراسة التمثيل للكشف عن خلل مؤسسي، وبين تحويل القبيلة إلى وحدة غير معلنة لتوزيع السلطة. الأول أداة للعدالة؛ والثاني وصفة لمحاصصة إثنية دائمة.
ومن هنا تتجاوز خطورة القوائم المتداولة مجرد ضعف التحليل والجهل. فعندما تُنتقى أسماء بعينها، ويُبحث عن أصول أصحابها القبلية، ثم ترتب بطريقة توحي بأن “هؤلاء أخذوا أكثر من أولئك”، يعاد تعريف المجال السياسي بوصفه منافسة بين جماعات على مورد محدود: يصبح المنصب مورداً، والقبيلة منافساً، وما يحصل عليه الآخر يُتصور تلقائياً باعتباره شيئاً انتُزع مني.
وهنا تبدأ سلسلة شديدة الخطورة: التصنيف يولد المقارنة، والمقارنة تصنع إحساساً بالحرمان، والحرمان يعاد تفسيره كمظلومية إثنية، والمظلومية تصبح مادة للتعبئة، والتعبئة تزرع الشك، والشك يمكن أن يتحول إلى عداوة اجتماعية. وما بدأ بتكليف تنظيمي يصبح، عبر الدعاية، “دليلاً” على مؤامرة قبيلة ضد أخرى.
لذلك فإن السؤال الجاد ليس فقط: هل الأسماء الواردة في هذه القوائم صحيحة؟ بل: لماذا جُمعت بهذه الطريقة أصلاً؟ لماذا اختيرت القبيلة وحدةً للتحليل؟ ولماذا غابت الكفاءة والخبرة والتاريخ النضالي وطبيعة التكليف ومعايير الاختيار؟ ولماذا يُفترض أن الفرد يمثل قبيلته لمجرد انتمائه إليها؟
ثم يأتي السؤال الأكثر كشفاً:
ماذا يريد ناشرو هذه القوائم من الناس أن يعرفوا، وماذا يريدون منهم أن يشعروا؟
فالفرق كبير بين البحث والدعاية. الباحث يجمع الوقائع لكي يختبر فرضيته؛ أما الدعاية فتنتقي الوقائع لكي تنتج شعوراً مقرراً سلفاً. فإذا كانت النتيجة المراد زرعها في ذهن القارئ هي: “القبيلة الأخرى أخذت حقنا”، فنحن لا نواجه تحليلاً للتمثيل، بل عملية لصناعة المظلومية الإثنية وتحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية.
وهنا يصبح السؤال: من المستفيد عندما يبدأ أبناء المجتمع الواحد في إحصاء بعضهم بعضاً قبلياً؟ ومن المستفيد عندما تصبح قبيلة المسؤول أهم من أدائه؟ ومن المستفيد عندما يُقنع المواطن بأن مشكلته ليست مع قرار خاطئ أو مؤسسة تحتاج إلى إصلاح، وإنما مع وجود أبناء قبيلة أخرى داخلها؟
إن الخطر الحقيقي في هذه القوائم ليس المعلومات التي تحملها بقدر ما هو الوعي الذي تحاول إنتاجه: أن يتعلم أبناء جبال النوبة أن يروا بعضهم أولاً كقبائل متنافسة، وأن يقيسوا العدالة بعدد المناصب، وأن يختزلوا التهميش في الحصص، وأن يستبدلوا سؤال المواطنة بسؤال النسب. وهذا ليس وعياً بالحقوق، بل جهل بطبيعة الحقوق نفسها وبالمشروع الذي ناضلت من أجله أجيال من المهمشين.
ولهذا يجب أن يكون الرد حاسماً: جبال النوبة لم تقاوم عقوداً من التهميش والعنصرية لكي تستبدل مركزية السودان القديم بمحاصصة قبلية جديدة. والسودان الجديد لم يولد لكي يعيد توزيع امتيازات الدولة القديمة بين القبائل، وإنما لكي يغيّر القواعد التي أنتجت الامتياز والتهميش من الأصل.
