⭕️ تكوين جيل السودان الجديد: رؤية متكاملة لمناهج التعليم التحررى في مرحلة الانتقال الديمقراطي. (1-3)

✍️🏽 دكتور صابر ابوسعدية (افريكا) (المديرالتنفيذى لمركز أُوبنتو للسلام والدراسات الاستراتيجية [email protected], www.ubuntupss.org ) 20مارس2026

 

 

مقدمة:

عندما تنتهي الحروب عادةً، يبقى سؤالٌ واحد يعد الأصعب من بين كل الأسئلة: كيف نبني إنساناً جديداً؟ كيف نعالج جيلاً نشأ على صوت الرصاص، وكبر في ظل القهر والتهميش، ثم نطلب منه أن يكون مواطناً صالحاً في وطن جديد؟ التعليم في مرحلة ما بعد الحرب ليس مجرد عملية نقل معرفي، بل هو مشروع وجودي لإعادة تشكيل الإنسان والمجتمع والسياسة، لكن التحدي الأكبر يكمن في أن المناهج التقليدية، والرجعية التي انتجت ثقافة القهر والتهميش، إذ غالباً ما تكون تلك المناهج مستعارة من سياقات مختلفة، قد تعيد إنتاج نفس أنماط القهر والاستبعاد التي أدت إلى الحروب والتهميش المركب.

هذه الدراسة من ثلاث حلقات أعدها مركز ابنتو للسلام ودراسات الاستراتيجية، في محاولة لتقدم رؤية علمية لتأسيس مناهج تعليمية لما بعد الحرب، مستندة على أدبيات التربية في التعلم على التفكير النقدي، و غرس قيم الديمقراطية، خلق مواطنين فاعلين لا مجرد رعايا خاضعين، والتعلم على التفكير الإبداعي في حل المشكلات مع الاستعانة بنماذج ناجحة من تجارب دولية حديثة (رواندا التعليم من اجل المصالحة، جنوب افريقيا التعليم ما بعد الابارتايد، كولمبيا التعليم في خدمة السلام، وفي دولة مالي مشروع مانانكورو ) بهدف بناء جيل قادر على تجاوز إرث القهر والانطلاق نحو مستقبل أكثر عدالة وإنسانية.

نتناول في الحلقة الأولى الأسس الفلسفية لنظرية التربية التحررية للبرازيلي باولو فريرى(1921-1997) كواحدة من أكثر النظريات التربوية تأثيراً في القرن العشرين، خاصة في سياقات المجتمعات المهمشة وما بعد الصراعات.

نقطة الانطلاق الأساسية في فلسفة باولو فريري التربوية هي في تحليل عملية القهر التي يعانيها دول ما بعد الاستعمار، وإيضاح نتائجها الاجتماعية والنفسية ومحاولة اكتشاف الطريق للتغلب عليها. هذا وقد رسم باولو فريري الملامح العامة والخطوط العريضة لأفكاره التربوية والفلسفية، ومن أشهر كتبه (تعليم المقهورين، التعليم من أجل الوعي الناقد). ولقد بيّن فريري في كتبه آنفة الذكر أن القهر أو السيطرة هو السمة الرئيسة للعصر الذي نعيشه في دول ما بعد الاستعمار، ويعني فريري بالقهر ذلك النسق من المعايير والإجراءات والقواعد والقوانين التي تشكل الناس وتكيّف طبيعتهم في المقام الأول، ثم تضغط بعد ذلك على عقولهم حتى يعتقدوا أن الفقر والظلم الاجتماعي حقيقتان طبيعيتان ولا يمكن تجنبهما في الوجود الإنساني، ولا يتم ذلك إلا حينما يكون النفوذ والسلطة لدى قلة من الناس والخرافة والوهم في عقول أكثر الناس.

اما الحلقة الثانية نتناول مشروع المفكر والأديب الكيني أنغوغي وا ثيونغو الذي تحدث عن نزع استعمار العقل Decolonization of the mind)) يرى انغوغى ان الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكرى للارض، بل كان غزواً شاملاً للوعي البشرى.

