
تقرير زيورخ وتقرير البنك الدولي بوصفهما مرآة للأزمة وبوابة لفهم الإقتصاد المقاوم في السودان الجديد.
كارلو جون - سكرتير الإقتصاد والموارد المالية بالسلطة المدنية للسودان الجديد.
مقدمة: حين تنكشف الدولة عبر إنهيار عملتها:
لم يعد إنهيار الجنيه السوداني مجرد ظاهرة مالية ظرفية، بل أصبح مرآة لإنهيار أعمق في بنية الدولة نفسها. وفقًا لتقرير مركز الدراسات النقدية بجامعة زيورخ، يعيش السودان اليوم ما يُعرف إقتصاديًا بمرحلة “ما بعد العملة” – وهي الحالة التي تفقد فيها العملة وظائفها الثلاث الأساسية:
كوسيلة للتبادل، ووحدة لقياس القيمة، ومخزن للإدخار، لتتحول إلى رمز سياسي ميت أكثر منها أداة إقتصادية. هذا التحليل يجد صداه في تقرير البنك الدولي (تحديث الإقتصاد السوداني، مايو 2025) الذي يؤكد أن الإقتصاد السوداني إنكمش بما يزيد على 40% خلال عامين، وأن الجنيه فقد أكثر من 560% من قيمته منذ إندلاع الحرب في 2023، في ظل سيطرة السوق الموازي على الدورة النقدية وغياب أي سلطة مالية مركزية فعّالة.
بهذا المعنى، فإن ما يسميه تقرير زيورخ “الإنهيار النقدي الوظيفي” ليس مجرد عَرَض إقتصادي، بل علامة على إنكشاف الدولة وإنتهاء صلاحية نموذجها التاريخي. حين تفقد العملة قيمتها، تفقد الدولة مشروعيتها؛ وحين تفقد سيطرتها على الإصدار النقدي والتسعير، تفقد أيضًا سيادتها السياسية. فالدولة التي لم تعد تملك ثقة مواطنيها في ورقها النقدي، لا يمكنها أن تدّعي إمتلاك الشرعية أو القدرة على إدارة أي عقد إجتماعي.
وهنا تتجاوز الأزمة معناها المالي لتغدو أزمة وجود وشرعية. فـ”ما بعد العملة” هو الوجه النقدي لإنهيار “السودان القديم” بكل مؤسساته المركزية الفاشلة، التي وجهت مواردها إلى الحرب والفساد بدل التنمية. في المقابل، تمثل حكومة تأسيس ومحاور السودان الجديد محاولةً لإعادة بناء السيادة من القاعدة إلى القمة – سيادة تقوم على العدالة التاريخية، والإنتاج المحلي، وإعادة تأسيس نقدي وإقتصادي جديد، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القيمة والعدالة
لذلك سوف نتناول التحول النقدي من منظور وظيفي، فتفكك العوامل التركيبية وراء فقدان الثقة النقدية، وتقدم إطارًا نظريًا مطبّقًا على تجربتي مع معالجة توثيقية دقيقة من جنوب كردفان/ جبال النوبة والفونج الجديدة (مناطق حررت كلياً من سيطرة الدولة المركزية ومن ثم إنتاج فهم منهجي وجدلي لديناميكيات فقدان الثقة، وتقديم بدائل عملية تعبر عن جوهر التحوّل من “عملة” إلى “رمز” في الاقتصاد المسلح والسياسي المنفلت.
الجنيه المنهار وتجسيد فشل الدولة الريعية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهد السودان انهيارًا نقديًا غير مسبوق، إذ تجاوز سعر الدولار الأميركي 3,700 جنيه سوداني في منتصف عام 2025، بعد أن كان 560 جنيهًا فقط قبل الحرب (أي بانخفاضٍ في القيمة يتجاوز 560% خلال أقل من ثلاث سنوات.
ووفقًا لتقرير البنك الدولي (تحديث الإقتصاد السوداني – مايو 2025)، إنكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 29.4% في عام 2023، وتوقّع التقرير انكماشًا إضافيًا بنسبة 13.5% في 2024، بينما تجاوز التضخّم السنوي في بعض الفترات 450%. كما تراجعت أكثر من 80% من المعاملات المالية إلى السوق الموازي، وتحوّل الجنيه إلى مجرد وسيط رمزي بلا ثقة ولا وظيفة إقتصادية مستقرة.
يشير تقرير جامعة زيورخ إلى أن السودان دخل فعليًا مرحلة ” ما بعد العملة”، أي الحالة التي تفقد فيها العملة وظائفها الثلاث: كوسيلة تبادل، ووحدة حساب، ومخزن للقيمة، لتتحول إلى رمز سياسي أكثر منها أداة اقتصادية.