أولاً: القبيلة حقيقة اجتماعية، و”قَبْلَنَة السياسة” صناعة سياسية
القبيلة في ذاتها ليست مشكلة، والانتماء الإثني ليس نقيضاً للحداثة ولا أثراً من الماضي ينبغي محوه. فالقبيلة، مثل غيرها من أشكال الانتماء، فضاء للذاكرة والثقافة والتكافل الاجتماعي وإنتاج المعنى. المشكلة تبدأ حين تُنتزع من هذا المجال وتُحوَّل إلى المبدأ الذي تُفسَّر من خلاله السياسة وتُبنى على أساسه المصالح والخصومات.
وهذا التمييز تؤكده دراسات القومية والإثنية الحديثة. فمن فريدريك بارث إلى بندكت أندرسون وإرنست غلنر ومحمود ممداني، تراجعت النظرة التي تتعامل مع الجماعات الإثنية بوصفها وحدات تاريخية مغلقة تحمل خصومات ثابتة، لصالح فهم يرى الهوية باعتبارها متحركة ومتعددة، تتغير أهميتها وحدودها تبعاً للسياق وعلاقات القوة والمؤسسات والخطاب السياسي. فالاختلاف الاجتماعي لا ينتج الصراع تلقائياً؛ وإنما يحتاج إلى من يمنحه معنى سياسياً صراعياً.
والإنسان نفسه لا يمكن اختزاله في هوية واحدة. فهو قد يكون نوبياً، وينتمي إلى قبيلة وبطن وأسرة ومنطقة بعينها، وهو في الوقت نفسه سوداني وأفريقي، وصاحب انتماء ديني أو روحي، وعامل أو مزارع أو معلم أو طالب أو جندي، وله مصالح وتجارب ومواقف سياسية قد تجمعه بأشخاص من جماعات أخرى أكثر مما تجمعه ببعض أبناء قبيلته. هذه الهويات ليست طبقات جامدة، بل دوائر متقاطعة تشكل الإنسان وعلاقته بالمجتمع.
وتبدأ الدعاية الإثنية عملها تحديداً بتدمير هذا التعقيد. فهي تنتزع هوية واحدة من بين الهويات المتعددة، وتضخمها حتى تصبح التفسير الشامل للإنسان: موقعه، ومصلحته، وموقفه السياسي، وحتى نواياه. وهكذا يتحول السؤال من: ماذا يفعل هذا الشخص؟ وما موقفه؟ إلى: من أي قبيلة هو؟
هذه هي “قَبْلَنَة السياسة” في معناها الأعمق: ليست مجرد كثرة الحديث عن القبائل، بل إعادة تعريف المجال السياسي نفسه من خلالها. يصبح الفرد ممثلاً مفترضاً لجماعته قبل أن يكون مواطناً أو فاعلاً سياسياً مستقلاً، وتُقرأ المواقف باعتبارها تعبيراً عن مصالح إثنية، وتتحول الخلافات السياسية القابلة للنقاش إلى مواجهات بين هويات جماعية.
والخطورة هنا أن هذه العملية لا تكتفي بوصف الانقسام، بل يمكنها أن تصنعه. فحين يتكرر تصنيف الناس قبلياً، ويُطلب منهم باستمرار أن يروا مصالحهم من خلال هذا التصنيف، تبدأ الحدود الاجتماعية المرنة في التصلب، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى وعي سياسي قائم على “نحن” و”هم”. ومن هنا يصبح الانتقال من الهوية إلى المنافسة، ومن المنافسة إلى الشك، ومن الشك إلى الخصومة، أكثر سهولة.