المدفع يقهر الجسد، لكن المدرسة و الكتاب و اللغة يقهورون الروح و يجعلون الهيمنة دائمة، فالاستعمار حقاً يكون عندما يقتنع المقهور بأنه متخلف، وأن لغتة بدائية، وأن ثقافته لا تساوى شيئاً.

نجد كثير من المناهج في العالم العربي والأفريقي تحمل بصمات استعمارية: تاريخ يُروى من منظور المستعمر، لغة تهمش المحلية، وقيم لا تعكس المجتمع.

ونختم الحلقات بمحاولة لخلق مشروع علمي متكامل لبناء مناهج تربوية للسودان الجديد ما بعد الحرب. اولاً: تشخيص الواقع قبل بناء أي منهج، الجيل الذي عاش الحرب ليس جيلاً عادياً. إنه جيل يحمل في ذاكرته الجسدية والنفسية ما يمكن تسميته “الجرح التراكمي”. الطفل الذي تربى على أنه “مواطن درجة ثانية” أو أنه “من المنطقة المهمشة” يحمل هذا الشعور في وجدانه، فالمنهج يجب أن يتعامل مع هذه الهوية الجريحة. ثانياً: فجوات تعليمية كبيرة وانقطاع التعليم المتكرر. ثالثاً: فقدان الثقة بالمؤسسات، الطفل الذي رأى الدولة كمصدر للقمع (عبر أمن الدولة، الاعتقالات، القصف) لا يمكنه أن يثق بمدرسة تتبع لنفس الدولة. بناء الثقة هو أول مهمة تعليمية.

نظرية التحرر لباولو فريري:

في هذا الحلقة الأولى نحلل نظرية عالم الفكر التربوي باولو فريري الذي اكتسب شهرة عالمية واسعة محتلًّا بذلك مكانة مرموقة في الفكر وفلسفة التربوية. الذي استطاع أن يخرج بفكر نقدي تفاعل مع ظروف قاسية عانى منها المجتمع البرازيلي كواحدٍ من المجتمعات التي وقعت كثيراً تحت براثن الاستغلال والفقر والتبعية، فيجيء فكر أصيل يسعى إلى تغيير الواقع الاجتماعي لا ليكون مجرد نسخة مقلدة للنموذج الغربي، وإنما لتحريره وبنائه وفق احتياجاته واحتياجات الجماعة التي ينتمي إليها. وعليه تعد نظرية التربية التحررية باولو فريري واحدة من أكثر النظريات التربوية تأثيراً في القرن العشرين، خاصة في سياقات المجتمعات المهمشة وما بعد الصراعات. استند فريري في نظريته إلى قناعة عميقة بأن “كل إنسان، مهما كان “جاهلاً” أو مغموراً في “ثقافة الصمت”، قادر على النظر إلى عالمه نظرة نقدية من خلال لقاء حواري مع الآخرين، ومتى أتيحت له الأدوات المناسبة، يمكنه أن يدرك تدريجياً واقعه الشخصي والاجتماعي ويتعامل معه بنقد.

الأسس الفلسفية والمفاهيم المركزية لنظرية فريري:

انطلق فريري من واقع الفقر والأمية في البرازيل ليطوّر فلسفة تربوية نقدية تهدف إلى تكوين الوعي النقدي لدى المتعلّمين(Conscientization)، أي تنمية إدراكهم لواقعهم الاجتماعي وظروف ظلمهم، بحيث يغدو التعليم عمليّة تحرير وليس مجرد تلقين. وفي الوقت الذي انتقد فيه فريري نموذج التعليم التقليدي) (البنكي( الذي يصوّر الطلاب كحاويات فارغة يجري “إيداع” المعرفة فيها، قدّم نموذجاً بديلًا للتعليم التحرري القائم على الحوار والتفكير الناقد والعمل الجماعي. تتقاطع أفكار فريري مع أطروحات مفكرين آخرين عبر التاريخ: فعلى سبيل المثال انتقد جان جاك روسو في )إميل( التربية التقليدية ودعا إلى التربية الطبيعية الحرة، كما يمكن رصد صدى فلسفة فريري في نظريّة الهيمنة الثقافية لدى أنطونيو غرامشي (وخاصة مفهوم المثقف العضوي)، وفي تحليل بيير بورديو للعنف الرمزي وإعادة إنتاج الطبقية عبر التعليم، وكذلك في أعمال هنري جيرو الذي طوّر التربية النقدية مستلهماً فريري.

