جوزيف توكا علي… الرجل الذي وقف أربعين عامًا ليهزم الظل وينتظر شروق الدولة

بقلم✍️🏽 عمار نجم الدين

 

 

القائد جوزيف توكا علي ليس رجلًا عاديًّا، ولا قائدًا عسكريًّا عابرًا؛ بل هو تاريخ حيّ وجبل راسخ منذ عام 1986 وحتى اليوم. انضم الفتى ، حافي القدمين، بثيابٍ بالية، والتحق بالجيش الشعبي تحت قيادة الدكتور جون قرنق. لم يكن يبحث عن منصبٍ أو رتبة، بل حمل همًّا أعظم: أن يحرر أهله من ظلمٍ ممتد منذ قرنين من الزمان.

ولئن كان النيل الأزرق قد شهد لحظة الانطلاقة الفعلية للكفاح المسلح في ديسمبر 1985، حين دخلت كتيبة Eagle بقيادة القائد كاربينو كوانين بول وبرفقته مالك عقار، فإن تلك المحاولة لم تُحقق أهدافها، إذ فشلت في تعبئة الجماهير وتجنيد الشباب، وبقي أثرها محدودًا. غير أنّ إرادة أبناء النيل الأزرق لم تخمد؛ ففي مطلع 1986 أعلنت مجموعة واسعة منهم انضمامها إلى الحركة الشعبية و كان منهم الفتى اليافع جوزيف توكا علي وانطلقت في مسار طويل من التدريب في لانكوي ثم في قاعدة بلفام بجنوب السودان، حيث كان بينهم القائد عزت كوكو أنجلو. وبعد ستة أشهر من التدريب الشاق عادوا إلى النيل الأزرق بقيادة بيتر كوما لوين، ليلتحق بهم جبريل كرمبا، ومن هناك تأسست كتيبة نشاب، ثم تلتها كتيبة ناموس، وTana Brigade، حتى تبلورت ملامح الجبهة الخامسة التي صارت قلب النضال في الفونج. وكان بين هؤلاء جوزيف توكا علي، المقاتل الذي صاغته التجربة في نارها وبارودها.

منذ تلك اللحظة لم يعرف التراجع. قاتل في صمت، وصمد حيث انهار كثيرون، ولم يبع نفسه للخرطوم كما فعل آخرون. ظلّ ثابتًا على ضفاف النيل الأزرق، يزرع الأمل، ويقود مجتمعًا متعدد الثقافات والأديان واللغات بحكمة وصلابة. وحين اشتعل السودان بالصراعات الأهلية، حافظ على وحدة شعبه، وجعل من التنوع قوةً لا لعنة.

إن مأساة النيل الأزرق لم تبدأ مع الاستقلال، بل منذ عهد الاستعمار التركي حين تحوّلت أرضه إلى خزان للعبيد والضرائب والمحاصيل. وبعد الاستعمار، ورثت الخرطوم هذا النموذج: كهرباء الروصيرص تضيء الشمال، بينما القرى جنوب الخزان تغرق في الظلام. المدارس متهالكة، الكتب شحيحة، المعلمون بلا رواتب، والأطفال يتقاسمون دفاتر بالية تحت ضوء المصابيح الخافتة. وتشير تقارير المنظمات إلى أنّ أكثر من سبعين بالمئة من أطفال النيل الأزرق يعانون من سوء التغذية، فيما تفتك الملاريا والكوليرا بالآلاف كل عام.

ولم يتوقف القهر عند حدود الحرمان المادي، بل امتد إلى القمع الثقافي: مُنعت اللغات المحلية من المدارس، وصُنّفت الفنون الشعبية باعتبارها “تخلّفًا”، وفُرضت هوية أحادية باعتبارها السودان كله. إنها إبادة رمزية تسعى لقتل الإنسان من داخله قبل أن تقتله من خارجه. وحينما تجرأ الناس على رفع صوتهم، جاء الردّ بالحديد والنار: طائرات الأنتونوف ألقت البراميل المتفجرة على الأسواق والمدارس. في باو تحوّلت مدرسة كاملة إلى رماد، وامتزجت دفاتر الأطفال بدمائهم، في مشهد يختصر حقيقة الدولة المركزية: إن لم تستطع أن تجهلك بالكتب، قتلتك بالقصف.

وسط هذا الخراب، ظل جوزيف توكا علي واقفًا كالجبل. لم يساوم على قضية شعبه، ولم يبع نضاله بثمن بخس. كان نضاله كفاحًا من أجل وطن جديد: وطن لا يطفئ أنوار الجنوب ليضيء مصانع الشمال، ولا يقسّم مواطنيه درجات، ولا يمحو الهويات المتعددة ليفرض هويةً واحدة. واليوم، وهو يقف في موقع نائب القائد العام للجيش الشعبي لتحرير السودان/شمال، يواجه سؤالًا جديدًا: هل سيقدر أن يحوّل النصر في ميادين القتال إلى نصر في ميدان التنمية؟ هل سيتمكن من أن يفعل في الدولة ما فعله في النضال؟ وهل سيحقق أحلام الأطفال الذين انتظروا مدارسهم ودواءهم وحقهم في الحياة الكريمة؟

أربعون عامًا من التضحيات لم تذهب سدى. ومع تحالف “السودان التأسيسي ”، يقف جوزيف توكا علي أمام امتحان التاريخ: أن يُكمل ما بدأه قرنق، وما حافظ عليه الحلو، وأن يجعل من دماء الشهداء وصرخات الأطفال المحرومين شعلةً تنير طريق السودان الجديد. السودان الذي حلم به جوزيف توكا علي، السودان الذي نناضل جميعًا من أجله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.