هذه الظاهرة، كما يفسرها الفيلسوف جورج زيمل في كتابه فلسفة النقود، ليست فقط مسألة مالية، بل إجتماعية (رمزية: فالقيمة النقدية لا تُشتق من الورق أو المعدن، بل من شبكة الثقة التي تربط المجتمع بالدولة. حين تنقطع هذه الثقة، تتحول العملة إلى كيان فارغ من المعنى، تمامًا كما تفقد الدولة نفسها شرعيتها عندما تنفصل عن مواطنيها.
وفي السودان، لم يكن الجنيه إنعكاسًا لقيمة عملٍ منتجٍ أو إقتصادٍ حقيقي، بل كان رمزًا لسلطة ريعية تعيش على استخراج الموارد، والجبايات، والقمع.
فحين تتخلى الدولة عن الإنتاج لصالح الحرب، تتحول العملة إلى أداة أيديولوجية (ورقة تُطبع بلا غطاء آقتصادي لتمويل القتال وشراء الولاءات. بهذا المعنى، فإن الجنيه السوداني لم ينهَر بوصفه عملةً فحسب، بل انهار بوصفه مرآةً لفشل الدولة الريعية، التي إستبدلت الإقتصاد السياسي للعدالة بالإكراه، والشرعية الإنتاجية بالشرعية العسكرية.
وهكذا يصبح انهيار الجنيه ليس مجرد دليلٍ على أزمة نقدية، بل على انهيار الدولة بوصفها مؤسسة للثقة والمعنى. فحين يتوقف المال عن تمثيل القيمة، تتوقف الدولة عن تمثيل المجتمع، ويبدأ انهيارها من الداخل — إقتصاديًا، أخلاقيًا، ورمزيًا.
السوق الموازي:
من اللا (نظام إلى النظام الفعلي وفقًا لتقرير البنك الدولي لعام 2025 وتقرير جامعة زيورخ حول مرحلة ما بعد العملة، فإنّ ما يُعرف في السودان بـ “السوق الموازي” لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية هامشية، بل أصبح النظام الاقتصادي الفعلي الذي يُحدد الأسعار ويُدير حركة النقد كما يشير تقرير زيورخ إلى أنّ أكثر من 65% من المعاملات اليومية في السودان تتم بالدولار الأمريكي أو الريال السعودي او العملات الاجنبية الاخرى في بعض المناطق مثال البر الأثيوبىي في إقليم الفونج الجديد، وهو ما يعكس إنهيار الثقة في الجنيه وفقدان البنك المركزي دوره في ضبط السيولة أو تحديد سعر الصرف، ويؤكد تقرير البنك الدولي هذه الإتجاهات، موضحًا أنّ القطاع غير الرسمي (informal sector) أصبح يمثل أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي الفعلي، بينما تقلصت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات أو إدارة السياسة المالية والنقدية، وهو ما وصفه التقرير بـ “تفكك الدولة الاقتصادية”، حيث تُدار الدورة المالية عبر شبكات بديلة من التجار والمضاربين وشركات الصرافة غير الرسمية في ضوء هذه المعطيات، يمكن قراءة ما يحدث بوصفه تجسيدًا لما سماه الإقتصادي “جون ماينارد كينز” بـ “الاقتصاد المنفلت من الدولة”، حين تتخلى السلطة عن إدارة الطلب الكلي وتترك السوق لتعيد إنتاج توازنها الخاص من أسفل، لكن الحالة السودانية تتجاوز هذا الإطار الكينزي إلى ما يمكن تسميته بـ “الريع الفوضوي” (chaotic rentierism) حيث لم تعد الدولة فقط عاجزة عن التنظيم، بل أصبحت تستهلك ما تبقى من الاقتصاد عبر الجبايات، تهريب الذهب، وتسييل النقد الأجنبي في حسابات عسكرية وشخصية بالخارج، وفقًا لما وثّقه البنك الدولي في قسمه الخاص بـ”تسرب الموارد العامة”.
بهذا المعنى، فإنّ السوق الموازي لم يعد نقيضًا للدولة، بل مرآتها الجديدة:
نظامٌ لا ( مركزي ينشأ حين تنهار الثقة في الدولة المركزية، ويتحوّل فيه النقد إلى أداة سياسية تُستخدم لشراء الولاءات وتمويل الحرب. إنه الانتقال من “اللا–نظام” إلى “نظام بديل” تديره شبكات القوة الاقتصادية (العسكرية خارج أي مساءلة، بما يجعل إعادة تأسيس الإقتصاد السوداني مشروطة بإعادة بناء الدولة نفسها، لا مجرد إصلاح البنك المركزي أو السياسة النقدية.