سيستعرض هذا المقال هذه المفاهيم ويربط بينها ضمن إطار فلسفة فريري، من خلال أقسام تشمل: تحليل المفاهيم الرئيسية (الوعي النقدي)، مقارنة بين التعليم البنكي والتحرري، دور الحوار، والأبعاد السياسية والاجتماعية للتربية.

مفهوم تكوين الوعي النقدي والفعل:

يضع فريري تكوين الوعي النقدي (الوعي بالواقع الاجتماعي والسياسي بشكل نقدي) في صميم عمليته التربوية. يُعرِّف فريري conscientization بأنه عملية تحوّل في وعي الفرد عبر التعرف على التناقضات الاجتماعية والسياسية في واقعه والسعي إلى تغييرها. فالمتعلم يبدأ برؤية نفسه وبيئته بعين نقدية؛ يدرك ظروف القهر أو الظلم التي يعيشها (سواء طبقية أو عرقية أو جندرية وغيرها) ويفهم أنها من صنع البشر وليست قدَراً حتمياً. هذا الوعي الجديد يحوّل الإنسان من كائن مُستلب خاضع للواقع إلى ذات فاعلة قادرة على تغيير الواقع. لكن الوعي النقدي عند فريري ليس مجرد عملية فكرية تأملية، وإنما يرتبط مباشرة بالفعل؛ أي أنه وعي يتبعه عمل. من هنا ينبثق مفهوم البراكسيس praxis هو التأمل والفعل معاً لتحويل العالم. الذي أكد عليه فريري، والمقصود به تكامل الفعل والتأمل في آن واحد من أجل تغيير العالم. فالعمل عند فريري هو ممارسة الإنسان لحريته من خلال التفكير النقدي الذي يقود إلى عمل تحرري، والعمل الذي يخضع بدوره للتأمل والنقد بهدف تطوير الوعي. هكذا يتجاوز فريري الثنائية التقليدية بين النظرية والتطبيق، ليصبح الفعل الواعي (المقرون بنظرية نقدية) هو جوهر التربية التحررية.

يرى فريري أن كل إنسان مثقف بالفطرة بمعنى أنه قادر على التفكير والفعل، ولكن الثقافة المهيمنة كثيراً ما تلقّن الفئات المضطهدة قبول وضعها دون نقد. وهنا يلتقي فريري مع أنطونيو غرامشي في التأكيد على أن الهيمنة ليست قهراً مادياً فقط بل هيمنة ثقافية وأيديولوجية؛ إذ تتغلغل قيم وأفكار الطبقة المهيمنة في وعي الجميع وتصبح كأنها الفطرة أو الحس السليم. عملية تكوين الوعي النقدي بهذا المعنى هي كسر الإجماع الكاذب الذي تفرضه الهيمنة الثقافية، عبر تفكيك ما اعتُمد كمسلمات وإدراك أنها أدوات سيطرة. لذا يمكن القول إن conscientization لدى فريري هو عملية نزع القناع عن الواقع لكشف علاقات القوة الكامنة فيه، ما يمكّن المضطهدين من استعادة وعيهم الحقيقي بوصفهم بشراً قادرين على التغيير.