لذلك فإن التحدي ليس في إلغاء القبيلة، بل في منع تحويلها إلى خندق سياسي. فالمجتمع المتعدد لا يصبح حديثاً عندما يمحو هوياته، وإنما عندما يبني نظاماً يجعل تلك الهويات متساوية في الكرامة، من دون أن يجعلها المصدر الذي تُشتق منه الحقوق أو تُوزع على أساسه السلطة.
وهذا تحديداً هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع يتحدث عن السودان الجديد: أن يحمي التنوع دون أن يقبْلن السياسة، وأن يعترف بالهويات دون أن يحولها إلى حصص، وأن يجعل المواطنة والمؤسسة والكفاءة والعدالة هي أساس المجال العام، لا النسب والقبيلة…
ثانياً: “فرّق تسد” — حين يعيد الجهل إنتاج أدوات الاستعمار
مجرد حيلة استعمارية، Divide and Rule لم تكن سياسة “فرّق تسد”
بل تقنية للحكم تقوم على تحويل الاختلافات الاجتماعية إلى أدوات للسيطرة: تضخيم الحدود بين الجماعات، وربط الهوية بالسلطة والموارد والامتيازات، ثم إدارة المجتمع من خلال هذه الانقسامات بدلاً من التعامل مع أفراده بوصفهم مواطنين متساوين.
Indirect Rule وقد تجلى ذلك في أنظمة الحكم غير المباشر
Citizen and Subject التي استخدمها الاستعمار البريطاني في أجزاء واسعة من أفريقيا. وكما بيّن محمود ممداني في
لم تكتفِ الدولة الاستعمارية بالاعتراف بالهويات المحلية، بل أعادت تنظيم السلطة من خلالها، فربطت الفرد بالقبيلة و”العرف” والسلطات المحلية، وحولت التنوع من حقيقة اجتماعية إلى تقنية لإدارة المجتمع والتحكم فيه.
والمفارقة المؤسفة أن بعض من يروّجون اليوم للقوائم والتصنيفات القبلية يعيدون إنتاج هذا المنطق نفسه، أحياناً من دون معرفة بتاريخه أو إدراك لنتائجه. فمن يفتقر إلى المعرفة بتاريخ إدارة الانقسامات الإثنية، وبطبيعة التهميش والتمثيل السياسي، قد يتوهم أنه يدافع عن جماعته حين يحصي المناصب قبلياً ويقسم الناس وفق أنسابهم، بينما هو عملياً يعيد إنتاج إحدى أقدم أدوات السيطرة التي استخدمت ضد المجتمعات الأفريقية الاصيلة نفسها.
ولا ينبغي تفسير كل ذلك بالمؤامرة أو العمالة. فسياسات التفكيك الخارجية لا تعمل وحدها، بل تحتاج إلى قابلية داخلية وإلى أفراد يحولون الاختلاف إلى خصومة. وقد يفعل بعضهم ذلك بدافع المصلحة أو الطموح السياسي، وقد تحرك آخرين مرارات شخصية أو سوء تقدير، وقد يكون بعضهم ببساطة محدود المعرفة بتاريخ الصراعات الإثنية وآليات الدعاية، فيردد خطاباً لا يدرك منطقه ولا العواقب التي يمكن أن يقود إليها.
وهنا يجب تثبيت حقيقة أساسية: الخلاف أو المظلومية، حتى عندما يكونان حقيقيين، لا يتحولان تلقائياً إلى كراهية قبلية؛ هناك دائماً من يقوم بعملية التحويل. هناك من ينتقي الوقائع، ويعيد ترتيب الأسماء، ويصنف الأشخاص قبلياً، ويعمم خطأ الفرد على جماعته، ثم ينقل السؤال من: “ما الخطأ ان وجد وكيف نصححه؟” إلى: “ماذا تفعل بنا القبيلة الأخرى؟”. عندها ينتقل المجتمع من مجال السياسة والمحاسبة إلى مجال التعبئة الإثنية.