في المناطق المحررة من جنوب كردفان/جبال النوبة والنيل الأزرق (الفونج الجديدة)، نشأت منذ عام 2011 تجربة اقتصادية يمكن وصفها بأنها نموذج سيادي بديل لما ساد في الدولة المركزية منذ الاستقلال، فبينما انهارت المنظومات المالية في الخرطوم، وتحوّل البنك المركزي إلى ذراع للسلطة العسكرية والسياسية، حافظت هذه المناطق على حدٍّ أدنى من التماسك الاقتصادي والاجتماعي عبر ما يمكن تسميته بـ “الاقتصاد المقاوم”.
في هذه المناطق، لا يُنظر إلى المال كرمز لسيطرة الدولة، بل كأداة اجتماعية لإعادة توزيع القيمة بما يخدم البقاء والكرامة، فاعتماد الدولار الأمريكي أو البر الإثيوبي كوحدات تسعير وتقدير للقيمة لم يكن تعبيرًا عن التبعية الخارجية، بل عن تحرّر فعلي من احتكار المركز للسيادة النقدية، إنّ الجنيه، بشكليه الشمالي والجنوبي، تحوّل إلى مجرد وسيط مؤقت، بينما ظلّ الاقتصاد الفعلي قائمًا على الزراعة، الثروة الحيوانية، والتبادل العيني.
وأخيراً التعدين الأهلى، وتداول السلع عبر الحدود، أي على ما يسميه فرناند بروديل بـ “الاقتصاد العميق” (ذلك الاقتصاد الذي ينجو من انهيارات الدولة لأنه يقوم على العمل والعلاقات المجتمعية لا على السلطة.
تؤكد وثائق الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، سواء في المنفستو أو في وثيقة المبادئ فوق الدستورية وغيرهما، أن هذه التجربة ليست ظرفًا مؤقتًا بل بداية لاقتصاد سياسي جديد، يستند إلى مبدأ أنّ الإنتاج الزراعي هو القاعدة المادية للحرية، وأنّ إعادة بناء الدولة تبدأ من توزيع الموارد بعدالة وربط القيمة بالعمل لا بالولاء. فالرؤية الاقتصادية للحركة ترفض مفهوم “الاقتصاد الريعي” الذي ميّز الخرطوم، وتتبنى بدلاً منه نموذج “الاقتصاد المنتج” الذي يربط بين العمل والكرامة، والاكتفاء المحلي والتكامل الإقليمي، بوصفه أساسًا للسيادة الحقيقية.
لهذا، يرى المراقبون أن المناطق المحررة، رغم فقرها الظاهري، تمثل اليوم أكثر المناطق السودانية تماسكًا اقتصاديًا، فهي تملك نظامًا إنتاجيًا فعّالًا، ووعيًا نقديًا جديدًا، وثقة متنامية في اقتصاد محلي يقوم على الزراعة والتعليم والتعاونيات لا على الريع أو المضاربة بالعملة، إنها، بهذا المعنى، تجربة ما قبل الدولة الحديثة بالمعنى الخلّاق للكلمة: ليست عودة إلى الماضي، بل استعادة لجذر إنساني في الاقتصاد، حيث يصبح الإنتاج فعل مقاومة، والعمل شكلًا من أشكال السيادة.
وبينما تتهاوى مؤسسات الدولة المركزية تحت ثقل الفساد والتضخم والانقسام، تبدو المناطق المحررة (بما راكمته من خبرة في الإدارة الذاتية، وتنظيم الأسواق، واستقلالية الموارد (أقرب إلى تحقيق نجاح اقتصادي مستدام يعبّر عن مشروع السودان الجديد الذي بشّرت به الحركة الشعبية.
اقتصاد في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة الاقتصاد:
التأسيس النقدي كشرط للتأسيس السياسي
يشير تقرير البنك الدولي إلى أنّ الإصلاح النقدي في السودان لم يعد مسألة تقنية بحتة، بل أصبح مرتبطًا بعمق بإعادة بناء مؤسسات الدولة ذاتها. ففي نوفمبر 2024 أعلن بنك السودان المركزي في بورتسودان سلسلة من السياسات مثل تبديل العملات القديمة، فرض ضوابط الكترونية لتقليل الكاش، تطوير التمويل الاصغر، خفض الاحتياطي النقدي القانونىي، ضمان استقرار سعر الصرف (في مناطق سلطته فقط) في محاولة لمعالجة انتشار العملات المزيفة وتعزيز الثقة بالجهاز المصرفى، إلا أن التقرير يُبرز أن هذه العملية واجهت قيودًا سياسية وإقليمية، إذ اقتصرت على المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، ما كشف عن الطابع الجيوسياسي للنقد ذاته بوصفه أداة للسيطرة لا وسيلة للتنمية. كما حذّر التقرير من أنّ القيود اليومية على السحب النقدي ونقص السيولة أضعفت النشاط الاقتصادي وأثرت على المساعدات الإنسانية، مما زاد هشاشة الاقتصاد.
