
باتريس لومومبا الحضور الأنيق رغم الغياب.
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات.
شكل باتريس لومومبا رغم غيابه الجسدي، حضوراً أنيقاً ومكثفاً في فعاليات بطولة كأس الأمم الإفريقية لسنة 2025م – 2026م، التي أنطلقت بالمملكة المغربية في 21 ديسمبر 2025م، لا سيما خلال المباريات التي خاضها منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية. فقد ظل المشجع الكونغولي ميشيل كوكا أمبولادينغا، عبر حضوره المتكرر ووقوفه المعبرة طيلة فترة المباريات التي خاضها منتخبه، يستدعي ذاكرة أفريقيا السياسية والثورية، مذكراً القارة والعالم بأحد أنبل رموز التحرر الوطني الأفريقي، في محفل رياضي تحول إلى فضاء للذاكرة والمقاومة.
ورغم خروج منتخب الكونغو الديمقراطية من البطولة أمام المنتخب الجزائري مساء الثلاثاء 6 يناير 2026م على ملعب مولاي الحسن، وما رافق ذلك من سخرية غير موفقة من اللاعب الجزائري محمد الأمين عمورة تجاه هذا المشجع المسالم والفريد، فإن أمبولادينغا ظل أيقونة أخلاقية ورمز لهذه النسخة من البطولة، وأحد أكثر وجوهها تعبيراً عن التقاء الرياضة بالسياسة والثورة، والأناقة والفرح الشعبي بالتاريخ الجريح.
هكذا، ظل باتريس لومومبا حاضراً بوصفه رمزاً لا يقصى، وصوتاً لا يخفت، وأحد أبرز أبطال التحرر الأفريقي الذين يتجاوزون حدود الزمن والملاعب الكروية، ليؤكدوا أن الذاكرة الجمعية للشعوب أقوى من محاولات الطمس وتغييب الأجيال الحديثة في القارة، وأن أفريقيا، مهما تبدلت ساحاتها، لا تنسى شهداءها.
لم يكن لومومبا المولود سنة 1925م والمغدور به سنة 1961م مجرد زعيم سياسي أو أول رئيس وزراء للكونغو الديمقراطية المستقلة فحسب؛ بل كان رمزاَ وذاكرة حية للمشروع التحرري الأفريقي الجذري الذي رأى أن التحرر عملية كلية لا تتجزأ. إغتياله المبكر حوّله إلى أيقونة، لكن أفكاره، خاصة التي تجلت في خطاب الإستقلال الشهير في 30 يونيو 1960م، والذي كان موجهاً للملك (بودوان) ملك بلجيكا، وكذلك ممارساته القصيرة في السلطة، شكّل إطاراً نقدياً حاداً لفشل الدولة ما بعد كولونيالية. تتعمق رؤيته فيما وراء الشكل السياسي لتصل إلى جوهر التحررالمتمثل في السيادة الشاملة.
1. الإستقلال كتحول جذري لا شكلي:
في خطابه التاريخي، تجاوز لومومبا لغة المجاملة الدبلوماسية ليقول كلمة الحق المرة التي لا يرغب المستعمر في سماعها. لم يشكر بلجيكا على منحها الإستقلال، بل وصف الإستعمار بأنه نظام قمعي عنيف وسالب للكرامة. هذه الجرعة النقدية المباشرة كانت رسالة واضحة مفادها أن:
الإستقلال ليس هدية:
إنه حق أستُعيد بعد كفاح دموي وتضحيات الأبطال الكونغوليين. هذا الرفض لصيغة المنحة الإستعمارية يحدث قطيعة مباشرة مع شرعية الإستمرارية الهادئة للهيمنة.
الإستقلال ليس طقماً جديداً للدولة:
رفض فكرة أن الإستقلال هو مجرد تسلم مفاتيح المباني الحكومية والإستمرار في إدارتها بنفس النخب والمنطق. الدولة الجديدة يجب أن تكون نوعياً مختلفة، وليست نسخة سوداء من الدولة الإستعمارية.
2. السيادة الثقافية:
لم يكن لومومبا مثقفاً تنظيرياً كالشيخ أنتا ديوب، لكنه فهم البعد النفسي والثقافي للإستعمار وأهمية تجاوزه من خلال إستعادة الذاكرة والهوية والكرامة، وسعى لإنهاء (إغتراب الذات) عندما رأى أن الإستعمار فرض على الأفارقة نظرة إزدراء لذواتهم وتاريخهم، وبالتالي فإن عملية إستعادة الكرامة الجماعية عبر الأعتراف بالماضي المشترك من المعاناة والمقاومة هو جزء أساسي من التحرر. كان يؤمن بأن الأفارقة، بمجرد تحررهم من عقدة الدونية، سيبدعون ويقدمون ثقافة وطنية حديثة تستمد من تنوعهم ولكنها موجهة نحو المستقبل. وهو يعني بالسيادة الثقافية التحكم في رواية التاريخ، وفي نظام التعليم، وفي ما يُعتبر تقدماً وجمالاً. كما تعني بشكل صريح رفض أن يكون المعيار الوحيد هو المعيار الأوروبي.