ولهذا فإن مسؤولية التحريض لا تقع على أجهزة الأمن أو القوى التي تسعى إلى إضعاف الحركة الشعبية ومشروع السودان الجديد فقط، وإنما أيضاً على من يفتح لها، بوعي أو بجهل، الأبواب من الداخل. فالجهل السياسي ليس بريئاً دائماً في نتائجه؛ وقد يصبح صاحبه، من حيث لا يدري، ناقلاً لخطاب صُمم أصلاً لتفكيك المجتمع الذي يزعم الدفاع عنه.
ومن يريد الدفاع عن مجتمعه حقاً لا يبحث له عن عدو قبلي، بل يبحث عن الحقيقة والعدالة والإصلاح. فإذا كان هناك ظلم، فليُكشف؛ وإذا كان هناك تمييز، فليُثبت ويُصحح؛ وإذا أخطأ مسؤول، فليُحاسب باسمه ومسؤوليته. أما نقل المسؤولية من الفرد والمؤسسة إلى القبيلة، فهو لا يعالج المظلومية، بل يصنع منها مظلومية أخرى، ويحوّل الضحايا المحتملين للظلم إلى خصوم لبعضهم بعضاً
وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن يدركها مروجو الخطاب القبلي: قد يظن أحدهم أنه يدافع عن قبيلته، بينما هو يساهم في إعادة إنتاج المنطق نفسه الذي قاومت ضده مجتمعات الهامش طويلاً. فمقاومة السودان القديم لا تكون فقط بتغيير من يحكم، وإنما أيضاً بالتخلص من أدوات التفكير التي حكم بها السودان القديم مجتمعاتنا: التصنيف، والتراتبية، والمحاصصة، وتحويل الاختلاف إلى خصومة.
ولهذا فإن المعيار بسيط: المظلومية قد تكون حقيقة تستوجب العدالة؛ أما تحويلها إلى كراهية قبلية فهو فعل بشري وسياسي، يصنعه الانتهازي والماجور بوعي، و يخدمه الجاهل من حيث لا يدري.
رابعاً: المظلومية الإثنية — حين يتحول الضرر إلى رأسمال سياسي
ليست كل مظلومية متخيَّلة؛ فكثير من حركات التحرر نشأت أصلاً استجابةً لمظالم تاريخية حقيقية. وجبال النوبة تعرف ذلك من خلال تاريخ طويل من التهميش والعنصرية والحرب، واختلال التنمية وتوزيع السلطة والثروة. ولهذا تحديداً ينبغي حماية مفهوم المظلومية من الابتذال والمتاجرة السياسية.
تبدأ صناعة المظلومية الإثنية عندما يُعاد تفسير ضرر حقيقي أو جزئي أو حتى متخيَّل باعتباره دليلاً على استهداف جماعة بأكملها بسبب هويتها. فبدلاً من تحديد الواقعة والمسؤول عنها وأسبابها، تُبنى سردية أوسع تقول للجماعة: أنتم مستهدفون؛ ما يحصل عليه الآخرون يُنتزع منكم؛ تقدمهم خسارة لكم؛ وإذا لم تتحركوا فسيزداد إقصاؤكم.
وهنا يحدث التحول الأخطر: ينتقل السؤال من “هل وقع ظلم، ومن المسؤول عنه؟” إلى “ماذا يفعلون بنا؟”. وبذلك تنتقل المسؤولية من فعل محدد إلى جماعة كاملة، ويُستبدل البحث عن العدالة بتكوين ثنائية “نحن” و”هم”. ومن هذه الثنائية يبدأ الاستقطاب الإثني، لأن المشكلة لم تعد قراراً يمكن مراجعته أو مؤسسة يمكن إصلاحها، بل أصبحت “جماعة أخرى” يُعاد تصوير وجودها أو تقدمها باعتباره تهديداً.