في المقابل، أوصى تقرير جامعة زيورخ بما يمكن تسميته بـ “التأسيس النقدي الجديد”، أي إصدار عملة جديدة مدعومة بأصول حقيقية (ذهب، أراضٍ زراعية، وإنتاج فعلي)، وإنشاء هيئة نقدية مستقلة خارج الإطار السياسي، وربط العملة بسلة دولية وإطلاق برامج للتثقيف المالي، وهذا المقترح يتقاطع جوهريًا مع رؤية حكومة تأسيس ومشروع السودان الجديد اللذين يدعوان إلى ما يمكن وصفه بـ “التأسيس الكلي” ( أي إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تفصل بين السيادة السياسية والهيمنة الطبقية، الاجتماعية، الدينية والجهوية وتعيد توجيه النقد إلى خدمة الإنتاج والمجتمع لا الحرب والنخبة. من منظور النظرية النقدية الحديثة (Monetarism) التي بلورها ميلتون فريدمان، فإن السيطرة على المعروض النقدي شرط لاستقرار الأسعار. غير أن الواقع السوداني يبرهن أن الاستقرار لا يمكن تحقيقه عبر أدوات السياسة النقدية وحدها، بل عبر استعادة الثقة، وهي عملية سياسية وأخلاقية قبل أن تكون مالية. فحين يفقد المواطن ثقته في العملة، يفقد ثقته في الدولة ذاتها، ولذلك، فإن مشروع “تأسيس” بتبني رؤية السودان الجديد عليه ان لا يقترح مجرد إصلاح نقدي، بل عقدًا اجتماعيًا جديدًا يجعل الثروة الوطنية (من الذهب إلى الزراعة (ملكًا للشعب لا للنخب، ويحوّل النقد من رمزٍ للسلطة إلى أداة للعدالة والإنتاج، بهذا المعنى، يصبح التأسيس النقدي شرطًا للتأسيس السياسي؛ فكما لا يمكن أن تقوم دولة بلا قانون، لا يمكن أن توجد سيادة بلا نقد، ولا نقد بلا إنتاج وعدالة اجتماعية.
توصيات إضافية منسجمة مع فلسفة السودان الجديد ومستقبل حكومة “تأسيس”:
إنشاء “الهيئة الوطنية للنقد والتنمية”:
مؤسسة مستقلة تضم خبراء اقتصاديين وممثلين عن الأقاليم والمنتجين، تُناط بها مهمة رسم السياسة النقدية وربطها بالسياسات الزراعية والإنتاجية، بما يضمن استقلال القرار النقدي عن السلطة العسكرية أو النخبوية.
إطلاق “العملة التأسيسية”:
عملة جديدة رمزية، انتقالية (قد تكون رقمية أو هجينة) مدعومة بأصول حقيقية من الذهب والإنتاج الزراعي، تُصدرها الهيئة الجديدة، وتُعتمد في المناطق المحررة كنموذج للثقة الاقتصادية اللامركزية.
إنشاء “بنك تنمية السودان الجديد”:
مؤسسة مالية تعاونية تستثمر في الإنتاج المحلي والزراعة الصغيرة والبنية التحتية المجتمعية، وتُدار وفق مبدأ “رأس المال الاجتماعي” (أي أن الهدف هو تمكين الإنسان لا تراكم الربح.
دمج الإصلاح النقدي في مشروع العدالة التاريخية:
بحيث تُخصص نسبة من العوائد الناتجة عن الموارد الطبيعية لصناديق تنمية في مناطق الحروب والتهميش، كتعويض تنموي عن قرنٍ من النهب الاقتصادي. فالنقد هنا يصبح أداة لتصحيح التاريخ لا لتكراره.
التحول نحو “اقتصاد السيادة المجتمعية”:
اقتصاد يربط بين اللامركزية السياسية واللامركزية النقدية، حيث تتوزع مراكز الإصدار والإدارة المالية بما يعكس التعدد الثقافي والجغرافي للسودان الجديد، ويحوّل الأقاليم من أطراف مستهلكة إلى مراكز منتجة.