التعليم البنكي مقابل التعليم التحرري:

نقدَ فريري النموذج التعليمي السائد واصفاً إياه بـنموذج التعليم البنكي. في هذا النموذج يقوم المعلم بدور المودِع الذي يملأ عقول الطلاب بمعلومات جاهزة، ويتعامل مع المعرفة كمحتوى ثابت يُنقل في اتجاه أحادي من المُعلم إلى المتعلم. يفترض هذا النموذج ضمناً أن الطلاب جهلة تماماً والمُعلم عالم بكل شيء، مما يرسخ علاقة عدم تكافؤ بين الطرفين. عدد فريري مظاهر هذا النموذج: فالمعلم يتكلم والطلاب يستمعون بصمت، المعلم يفكّر والطلاب مجرد موضوع للتفكير، المعلم يقرر والطلاب ينفذون، المعلم هو الذات الفاعلة في العملية التعليمية والطلبة مجرد أشياء. في ظل هذا الوضع يصبح التعليم فعل تلقين يقتل الإبداع ويحيل الطلاب إلى حافظات أوعية للمعلومات. والأخطر أن هذا النموذج يعطّل قدرة الطلاب على التفكير النقدي؛ فكلما كثّف الطلاب جهدهم في حفظ الودائع المعرفية الملقاة إليهم، قلّت فرص تطويرهم لوعي نقدي تجاه العالم. إن التربية البنكية في جوهرها تطبع الأفراد على التأقلم مع الواقع القائم بدلاً من السعي لتغييره. من هنا اعتبر فريري أن التعليم البنكي أداة بيد القوى المهيمنة لإدامة الوضع القائم؛ فهو يخدّر وعي الطلاب ويحولهم إلى كائنات قابلة للتكيف والخضوع، مما يخدم مصالح الفئات المسيطرة الذين لا يريدون انكشاف حقائق الظلم أو تحفيز أي وعي نقدي يهدد سلطتهم. وكما يقول فريري بمجاز إن التعليم البنكي أشبه ما يكون بفعل نكروفِلي (عشق للأموات)، لأنه يتعامل مع المعرفة كمادة ميتة، ويحوّل المتعلمين إلى أشياء لا حياة فيها.

في المقابل، طرح فريري نموذج التعليم التحرري الذي يُعرف أيضاً بـالتعليم القائم على طرح المشكلات، يرى فريري أن التربية الحقيقية يجب أن تبدأ من حل التناقض بين المعلم والطالب، عبر إقامة شراكة متكافئة يصبح فيها كلاهما معلماً ومتعلماً في الوقت نفسه. في الصف التحرري تهدم الوضعية العمودية القائمة على الأمر والطاعة، ليحل محلها وضع أفقي يشارك فيه الجميع في الحوار والتفكير. المُعلم التحرري لم يعد ذلك الذي يعرف كل شيء ويملي المعرفة، بل أصبح مُيَسِّراً ومنظّماً لحوار يساهم فيه الطلاب بفعالية. المعلم يتعلم من الطلاب بقدر ما يعلّمهم، والطلاب يعلّمون بقدر ما يتعلمون؛ الجميع شركاء في صنع المعرفة وليسوا مجرد مستقبلين لها. يعتمد هذا النموذج على طرح مشكلات واقعية من حياة المتعلمين لتكون موضوعاً للنقاش، عوضاً عن النهج المفروض من فوق بلا تشاور. هكذا يصبح التعليم عملية بحث واكتشاف مشتركة؛ حيث يتعاون المعلم والمتعلمون في استكشاف الواقع وطرح الأسئلة ومحاولة إيجاد الإجابات عبر التفكير الجماعي. المعرفة في هذا السياق ليست حزمة معلومات جاهزة، وإنما هي وعي نقدي متجدد ينشأ من التفاعل مع العالم وفهمه من أجل تغييره. وكما يؤكد فريري، “التعليم التحرري فعل معرفي تأملي، Acts of cognition، وليس مجرد نقل للمعلومات”. إنه تعليم يستفز الوعي عوضاً عن أن يخدّره؛ فبينما يسعى التعليم البنكي إلى إبقاء الوعي مغموراً تحت رواسب المعلومات الجامدة، فإن التعليم التحرري يعمل على إيقاظ الوعي ودفعه إلى معايشة الواقع والتدخل النقدي فيه.