وتكمن خطورة هذه الصناعة في أنها تستطيع استخدام المظلمة الحقيقية نفسها ضد أصحابها. فالظلم الذي كان ينبغي أن ينتج وعياً بالحقوق والتضامن والمطالبة بالإصلاح، يمكن أن يُعاد توجيهه ليصبح خوفاً وكراهية ومنافسة مع مجتمع آخر. وهكذا يتحول الألم من حجة من أجل العدالة إلى رأسمال سياسي للتعبئة الإثنية!
خامساً: حين ترتدي الدعاية ثوب الإحصاء
تكتسب القوائم القبلية قوتها الإقناعية من مظهرها العددي؛ فالرقم يوحي بالدقة والموضوعية، بينما يمكن أن يكون شديد التضليل إذا انفصل عن المنهج والسياق. فالإحصاء لا يصبح معرفة لمجرد أنه يحتوي على أرقام، بل عندما نعرف ماذا عُدَّ، ولماذا عُدَّ، وكيف جرى الاختيار، وما الذي استُبعد من الحساب.
فإذا جُمعت أسماء عدد من المسؤولين وصُنفت قبلياً، لا يمكن علمياً استنتاج وجود تهميش أو هيمنة من التوزيع العددي وحده. ينبغي أولاً معرفة حجم المجتمع محل الدراسة، وطبيعة الوظائف التي اختيرت، والفترة الزمنية، ومعايير التكليف، والمؤهلات والخبرات والتاريخ التنظيمي، ومدى تساوي تلك المواقع أصلاً في المسؤولية والتأثير. كما يجب معرفة كيفية تحديد الانتماء القبلي نفسه: هل بناءً على تعريف الأشخاص لأنفسهم، أم على نسب افترضه جامع القائمة من أسمائهم وأصولهم؟
من دون هذه الشروط، لا نكون أمام تحليل علمي للتمثيل، بل أمام انتقاء للبيانات يمكن توجيهه لإنتاج نتيجة مقررة سلفاً. فمن السهل أن تختار مجموعة من الأسماء، وتحذف غيرها، ثم تعيد ترتيب الباقي بطريقة تجعل جماعة تبدو مهيمنة وأخرى تبدو مقصاة…
وهنا يصبح الانتقاء نفسه جزءاً من الدعاية. فالتضليل لا يحتاج إلى اختراع أرقام كاذبة دائماً؛ قد تكفي أرقام صحيحة جرى اختيارها من سياق أوسع، ثم ترتيبها وعرضها بطريقة تقود القارئ إلى استنتاج مضلل.
ولهذا فإن السؤال العلمي أمام أي قائمة من هذا النوع ليس فقط: هل أرقامها صحيحة؟ بل أيضاً: هل منهجها صحيح، وهل العينة ممثلة، وما الذي استبعدته، وهل النتيجة التي تدعيها يمكن بالفعل اشتقاقها من البيانات؟
فإذا غابت هذه الأسئلة، لا تكون القائمة دراسةً للتهميش على الإطلاق، وإنما موقفاً سياسياً يرتدي معطف الإحصاء ليمنح المظلومية المصنوعة مظهر الحقيقة العلمية.
سادساً: صناعة الصورة — حين تُستخدم القبيلة لضرب الحركة الشعبية من داخل قاعدتها الاجتماعية
مدخلا لفهم وظيفة القوائم المتداولة اليوم.Public Opinion يقدم والتر ليبمان في
فالناس لا يتعاملون دائماً مع الواقع السياسي مباشرة، بل مع الصورة الذهنية التي تُصنع لهم عنه؛ ومن ينجح في تثبيت الصورة يستطيع لاحقاً أن يجعل الوقائع المختلفة تبدو وكأنها تؤكدها.
