بورسودان تهدد جنوب السودان وتشاد: هروب إلى الأمام و تهديد للجيران  بقلم:

بقلم✍️🏽: عمار نجم الدين

 

 

بعض القادة لا يغادرون ماضيهم. ياسر العطا، أحد رموز سلطة بورسودان، يبدو وكأنه ما زال يعيش في بدايات “المشروع الحضاري” وحملات “أمريكا وروسيا قد دنا عذابها”، حين كان الحلم الأكبر لإخوان السودان المسلمين رفع الراية في البيت الأبيض والكرملين. لا تزال عقليته عالقة في زمن كانت فيه الخرطوم تتدخل في سياسات الجوار، تخطط لاغتيال زعماء، وتدعم انقلابات كما حدث في تشاد، وتستضيف متطرفي العالم باسم “المؤتمر الشعبي الإسلامي”.

اليوم، نرى نسخًا جديدة من نفس الفيلم القديم: سوريون متشددون، مجموعات إريترية، وأجانب يقاتلون إلى جانب الجيش السوداني ومليشيات تقاتل كعبها اعلى من الجيش نفسه ، كأن البلاد لم تتعلم شيئًا من خراب التسعينات. السلطة هناك تُعيد تدوير نفس الوهم، وتتصرف كأن السودان في موقع يسمح له بتصدير الفوضى، لا بالكاد النجاة منها.

حين يعلن الفريق ياسر العطا، أحد أركان السلطة العسكرية في بورسودان، أن مطارات تشادية أهداف عسكرية مشروعة، فالمشكلة ليست في التصريح نفسه، بل في من أطلقه، ومن أين، وفي أي توقيت. هذه ليست مجرد كلمات طائشة، بل إشارة مقلقة إلى عقلية ترى في التصعيد أداة حكم، وفي الفوضى فرصة سياسية.

والحقيقة أن السودان، أو ما تبقى منه في خريطة الحكم بعد 15 أبريل، لا يملك ترف استعداء الجيران. البلد غارق حتى عنقه في حرب أهلية تقسمه وتنهك اقتصاده وتبدد مؤسساته. ومع ذلك، تصر القيادة في بورسودان على لعب ورقة التهديد الإقليمي وكأنها تمتلك مفاتيح القوة، أو تفهم قواعد اللعبة الجديدة في الإقليم.

تشاد، من جهتها، ردت بوضوح. لم تكتفِ ببيان دبلوماسي تقليدي، بل وصفت التصريحات بأنها إعلان حرب. وهذا موقف غير معتاد في لغة العواصم الأفريقية. لكنه مفهوم. لأن ما قيل لم يُقَل صدفة، وما رُد عليه لم يكن قابلاً للتجاهل.

المشكلة أن بورسودان تتصرف وكأن تشاد ما زالت تشاد التسعينات، تلك الدولة التي كانت تُستخدم كورقة في صراعات الآخرين، والتي كثيرًا ما عبثت بها الخرطوم بتبديل الحكومات وتمويل التمردات. لكن تلك المرحلة انتهت. تشاد اليوم لم تعد هدفًا سهلاً، بل أصبحت فاعلًا محوريًا في معادلة الأمن الإقليمي.

إنها دولة رسّخت سلطتها السياسية، وأعادت بناء جيش محترف، وصارت لاعبًا أساسيًا في جهود الاستقرار بغرب أفريقيا، وشريكًا أمنيًا موثوقًا في مكافحة الإرهاب.

تدخلت لمحاربة بوكو حرام، وشاركت في تحالف الساحل G5، وأثبتت جاهزيتها العسكرية في العمليات ضد الجماعات المسلحة في شمال مالي. قوتها لم تعد فقط في السلاح، بل في الرؤية السياسية الواضحة: الاستقرار الإقليمي ليس ترفًا، بل ضرورة أمنية.

وهي لا تتحرك من منطلق رد الفعل فقط، بل من موقع المبادرة. لأن أمن أنجمينا مرتبط بنيامي، وطرابلس، والفاشر، وكوستي. ولهذا، فإن أي تهديد من بورسودان لا يُعامل كزلة لسان، بل كرسالة سلبية من دولة تتصرف خارج المنطق الإقليمي.

وفي مشهد يؤكد أن الخطاب العدائي ليس استثناءً بل نمطًا متكرّرًا، وسّعت بورسودان من نطاق التهديد ليشمل جنوب السودان كذلك. ففي 23 مارس 2025، خرج الفريق العطا مجددًا، وهذه المرة ليهدد بـ”العدوان العسكري” على من وصفهم بـ”الخونة” داخل جمهورية جنوب السودان. بيان الخارجية في جوبا كان قاطعًا: تصريحات العطا “متهورة، استفزازية، وتشكل انتهاكًا صارخًا لمبادئ حسن الجوار، والتعايش السلمي، والقانون الدولي”. هذا النوع من التصريحات لا يصدر عن دولة تسعى للاستقرار، بل عن سلطة تعاني من أزمة داخلية وتبحث عن معركة خارجية، أيًا كانت.

ما تفعله بورسودان أقرب إلى تصدير أزمتها بدل إدارتها. وحين تبدأ الأنظمة المنهارة في توجيه بنادقها إلى الخارج، فهذه ليست سياسة، بل محاولة للهروب من الداخل المنهار. هذه لعبة قديمة: تحويل الفشل الداخلي إلى “عدو خارجي” يمنح السلطة شرعية لم تعد موجودة.

لكن الجيران لم يعودوا كما كانوا. تشاد، وجنوب السودان، ودول المنطقة تعلم أن الصمت في وجه التهديد ليس حياداً، بل تساهل يُغري بالمزيد. ومن هنا، يصبح الرد حتميًا. ليس لأن أحداً يريد الحرب، بل لأن أحداً لا يريد أن يُفاجَأ بها.

المجتمع الدولي، كعادته، قد يكتفي بالبيانات. لكن دول الجوار تعرف أن التهديد لا يُعالج بالدبلوماسية وحدها. الدرس الليبي والصومالي لا يزال حيًّا في الذاكرة: حين تُترك الأزمة تتمدد، تصبح إقليمية، وربما أبعد من ذلك.

في النهاية، لا أحد يمكنه إنقاذ السودان غير السودانيين. لكن عندما تبدأ بعض مكونات السلطة في بورسودان في تهديد الأمن الإقليمي، فليعلموا أن الرد لن يكون عبر بيانات، بل من خلال قرارات تُتخذ بصمت، وتُنفذ على الأرض.

بورسودان اليوم ليست في موقع يخولها فرض شروط أو رسم معارك. الأفضل لها أن تنصت. لأن المنطقة تغيّرت، ولم يعد هناك من يراهن على الصبر غير المحدود.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.