الحوارية في العملية التعليمية:

يمثّل الحوار حجر الزاوية في التربية التحررية لدى فريري. فخلافاً للتعليم البنكي الذي يتسم بخطاب أحادي الاتجاه من المعلم إلى الطالب، يؤكد فريري أن التعلم الحقيقي ينبثق من التفاعل التحاوري بين جميع أطراف العملية التعليمية. الحوار عند فريري ليس مجرد تقنية تواصلية، بل هو منهج تربوي تحرري يقوم على احترام متبادل بين المعلم والمتعلم، وعلى إيمان بأن الحقيقة ليست حكراً على أحد بل تتكشف من خلال البحث الجماعي. في الوضع الحواري يطرح المعلم أسئلة بدلاً من إعطاء إجابات جاهزة، ويُنصت لخبرات الطلاب ومعرفتهم الكامنة، ويشجّعهم على التعبير والنقد. هكذا يصبح الطلاب محققين مشاركين في المعرفة، وتتغير علاقتهم باللغة والمعرفة من التلقي السلبي إلى الاستخدام النقدي الخلاق. يؤكد فريري أن الحوار شرط لا غنى عنه لتنمية التفكير النقدي؛ فبالنقاش وتبادل الأفكار تنمو القدرة على التحليل والمقارنة واكتشاف الترابطات في الواقع. كما أن الحوار يُعيد للمتعلمين ثقتهم بأنفسهم وبإنسانيتهم، إذ يشعرون بأن أصواتهم مسموعة وقيمتهم معترف بها، وهذا بخلاف التعليم السلطوي الذي يلقّنهم الصمت والخضوع. ومن منظور فريري، الحوار فعل تحرري بحد ذاته لأنه ينطوي على الحب والثقة بالإنسان؛ فلكي أحاور شخصًا ينبغي أن أؤمن بقدراته الإنسانية وأن أكون مستعدًا لأتعلم منه مثلما أعلّمه. بهذا المعنى يصبح المعلم والطالب في الحوار “رفيقا درب” نحو الحقيقة، يخطئان ويصوّبان لبعضهما البعض ويتشاركان في النمو.

ولعل أعظم تجسيد للحوار التربوي هو ما شهدته “دوائر الثقافة” التي أنشأها فريري لمحو أمية الفلاحين البرازيليين؛ حيث كان يجتمع مع المتعلمين الكبار في حلقات نقاشية ويتبادلون الحديث حول كلمات من واقعهم اليومي ومعانيها، في عملية تعلم جماعي تحاوري رفعت مستوى الوعي لدى الجميع المعلم والمتعلمين معًا.

و اضافة فريرى بان تنمية روح الاستقلالية لدى المتعلم وذلك في مواجهة مواقف القهر والتسلط في الممارسات التعليمية، حيث يدعو فريري بشدة إلى أهمية احترام ما لدى المُتعلم من معرفة، وهذا يقتضي أن تقوم عملية التعليم على أساس المنهج الحواري الذي يشجع فضول المُتعلم ورغبته في المعرفة، والتساؤل الرحب، والتفاعل الحقيقي بين المُعلم والمُتعلم، وعلى ممارسة التفكير النقدي في فهم الواقع المعيش، والاستقلالية في اتخاذ القرار، والتساؤل الفضولي، وهي قدرات لا تنمو وحدها ولكنها تتبلور نتيجة عوامل متعددة تؤدي إلى النضج السليم أو إلى تشويه هذ القدرات.