وهذا ما ينبغي الانتباه إليه في بعض القوائم التي يجري تدويرها اليوم حول أعضاء الحركة الشعبية وتكليفاتهم في حكومة تأسيس. فهذه القوائم لا تكتفي بإيراد الأسماء، وإنما تعيد تصنيفها قبلياً، ثم تستخدم هذا التصنيف للإيحاء بأن قبائل بعينها “ممثلة” وأخرى “مقصاة” كما اسلفنا، وأن وجود عدد من المكلفين المنحدرين من جماعة معينة دليل على استحواذها أو امتيازها على حساب غيرها.
لكن هذا الاستنتاج يقوم على مغالطة أساسية في تعريف الحركة الشعبية نفسها. فالحركة الشعبية ليست تنظيماً قبلياً، وليست تنظيماً خاصاً بجبال النوبة، حتى تُقاس تكليفاتها السياسية بعدد أبناء كل قبيلة نوبية داخل مؤسسة بعينها. إنها تنظيم سياسي قومي، يمتد مشروعه وعضويته إلى مناطق ومجتمعات متعددة في السودان. ومن ثم فإن التكليفات التي أصدرتها للعمل في حكومة تأسيس لا تقتصر على أعضاء الحركة المنحدرين من إقليم جبال النوبة، وإنما تشمل أعضاء وقيادات من مختلف أنحاء السودان وفق طبيعة المسؤوليات والحاجة السياسية والتنظيمية والكفاءة والقدرة على الأداء.
وبالتالي فإن اقتطاع أسماء المنحدرين من جبال النوبة وحدهم، ثم إعادة توزيعهم في جداول قبلية، ليس مجرد خطأ في الإحصاء، بل تشويه لطبيعة الوحدة التي يجري تحليلها أصلاً. فمنهجياً، لا يجوز تحليل تنظيم قومي كما لو كان اتحاداً لقبائل جبال النوبة، ثم استنتاج “تهميش” قبيلة لأن عدداً معيناً من أبنائها لم يظهر في قائمة تكليفات منتقاة!
والأخطر أن هذا النوع من الخطاب لا يعمل في فراغ تاريخي. فلأجهزة الأمن والمخابرات السودانية، في مراحل مختلفة من تاريخ الدولة والحروب الداخلية، سجل طويل في استثمار الانقسامات المحلية والقبلية، وتوظيف التناقضات داخل المجتمعات الواقعة في مناطق الحروب، ومحاولة تحويل الصراع السياسي مع الدولة إلى صراعات أفقية بين المجتمعات نفسها. وقد كان استغلال التنافس على الأرض والموارد والسلطة المحلية والانتماءات الإثنية جزءاً من أدوات إدارة النزاعات في أكثر من منطقة سودانية.
ولهذا لا يمكن التعامل بتساهل مع أي خطاب يعيد اليوم إنتاج المنطق نفسه: تصنيف الناس قبلياً، وتضخيم التفاوتات، وتحويل الأخطاء الفردية ان وجدت إلى مظالم جماعية، وإقناع كل مجموعة بأن المجموعة الأخرى تستولي على نصيبها. ولا يعني ذلك أن كل من يعيد نشر قائمة قبلية يعمل بالضرورة لصالح جهاز أمني؛ لكن من الضروري التمييز بين هوية الفاعل ووظيفة الخطاب: فقد يكون الشخص جاهلاً بتاريخ هذه الأساليب، أو مدفوعاً بمرارة شخصية أو طموح سياسي، ومع ذلك يؤدي خطابه عملياً الوظيفة نفسها التي تخدم أي استراتيجية قائمة على “فرّق تسد”
سابعاً: الاستهداف ليس للحركة وحدها… بل للنسيج الاجتماعي في جبال النوبة
وهنا تكمن خطورة هذه القوائم في السياق الراهن. فالهدف السياسي الظاهر هو الطعن في الحركة الشعبية وإضعاف الثقة في مشروع السودان الجديد، لكن المادة المستخدمة لتحقيق هذا الهدف هي العلاقات بين مجتمعات النوبة نفسها.
وهذا فارق بالغ الأهمية.
