حكومة الســــودان الجديد(تأسيس) : تحديات الإصـــلاح الإقتصــــادي ومواجهه إرث الســــودان القديم

✍️🏽عرفة عبدالله كرتو

 

تبحث هذه الورقة الواقع الإقتصــــادي للســــودان في ظل الظروف السياسية الراهنة، وتناقش رؤية الحكم الجديد للدولة والتحديات التي سوف تواجهها.

الراهن الإقتصــــادي في الســــودان :

سنوات طويلة تركت اثاراً إقتصــــادية كارثية في الســــودان ، وعقود من الزمن حملت إتفـــــاقيات أبرمتها الانظــــمة الإســـلامية الحاكمة مع حلفائهم علي الأرض الســــودانية وثرواتها . اليوم اصبح إقتصــــاد الســــودان مُدمّر بشكل كبير ، موارد إقتصــــادية فقدت، اراضي زراعية حُرقت وأُخرى خرجت من الخدمة وموانئ تم بيعها لبعض الدول . الواقع الإقتصــــادي سيئ بإمتياز. و اليوم هناك مشكلة تضخم كبيرة يعاني منها المواطن الســــوداني وارتفاع كبير في الاسعار ، لا يوجد أي مورد إقتصــــادي. كما ان هناك انحلال أمني مطلق وكذلك حالة إنحلال إجتماعــي وأخـــلاقي بشكل كبير ومشاكل في البنية التحتية. حتى أن أبسط وسائل الحياة لم تعد متوفرة، فإننا عندما نتحدث عن إقتصــــاد يجب أن نتحدث عن بنية تحتية وإستثمـــارات لا الحديث عن القدرة علي العيش.

اذاً كيف سيبدو شكل إقتصــــاد البلاد بعد عقود جــرّبت فيها الانظمة الظالمة نوعين من الإقتصــــاد الأوّل مُغلق تماما يحــقق لهم الثروة والثاني بإنفتاح فقط لرجـــال الاعمال والمقربين منهم .

بناء علي كل ما طُرح سوف تواجه الحكومة الجديدة بلدا مثقلا بتركة إقتصــــادية ثقيلة ناتجة عن انقـــلابات وحروب ممتدة لاكثر من 65 عاما كان من ابرز نتائجها تدهور شامل في مختلف القطاعات الانتاجية. وانهيار واسع للبنية التحتية فضلا عن تفكك الروابط الإقتصــــادية الداخلية والخارجية. تتسم الحالة الإقتصــــادية الراهنة بالهشاشة البنيوية بسبب استمرار الحرب مما ادى الي تدمير شامل وتخريب القى بثقله علي الإقتصــــاد والمجتمع معا.

بجانب وجود مجموعة من الازمات المتراكمة الداخلية من سوء ادارة الإقتصــــاد وتفشي الفساد عطفا على العقوبات الإقتصــــادية التي فرضت علي الدولة ما ادى لتعميق حجم المشكلات الإقتصــــادية وتعقيدها، واحداث تشوهات هيكلية عميقة في البنية الإقتصــــادية الســــودانية. ما يوجب على الحكومة الجديدة ان تعمل علي استعادة الثقة تدريجيا في الإقتصــــاد والعمل علي الخروج من الوضع الإقتصــــادي الحالي المعقّـــد باتخاذ اجراءات وسياسات تزاوج و تدمج بين إعــــادة احياء القطاعات الانتاجية، وإعــــادة إعمـــار البنية التحتية مع السعي لتحسين المؤشرات الرئيسية للإقتصــــاد الكلي. وهذا يحتاج الي أمن مستتب وعدالة انتقــــالية ورؤية إقتصــــادية واقعية تاخذ كل ذلك بعين الاعتبار .