تعزيز الشفافية والمحاسبة المالية كقيم تأسيسية:
عبر نشر الموازنات العامة، وربط الإنفاق العام بمؤشرات العدالة الاجتماعية، وإدراج الحق في “المعلومة المالية” ضمن الدستور الانتقالي بوصفه أحد أشكال الكرامة الوطنية بهذه الرؤية، يتحول الإصلاح النقدي من أداة استقرارٍ مالي إلى أداة تحررٍ إنساني، ويصبح التأسيس النقدي جزءًا من مشروع العدالة التاريخية في السودان الجديد، حيث تُستعاد كرامة المواطن عبر الاقتصاد، وتُستعاد سيادة الدولة عبر العدالة.
من الاقتصاد إلى الكرامة: (النظرية الإنسانية للنقد)
في فلسفة المال والتنمية:
يؤكد الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سِن أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بزيادة الدخل القومي أو حجم الناتج المحلي، بل بـ توسيع قدرات الإنسان على أن يكون ويفعل ما يختاره بحرية (أي أن التنمية هي مشروع للتحرر الإنساني قبل أن تكون معادلة اقتصادية. ومن هذا المنظور، فإن انهيار العملة السودانية لا يُعدّ مجرد كارثة مالية أو نقدية، بل انتهاكًا مباشرًا لقدرات الإنسان الأساسية: القدرة على الادخار، على التخطيط للمستقبل، وعلى العيش بكرامة داخل مجاله الاقتصادي والاجتماعي.
يشير تقرير البنك الدولي (مايو 2025) إلى أن أكثر من 68% من السودانيين أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر المتعدد الأبعاد، وأن متوسط الدخل الحقيقي للفرد انخفض بأكثر من 40% منذ عام 2022، مع تفكك مؤسسات التعليم والصحة وتآكل الأجور بفعل التضخم المفرط الذي تجاوز 450%، هذه ليست مؤشرات مالية فحسب، بل دلائل على تجريد الإنسان السوداني من قدرته على الفعل الاقتصادي، وتحويله إلى كائن يسعى للبقاء لا للتنمية، هذه الحالة ليست وليدة الحرب الراهنة وحدها، بل امتداد مباشر لسياسات نظام الإنقاذ (1989–2019)، الذي أسّس نموذجًا اقتصادياً ريعيًا ( زبائنيًا (Clientelist Rentierism) حوّل الدولة إلى جهاز استهلاك سياسي وعسكري، صادر الثروة العامة لحساب فئة محدودة من رجال الدين والأمن والطبقة الطفيلية. فخلال العقود الثلاثة لحكم الإنقاذ، تم تسييس الاقتصاد بالكامل عبر الخصخصة الفاسدة، واحتكار الذهب، وتهريب الموارد، وخلق شبكة ولاءات مالية داخلية وخارجية، وقد وثّق تقرير البنك الدولي أن أكثر من 80% من الإنفاق العام في تلك الحقبة كان موجّهًا للقطاع الأمني والعسكري، فيما لم يتجاوز الإنفاق التنموي 8%، وهو ما مهّد لانهيار الجنيه وفقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها،
وفي المقابل، تُظهر التجارب في المناطق المحرّرة بجبال النوبة والنيل الأزرق (الفونج الجديدة) نواةً لاقتصادٍ بديلٍ قوامه إعادة توطين الثقة داخل المجتمع المحلي. فاعتماد التسعير بالدولار أو البر الإثيوبي منذ عام 2011 لم يكن مجرد استجابة فنية، بل تعبيرًا عن تحرّرٍ رمزي من المركز الاقتصادي الفاسد، ومحاولة لبناء نظام تبادل أكثر شفافية وعدلاً. إن إعادة توطين الثقة هنا ليست إجراءً نقديًا، بل استعادة لكرامة الإنسان عبر الاقتصاد ( أي عودة المال إلى وظيفته الأصلية كـ لغة للتبادل العادل فالمال، في جوهره، ليس غاية، بل أداة أخلاقية للتواصل الاجتماعي؛ وحين تُفسد هذه اللغة بالاحتكار والتضليل والفساد، ينهار المعنى الأخلاقي للمجتمع ذاته. بهذا المعنى، فإن إصلاح النقد في السودان هو مشروع لاستعادة الكرامة الإنسانية قبل أن يكون إصلاحًا اقتصادياً ( وهو جوهر ما تدعو إليه حكومة تأسيس: بناء دولةٍ يعاد فيها تعريف التنمية كتحررٍ إنساني وعدالة إنتاجية، لا كمجرد نمو رقمي في ظل العبودية الاقتصادية.
النضال مستمر والنصر اكيد.