فالحركة الشعبية يمكن نقدها سياسياً، ومساءلة قياداتها، ومراجعة قراراتها، ومناقشة برنامجها، بل ومعارضتها بالكامل. هذه هي السياسة. أما أن تُستخدم القبائل نفسها أدوات في هذه المعارضة، وأن يُقال لهذه الجماعة إن الجماعة الأخرى أخذت نصيبها، وأن يُعاد تعريف التكليفات التنظيمية باعتبارها حصصاً قبلية، فهنا تنتقل المعركة من نقد تنظيم سياسي إلى العبث بالبنية الاجتماعية لمجتمع كامل.
وهذا سلوك يستحق الفضح والتوبيخ والإدانة الصريحة.
لأن من يستخدم التوترات القبلية للنيل من الحركة الشعبية لا يضمن أن تتوقف آثار خطابه عند الحركة الشعبية. التنظيمات السياسية تتغير، والقيادات تتبدل، والحكومات تنتهي، لكن الشك والكراهية اللذين يُزرعان بين المجتمعات يمكن أن يبقيا لعقود.
ومن هنا فإن من يعتقد أنه يستطيع إضعاف الحركة الشعبية بإقناع قبيلة نوبية بأنها مظلومة بسبب قبيلة نوبية أخرى لا يلعب فقط بالسياسة؛ إنه يلعب بالسلام الاجتماعي نفسه، وهذا امر مؤسف حقيقة.
ثامناً: الخطأ المقصود في القياس — الحركة الشعبية ليست اتحاداً للقبائل
تكشف هذه القوائم أيضاً عن جهل ـ أو تجاهل ـ جوهري لفلسفة السودان الجديد. فهي تتعامل مع التمثيل كما لو أن الحركة الشعبية مطالبة بأن تعيد إنتاج الخريطة القبلية داخل كل مؤسسة: عدد من هذه القبيلة يقابله عدد من تلك، وكأن المشروع السياسي ليس سوى اتفاق دائم لتوزيع المناصب بين الجماعات.
لكن الحركة الشعبية، من حيث مشروعها المعلن، قامت على نقيض هذا التصور. فهي تسعى إلى تجاوز الدولة التي تحدد قيمة الإنسان وموقعه وفق الدين أو الإثنية أو الجغرافيا، وبناء فضاء سياسي تكون فيه المواطنة والكفاءة والالتزام والقدرة على أداء المسؤولية أساس التكليف العام.
ولهذا فإن عضو الحركة الشعبية المنحدر من جبال النوبة لا يُفترض أن يدخل حكومة تأسيس ممثلاً لقبيلته، كما أن عضو الحركة القادم من النيل الأزرق أو دارفور أو شرق السودان أو وسطه أو شماله لا يدخلها مندوباً عن إثنيته. إنه مكلف بمسؤولية سياسية وعامة داخل مشروع قومي.
وهنا يظهر التناقض العميق في الخطاب القبلي الراهن: فهو يحاول تقييم مشروع قومي بأداة قياس قبلية، ثم يقدم عدم تطابق النتيجة مع تلك الأداة دليلاً على الظلم! ده كلام ده؟
إنه أشبه بمن يقرر مسبقاً أن الدولة ينبغي أن تكون محاصصة قبلية، ثم يتهم مشروع المواطنة بالفشل لأنه لم يحقق المحاصصة التي افترضها هو ابتداءً.