الأبعاد السياسية والاجتماعية للتعليم:

لقد كان الهم الشاغل لباولو فريري هو تغيير دور التعليم في جدلية علاقته بالسلطة والمقهورين؛ لأجل استعادتهم لأصواتهم وكرامتهم من خلال الوعي بالتعليم كشرط أساسي لتحررهم، وفي ضوء ذلك يرى فريري بأنه لا يوجد تعليم محايد؛ فهو إما أداة للقهر أو مُحفّز للتحرير، وفي ذلك يقول “التعليم عملية سياسية كما أن السياسة عملية تربوية!”. ويضيف أيضاً في شرح فكرته “أن قرار تعليم الشعب القراءة والكتابة هو نفسه قرار سياسي. ومهما يحدث فإنه يجب علينا أن نحذر من التلميحات التي تقال بذكاء أحياناً وخبث أحياناً لإقناعنا بأن تعليم القراءة والكتابة عمل فني محض ولا يجوز خلطه بالسياسية، وذلك لأن تعليم القراءة والكتابة لا يمكن أن يكون عملًا حيادياً، فكل ضرب من التعليم يقتضي بطبيعته أن يكون له قصد سياسي”. ولذلك كان يقول على الدوام ما يجب تعليمه لأبنائنا في المدارس “نحن شعوب لا تنحني إلّا حين الكتابة.”(

شدد فريري على أن التربية فعل سياسي بامتياز، إما أن تكون أداة لتحرير الإنسان أو أداة لدمجه القهري في نظام الظلم القائم. فهو يرفض فكرة “حيادية” التعليم، مؤكداً أن كل ممارسة تربوية تنطوي ضمنياً إما على تكريس الأمر الواقع الاجتماعي أو على تغييره. من هذا المنطلق، رأى فريري أن نموذج التعليم البنكي ليس مجرد مسألة أسلوب تدريس، بل هو جزء من بنية القهر الاجتماعي. فحين يُعامَل الطالب كموضوع سلبي، وحين تُفصل المعرفة المدرسية عن واقع الحياة، يكون الناتج فرداً مغترباً عن محيطه وعاجزاً عن إدراك ظروفه بوعي نقدي. مثل هذا الفرد سيكون أكثر قابلية للاستسلام للظلم أو تبريره، أي أنه يصبح – من حيث لا يدري – شريكاً في إعادة إنتاج نظام القهر. وهذا ما قصده فريري حين قال إن النظام الظالم يسعى عبر التعليم البنكي إلى “تغيير وعي المضطَهَدين لا واقعهم، ليتمكنوا بسهولة أكبر من التكيف مع ذلك الواقع”. بالمقابل، فإن التعليم التحرري عملية تسييس للوعي، بمعنى أنها تربط بين المعرفة والحياة اليومية والسياسة. لقد ربط فريري دوماً بين التعليم وبين الوعي الطبقي والكفاح الجماعي. فحين يصبح للفرد وعي نقدي بطبقته وظروفها، يدرك أن مشكلاته الشخصية ليست معزولة بل هي جزء من نمط ظلم أشمل ينال جماعته الاجتماعية. هذا الإدراك يولّد التضامن الجماعي؛ إذ يكتشف الأفراد المقهورون أن خلاصهم يستوجب عملهم المشترك.

من منظور نظري، يمكن فهم فلسفة فريري السياسية في ضوء مفاهيم طرحها مفكرون أمثال أنطونيو غرامشي (1937-1891). يبيّن غرامشي أن هيمنة الطبقة الحاكمة لا تتحقق بالقوة المباشرة فحسب، بل عبر إقناع بقية المجتمع بقبول قيمها ومعاييرها كأنها بديهية.

تلعب المدرسة في رأي غرامشي دوراً مهماً في هذه الهيمنة الثقافية؛ فهي تُنمي لدى الطلبة ما يعتبره النظام ثقافة عامة أو معرفة مشتركة، لكنها في الحقيقة تعكس ثقافة الطبقة المهيمنة ومصالحها. بهذا المعنى، فإن التعليم البنكي الذي انتقده فريري هو تجسيد لعملية الهيمنة: المعارف التي يلقّنها المعلّم (بوصفه ممثل المؤسسة الرسمية) تحمل ضمنياً رؤى العالم السائدة التي تخدم بقاء الوضع الطبقي القائم. ولأن الطلاب في هذا النموذج متلقون غير ناقدين، فهم يدمجون تلك الرؤى في عقولهم لتصبح جزءًا مما يسميه غرامشي “الفكر العام أو الحس المشترك”. هكذا يتحول التعليم إلى آلية لإنتاج ما أسماه غرامشي “المثقف التقليدي” الخادم للطبقة المهيمنة. وهذه الفكرة تتقاطع بقوة مع هدف فريري في تحويل المتعلم المقهور إلى مثقف واعٍ يقرأ واقعه وينقده. إن دائرة الحوار والتثقيف التي يديرها فريري مع الفلاحين يمكن فهمها على أنها محاولة لتخريج مثقفين عضويين من صفوفهم، أي أفراد يمتلكون فهماً جذرياً لقضايا مجتمعهم وقدرة على التواصل والتنظيم، بدلاً من انتظار مثقفين “من الخارج” يقودونهم.