أهـــــم التحديات

يعاني الإقتصــــاد الســــوداني من تشوهات كبيرة في بنيته وقطاعاته ويتمثل في الاتي:

1/ المؤشرات الإقتصــــادية الكلية وجهود الحكومة الجديدة لتحسينها :

يشير الخبراء الي ان استعادة الإقتصــــاد الســــوداني الي مستوى ما قبل الحرب قد يستغرق عقودا لانه يعتمد بشكل كبير علي عوامل مثل استقرار الاوضاع الامنية والسياسية واستئناف الانتاج وغيره. كما انه لايمكن تحديد متوسط موحّد للنمو الإقتصــــادي بسبب تذبذبه الكبير والانهيار الذي شهده الإقتصــــاد. حيث انكمش الإقتصــــاد بنسبة كبيرة عام 2024م (نحو 13.5%) وفقا للبنك الدولي. بينما تشير بيانات إقتصــــاد التداول الي متوسط سالب (-1.21%) للنمو السنوي للناتج المحلي الاجمالي بين عامي 2005 و2024م ويعكس ذلك الوضع المتدهور .

اما علي الصعيد المعيشي فقد كانت تسعة من كل عشرة ســــودانيين يعيشون في حالة فقر، لاسيما وقد تضاعف معدل الفقر ثلاثة اضعاف تقريبا بعد الحرب الاخيرة، كما تضاعف الفقر المدقع ستة اضعاف كما نجد ان هناك خمسة من كل ستة اشخاص يعتمدون علي المساعدات الانسانية وهناك ما يقرب ثلثي وحدات الاسكان تدمرت او تضررت بشدة مما ترك الملايين في الســــودان في حاجة الي مأوى. لذلك لابد للقيادة الجديدة وضع هـــذه التحديات في سلم أولوياتها لأنها تعيق كل سبل الخروج من الواقع المأزوم.

2/ القطاعات الإنتاجــــية المتراجعة وسبل إعــــادة إحيائها :

تعرضت خلال سنوات الحرب القطاعات الإنتاجــــية الرئيسية لتدمير واسع خصوصا الزراعية والصناعية ما أدّى لتهجير اليد العاملة الخبيرة وتدمير المنشآت الصناعية وحرق الأراضي الزراعية، وتعرّض رؤوس الأموال للضغط والإبتزاز وغيرها من الاكراهات دون ان تتلقى أي دعم او تسهيلات تُذكر، باستثناء ما يغنمه المقربون من الانظمة السابقة.

فلابد للعمل علي إعــــادة الأراضي للمجتمعات وتنشيط الزراعة بإعادة الفلاحين الي أراضيهم والعمل علي إصـــلاح القطاع الزراعي والصناعي لكونهما قطاعيين رئيسيين لنهضة الإقتصــــاد الســــوداني .

3/ القطاع الزراعي المترهِّـــل ومعالجة الإقتصــــاد الاسود :

تاثرت خطوط الإمــــداد والنقل وسلاسل الإمـــــداد والتوريد الي حد كبير خلال الحرب في الســــودان بسبب النشاط العسكري الذي حصل والانقسامات في الجغرافية العسكرية والسياسية داخل الدولة وغياب القوانين الضابطة والناظمة للعمل التجاري بجانب فرض العقوبات التي صعبت من عملية الاستيراد والتصدير لحد كبير. وتراجع القطاع التجاري الرسمي أمـــام القطاع التجاري غير الرسمي بشكل كبير. مما أدّى لعزوف التجار عن ضخ أموالهم والاستثمار بها. حيث أنعكس ذلك ايضا علي غياب الكثير من المنتجات في الاسواق وإرتفاع الاسعار. فعلي حكومة الســــودان الجديد كذلك وضع العديد من الخطواط من أجــل ضبط الإقتصــــاد غير الرسمي سواء علي مستوى الفساد او التهريب وغيره.

4/ الحياة الإقتصــــادية اليومية :

أصبحت الحياة المعيشية للمواطنيين تعتمد الي حد كبير علي التحويلات الخارجية والمساعدات الانسانية في ظل وجود تضخم وبطالة مرتفعة. ما يعني أن من أولــــويات الحكومة الجديدة محاربة الفساد وإعــــادة بناء مؤسسات الدولة علي أســــاس المُسآلة والشفافية وفتح آفــــاق جديدة في التعليم والصحة والحفاظ علي الموارد البشرية وتنميتها والسعي لإستقطاب الموارد البشرية الســــودانية من بلاد المهجر لتسريع التنمية وتأهـــيل الصناعة والعمل علي حماية المنتج المحلي. وإنشاء بيئة مشجعة للإستثمار في كل القطاعات كما السعي لإصـــلاح حالة النقد وتقوية العملة الســــودانية ومنع التلاعب بها، والتركيز علي حماية المواطنين وتعزيز الاستقرار.