تاسعاً: من “فرّق تسد” إلى المزايدة الإثنية
وهنا تلتقي أفكار ليبمان حول صناعة الصورة مع تحليل جاك إيلول للدعاية ومع ما تصفه أدبيات علم السياسة
Ethnic Outbilding بـ المزايدة الإثنية
تبدأ العملية بصورة بسيطة: “هذه القبيلة أخذت أكثر”
ثم يأتي التكرار: قوائم، منشورات، رسائل واتساب، تعليقات، مقاطع صوتية…
ثم تتحول الصورة إلى قناعة: “نحن مهمشون بسببهم”
بعد ذلك تبدأ المزايدة: يظهر من يقدم نفسه باعتباره المدافع الحقيقي عن القبيلة، ثم يأتي من يتهمه بأنه غير حازم بما يكفي، ثم ثالث أكثر تطرفاً، حتى يصبح من يطالب بالدليل أو يدعو إلى التعايش متهماً بالتفريط في حقوق جماعته
وهذه ليست لعبة يمكن التحكم في نهايتها…
فتاريخ الصراعات الإثنية يعلمنا أن من يفتح باب المزايدة لا يملك بالضرورة إغلاقه. وقد يبدأ الأمر بمحاولة النيل من الحركة الشعبية، لكنه قد ينتهي بإعادة تشكيل العلاقات بين مجتمعات النوبة على أساس الشك والعداء.
ولهذا فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تقع أيضاً على من يعيد نشر هذه المواد بلا تحقق، وعلى المثقف الذي يمنحها غطاءً نظرياً، وعلى السياسي الذي يستثمر فيها، وعلى الناشط الذي يعرف أثرها ثم يواصل استخدامها.
ولا يعفي الجهل صاحبه من كل مسؤولية. فمن يدخل مجالاً بالغ الحساسية كالعلاقات الإثنية دون معرفة بتاريخ النزاعات وآليات الدعاية، ثم يبدأ بتصنيف الناس وتحريض المجتمعات بعضها على بعض، قد يصبح ـ من حيث لا يدري ـ أداة مجانية لمن يملك معرفة أكبر منه بكيفية استخدام الانقسامات الاجتماعية في الحرب السياسية.
وهنا ينبغي استعادة السؤال البسيط:
من المستفيد؟
إذا كان الهدف المعلن هو نقد الحركة الشعبية، فلماذا لا تُنقد سياساتها وقراراتها وبرنامجها وأداء مسؤوليها؟
لماذا البحث في أنساب أعضائها؟
ولماذا تحويل التكليف السياسي إلى حصة قبلية؟
ولماذا يُطلب من أبناء النوبة أن ينظر بعضهم إلى بعض باعتبارهم منافسين على المناصب؟
ولماذا يُختزل تنظيم قومي يمتد عبر السودان كله في جدول لقبائل جبال النوبة؟
هذه الأسئلة تكشف أن القضية تتجاوز الأسماء الواردة في القوائم. إنها تتعلق بالصورة السياسية التي يراد زرعها في وعي المجتمع.
ولهذا يجب أن يكون الموقف واضحاً: نقد الحركة الشعبية حق، ومساءلتها واجب، والاختلاف مع مشروع السودان الجديد حق سياسي كامل. لكن استخدام القبيلة للنيل من الحركة الشعبية، وتحويل مجتمعات النوبة إلى أدوات في هذا الصراع، سلوك مرفوض وخطير وغير مسؤول، ومدان.
فمن يريد هزيمة مشروع سياسي فليهزمه بفكرة أفضل.
ومن يريد إثبات فشل السودان الجديد فليقدم مشروعاً أكثر عدلاً.
ومن يعتقد أن الحركة الشعبية أخطأت فليحدد الخطأ والمسؤول عنه والدليل عليه.
أما أن يُفتش في أنساب الناس، وتُعدّ القبائل، وتُصنع المظلوميات، ويُزرع الشك بين المجتمعات، فذلك ليس نقداً سياسياً
إنه استدعاء لأقدم أدوات السودان القديم لمحاربة مشروع يدّعي أصحابه أنهم يريدون تجاوزه.
والأشد مفارقة أن من يفعل ذلك قد يتوهم أنه يحارب الحركة الشعبية، بينما السلاح الذي يستخدمه موجه، في الحقيقة، إلى صدر مجتمع جبال النوبة نفسه.
نواصل في الجزء الثاني.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.