من ناحية الاخرى قدّم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (2002-1930) تحليلاً يسهم في فهم الدور السياسي للتعليم في إعادة إنتاج الطبقات. رأى بورديو أن النظام التعليمي السائد يمارس نوعاً من “العنف الرمزي” حين يفرض بشكل خفيّ ثقافة الطبقة المهيمنة ورموزها على جميع الطلاب وكأنها الثقافة “الشرعية” الوحيدة. يحدث ذلك بصورة غير مرئية ومن دون إدراك واعٍ من الضحايا؛ إذ يقبل الطلاب من الطبقات الدنيا هذه المعايير المفروضة ويقيسون أنفسهم عليها، مما يؤدي إلى إخفاقهم الدراسي والشعور بالدونية لابتعادهم عن نمط الثقافة المهيمنة. بعبارة أخرى، التعليم التقليدي يحمل انحيازات طبقية مدمرة. فالطالب ذو الخلفية الميسورة (الذي يمتلك ما يسميه بورديو “رأس مال ثقافي” يتوافق مع الثقافة المدرسية) ينجح ويتفوق، بينما يتخلف الطالب الفقير ليس بالضرورة لقصور في ذكائه بل لأن المدرسة لم تعترف برأس ماله الثقافي المختلف واعتبرته جهلاً. هكذا تعيد المدرسة إنتاج الفوارق الطبقية جيلاً بعد جيل تحت ستار الجدارة والاستحقاق. ونقد فريري للتعليم البنكي يلتقي مع طرح بورديو في كونهما يفضحان زيف حيادية المدرسة: فالتلقين الخالي من النقد والذي يتجاهل خلفية المتعلم ومعرفته السابقة، هو في الحقيقة آلية لإدامة الهيمنة الاجتماعية عبر إقصاء أصوات المهمّشين. لكن فريري يذهب إلى خطوة أبعد عبر اقتراح بديل تحرري يمكن به كسر دائرة إعادة الإنتاج هذه. فالتعليم الحواري النقدي الذي دعا إليه يفتح فضاءً للاعتراف بتجارب المضطهدين وثقافتهم الغنية، ويعاملها كنقطة انطلاق في عملية التعلم. وقد أصرّ فريري على رد الاعتبار لمعرفة الفقراء وتجاربهم، معتبراً أن لكل ثقافة قيمة ومعنى، وأن على التربية التحررية توظيف لغة المتعلمين وثقافتهم الشعبية كنقطة شروع. هذا التوجّه يعارض جوهرياً ما سماه بورديو العنف الرمزي، لأنه يقلب المعادلة: بدلاً من فرض ثقافة النخبة على الجمهور، يتم الانطلاق من ثقافة الجمهور لبناء معرفة نقدية مشتركة. بذلك يمكن للتعليم أن يصبح قوة لتفكيك اللامساواة عوضًا عن تأبيدها.

الإيمان العميق بالإنسان كشرط للتعليم التحرري:

ينظر باولو فريري إلى الإنسان المقهور على أنه كائن عقلاني، واعٍ، مبدع، قادر على صناعة أقداره، له الحرية في اتخاذ خياراته ومساراته، وهذه النظرة الإيجابية للإنسان شرط أساسي لنهوض التعليم التحرري وفق فلسفة فريري. ومن المهم هنا ملاحظة أنّ فريري يتجاوز المعطى الكلاسيكي في علميْ الاجتماع والنفس من اعتبار الإنسان كائناً غير عقلاني كما يتبدّى ذلك في فلسفة التحليل النفسي عند فرويد والمدرسة السلوكية الكلاسيكية عند سكنر، وكذلك في علم الاجتماع الكلاسيكي عند دوركايم ونظرية العقل الجمعي وغوستاف لوبون في سيكولوجية الجماهير.