3. السيادة الإقتصادية: قلب الهرم الإستعماري
هنا تتجلا وتكمن رؤية لومومبا الأكثر ثورية والتي تشكل خطورة على المصالح الغربية بسعيه الدؤوب إلى قلب الهرم الإستعماري عبر:
نقد الإقتصاد الريعي الإستخراجي:
أدرك لومومبا أن قلب الإستعمار كان إقتصادياً، بحيث أن إقتصاد الكونغو والعديد من الدول الأفريقية كان مصمماً ليكون ملحقاً يمد الصناعة الأوروبية بالمواد الخام، كالنحاس واليورانيوم والماس والمطاط والقطن، بأسعار زهيدة جداً، ويستورد السلع المصنعة بأسعار مرتفعة.
الدعوة لسيطرة وطنية على الموارد:
سعى لومومبا إلى إعادة توجيه الإقتصاد لخدمة الشعب الكونغولي. هذا يعني تأميم الموارد الإستراتيجية، أو على الأقل التفاوض بشروط جديدة تضمن عائداً عادلاً للتنمية المحلية. كان يعلم أن الإستقلال السياسي بدون إستقلال إقتصادي هو وهم، وسيجعل الدولة الجديدة سيدة في الظل، وعاجزة في الواقع، تتحكم بها الشركات المتعددة الجنسيات والقوى القديمة.
البناء الصناعي والإكتفاء الذاتي:
كانت رؤية لومومبا تتعدى إستخراج المواد الخام إلى تطوير صناعة محلية حتى ولو بدائية لمعالجتها، مما يخلق فرص عمل ويضيف قيمة. هذا يتعارض جذرياً مع دور المُزوِّد الذي خصصه الإستعمار لأفريقيا في التقسيم الدولي للعمل.
4. الدولة الوطنية كأداة للتحرر الشامل:
سعى لومومبا لتحويل الدولة من أداة قمع في خدمة الخارج إلى أداة تنمية وتوحيد وطني في خدمة الداخل.
توحيد الأمة ضد التفتيت:
واجه لومومبا مثل فرانز فانون، خطر التفتيت العرقي والجهوي الذي زرعه الإستعمار عبر سياسة فرق تسد. سعى لبناء هوية وطنية كونغولية جامعة فوق الإنتماءات الضيقة، معترفاً بالتنوع لكن رافضاً إستخدامه كذريعة للإنفصال أو الحكم غير المباشر. هذا ما جعل قوى الإنفصال المدعومة من الخارج (ككاتنغا) عدواً رئيسياً له.
التعاون الأفريقي والتضامن الأممي:
رأى أن تحرر الكونغو مرتبط بتحرر أفريقيا كلها. كان قومياً لكن بأفق قاري. سعى لتحالفات مع زعماء تقدميين مثل نكروما في غانا، ومع المعسكر الإشتراكي (الاتحاد السوفيتي) كموازن للنفوذ الغربي، في وقت كان العالم منقسماً في الحرب الباردة. هذه السياسة الخارجية المستقلة هي التي جعلته هدفاً لا يُغتفر.
لومومبا ومشروع السودان الجديد
إغتيال لومومبا كان الإجهاض العنيف لأول مشروع تحرري جذري في أفريقيا السوداء ما بعد كولونيالية؛ فشل ذلك المشروع يعطي دروساً بالغة الأهمية لمشروع السودان الجديد:
1. العدو الداخلي المتحد مع الخارجي:
لم يُقتل لومومبا من قبل المستعمر البلجيكي وحده، بل بتواطؤ نخب كونغولية كمبرادورية وعسكرية وقبلية إستفادت من النظام القديم وخافت من مشروعه التغييري الجذري. هذا يُظهر أن معركة التحرر الحقيقي هي على جبهتين:
• ضد الهيمنة الخارجية،
• ضد البنى الداخلية المريضة التي تتعايش معها.
2. وحدة السيادة:
بحيث لا تفصل السيادة الثقافية عن الاقتصادي، بمعنى أي مشروع للسودان الجديد يسعى للفصل بين الهوية والإقتصاد مصيره الفشل. لا معنى لخطاب التنوع الثقافي إذا بُني على إقتصاد ريعي مركزي يتحكم فيه تحالف عسكري تجاري إسلاموعروبي ويُهمش الشعوب السودانية. يجب أن تترجم السيادة الثقافية إلى عدالة في توزيع الثروة والسلطة.
3. الدولة بين التوحيد والتفتيت:
واجه لومومبا معضلة صعبة؛ كيف تبني دولة مركزية قوية تكسر نفوذ الشركات والقوى الخارجية دون أن تتحول هذه الدولة المركزية إلى أداة قمع جديدة للأقليات وشعوب الهامش؟ السودان يواجه ذات الإشكال، لذا فهو يحتاج إلى قوة إتحادية كفيلة بحماية السيادة الوطنية المرتكزة على المبادئ فوق الدستورية، ولكن في نفس الوقت إلى هيكل لا مركزي عادل يحمي التنوع ويمنع الإستبداد.
تذكِّرنا تجربة لومومبا بأن التحدي الجذري للنظام العالمي المهيمن وشركائه المحليين له ثمن باهظ. وأن المشروع التحرري الحقيقي يستدعي صراعاً مريراً مع قوى لها مصلحة راسخة في بقاء الأوضاع على ما هي عليه.
يظل باتريس لومومبا ضميراً ثائراً لمشروع التحرر الأفريقي غير المكتمل وتدفعنا رؤيته للتساؤل، هل إستقلال السودان الحالي هو إستقلال لومومباوي/ سيادة شاملة، أم هو إستقلال شكلي، تتحكم فيه من الداخل نخب كمبرادورية ومن الخارج أجندات دولية، فيما تبقى الشعوب السودانية مقموعة ومهمشة؟.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.