5/ فقدان الثقة بالعملة المحلية والقطاع المصرفي :

تراجعت قيمة الجنيه الســــوداني امام العملات الأُخري خاصة الدولار خلال سنوات الحرب بشكل كبير ويجري اعتماد الدولار بدلا من الجنيه الســــوداني مقياسا ومعيارا. وذلك نتيجة للسياسات النقدية غير العقلانية والتي ادت لانهاء الاحتياطي من العملات الاجنبية وطباعة كميات ضخمة من الجنيه الســــوداني، وغياب الثقة بالنظام المصرفي بجانب العقوبات المفروضة علي البنوك مما جعل البنك المركزي يفقد القدرة علي التحكم بسعر الصرف لفقدانه القدرة علي تطبيق السياسات النقدية الرئيسية، مثل سعر الفائدة ومعدّل الاحتياطي النقدي والتحكم بالمعروض النقدي، فلابد لحكومة الســــودان الجديد العمل علي اعادة تفعيل القطاع المالي والنقدي وضخ الثقة به.

ولكن علي الرغم من التحديات التي سوف تواجه حكومة الســــودان الجديد في اعادة تدوير عجلة القطاع الإقتصــــادي، الا ان الظروف السياسية الجديدة سوف تقـــدِّم فرصا حقيقية للبدء في مسار إصـــلاح إقتصــــادي وسياسي شامل وفعّـــال يعيد هيكلة النموزج الإقتصــــادي الســــوداني ويؤدي لتحسين المؤشرات الكلية للإقتصــــاد المتمثلة بخفض معدلات البطالة والتضخم وتحسين قيمة الجنيه الســــوداني وتطوير القطاعات الانتاجية. ولكن قدرة الحكومة علي النجاح في هذه المهمة تعتمد بشكل كبير علي قدرتها علي توفير بيئة سياسية مستقرة وشفافة واعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وضبط الامن وتحقيق العدالة الانتقالية. ولا شك ان مواجهة هذه التحديات الإقتصــــادية تعتمد علي توجهات الحكم الجديد وأداء الحكومة الجديدة ومدى قدرتها علي تقديم ســــودان جديد مُختلف كليا عما عهده العالم. ســــودان مستقر امنيا وسياسيا ويريد ان يكون جزء من العالم .

ختاما : تعكس الأزمة الإقتصــــادية في الســــودان تدهورا شاملا في مكونات الناتج المحلي والاجمالي، التي تشمل الاستهلاك والاستثمار والانفاق الحكومي وصافي التعامل مع العالم الخارجي ومع ذلك، فان هذه الأزمة ليست نهاية الطريق، بل تمثّل فرصة لاعـــادة بناء إقتصــــاد اكثر توازنا وعدالة .

ويكمن مفتاح التعافي في إعادة هيكلة القطاعات الإنتاجية وتوجيه الانفاق الحكومي نحو الإســــتثمار المُستدام وتعزيز الشفافية للقضاء علي الفساد الذي استنزف موارد الدولة لعقود.

المستقبل ليس مستحيلا اذا تم التركيز علي السياسات التي تخلق فرص عمل وتزيد من الانتاج المحلي وتدعم بيئة استثمارية جاذبة.

ان بناء شراكات استراتيجية مع المجتمع الدولي والاستفادة من التجارب العالمية يمكن ان يضع الســــودان علي مسار تنموي مستدام، فالإقتصــــاد الســــوداني رغم التحديات يمتلك امكانيات كامنة تحتاج فقط الي إدارة رشيدة و إرادة جماعية لتحقيق مستقبل أفضل يعيد الأمــــل للشعوب ويؤسس لمرحلة جديدة من الإستقرار و الإزدهار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.