خلاصة القول، إن فلسفة باولو فريري التعليمية تتجاوز حدود قاعة الدرس لتلامس عملية التحول الاجتماعي. فالتعليم عنده ممارسة تحررية أو تدجينٌ سياسي؛ إما أن يحرر العقول وينيرها أو أن يخدّرها ويشكلها وفق مقاسات المنظومة القائمة. وقد قدم فريري إطاراً تربوياً متكاملاً لتحقيق الخيار الأول: بدءاً من تكوين الوعي النقدي عبر الوعي الذي يجمع بين التفكير والفعل، ومروراً بهدم جدار السلطة الأحادي في الصف عبر الحوار والمشاركة، ووصولاً إلى استثمار التعليم كمنصة لإثارة الأسئلة الاجتماعية الكبرى وتعزيز التضامن الجماعي في وجه الظلم. هذه الرؤية يعضدها إرث مفكرين عالميين: فروسو دعا لتربية طبيعية تحترم فطرة الإنسان الحرة، وغرامشي كشف دور الفكر في الصراع الطبقي داعياً لاسترداد المضطهَدين للمعرفة، وبورديو فضح تحيزات المؤسسة التعليمية وحثنا ضمنيًا على البحث عن تعليم أكثر عدالة، وجيرو حمل شعلة فريري إلى ساحات جديدة كالميادين الأكاديمية وحركات الإصلاح التربوي المعاصرة. وحتى يومنا هذا يبقى التعليم التحرري الذي بشّر به فريري وأمثاله مشروعاً راهناً ما دام الظلم واللامساواة قائمين. فأمام عالمنا اليوم تحديات من قبيل اتساع الفجوات الطبقية وتغلغل ثقافة الاستهلاك وتراجع القيم الإنسانية في العملية التعليمية، مما يجعل الحاجة ماسّة إلى إبقاء جذوة الوعي النقدي مشتعلة. وكما أكد فريري، فإن بناء عالم أكثر عدلًا وإنسانية يبدأ من صف دراسي يُعامل فيه الإنسان كإنسان حر مفكّر. فالتعليم إما أن يكون ممارسة للحرية أو أداة للاضطهاد.

ماذا نفعل مع نظرية فريرى وواقع السودان ما بعد الحرب؟ نظرية فريري ليست مجرد فلسفة تربوية، بل هي أداة عملية للتحرر. التجارب الناجحة في مالي، البرازيل، جنوب إفريقيا، والولايات المتحدة تؤكد أن أفكار فريري يمكن تطبيقها بفعالية في سياقات مختلفة جداً، شرط أن تنطلق من واقع المجتمعات وتستخدم أدواتها الثقافية. كما قال فريري نفسه: “بيداغوجيا المقهورين هي مهمة للراديكاليين”، لا يمكن تنفيذها من قبل الطائفيين. تطبيقها في السودان يتطلب رؤية تحررية وصبراً طويلاً وإيماناً بقدرة الناس على تغيير واقعهم.

اهم المراجع:

1- فريري، باولو. تعليم المقهورين. ترجمة يوسف نور عوض. بيروت: دار القلم، 1980.

2- فريري، باولو. التعليم من أجل الوعي الناقد. ترجمة حامد عمار. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2007.

3- روسو، جان جاك. إميل أو التربية. ترجمة عادل زعيتر. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1956.

4- غرامشي، أنطونيو. دفاتر السجن. ترجمة صبا قاسم. بيروت: دار الفارابي، 2010.

5- بورديو، بيير، وجان كلود باسرون. إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم. ترجمة ماهر تريمش. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.