
اما حكاية ! البار لُب “الجغيب”
إيهاب مادبو
والجُغبة وتصغيرها ” الجغيب” هي الارض المنخفضة بين جبلين وتشتهر في جبال النوبة بالعشب والمياه السطحية، بجانب ذلك فإن وجودها الطبيعي بين الجبال يُشكل حماية طبيعية للمجتمعات من الحيوانات المفترسة وقتها.
تلقيت إتصالاً مساء اليوم، من الزعيم الاهلي لقبيلة الحوازمة البدوي الإزيرق، وهو من اعيان القبيلة وقد اشتهر بين “الرُحل” بإمتلاكه رؤوس من الابقار تُقدّر بالآلاف، حيث إنه بجانب هذه الثروة الحيوانية زعيماً اهليا مرموقاً وسط القبيلة.
بدأ الإزيرق في مهاتفته لي بالتهنئة بالتوقيع علي ميثاق السوداني التأسيسي، ثم بدأ حديثه وكأنه قد استرخي علي عنقريب “هباب” متوكعاً بإنتصار مُتخيّل علي ” التعب” ويلقي بنظراته لابقاره وهي “تصقع” الجُرة، بعد إن امتلأت بطونها بخيرات تلك “الجِغاب”.
وبطبيعة الرجل البدوي عند قبيلة الحوازمة، بدأ الإزيرق في توصيف الحال الذي عليه هو وقطيع الابقار قائلا:” تعرف يا “وهاب”_ وهو إسمي وسط القبيلة_ انا انجميت تب والبار زاتن انجمن ورتعنا في القش أكل”، و”توا” كي جيت من “العِد” هنا الالمي وسقيت بقري وانا زاتي “رويت” لي نسية طااااعمة.
في شهر ابريل الماضي، كنت في حديث مطول مع الزعيم الأزيرق حول اهمية إعادة ترسيم لتثاقف إجتماعي جديد، يستند علب جدار من الإنسانية مُشيّد بقيم السلم والتعايش المجتمعي بين النوبة والحوازمة.
ينبع ذلك، من الرغبة الحقيقة في فتح قضايا التعايش والمصيرك المشترك بين هذه المجموعات التي تقاسمت في الماضي عبر “التحالفات الإجتماعية” حيواتها الإجتماعية والثقافية والإقتصادية، ونجحت تلك ” الاحلاف” لحدٍ كبير في توطين علائق إجتماعية وصلت لحد التزواج بين ثقافاتهم المتنوعة.
ونتيجة لهذا التزاوج فقد وِلدت عنه إيقاعات متعددة مثل “الدرملي” والمصارعة بجانب ملامح من التراث المعنوي الذي عبّرت عنه قيمهم الإنسانية، وهي تجربة عظيمة حاولت النخب المركزية بعد الإستقلال المعطوب الي تشويهها، بحيث تخدم اجندتها واهدافها في السيطرة علي إنسان المنطقة وموارده الإقتصادية.
ولعبت الإستخبارات والأجهزة الامنية في فترة من الفترات، في توظيف التناقضات المجتمعية وإستخدامها في جدل الحروب المصنوعة من المركز، بحيث تعمل علي تسميم حياة مجتمعات الإقليم بتزكية النعرات القبيلة، وتغذية بطاريات الصراعات بين الرُعاة والمزارعين.
وينظر العقل السياسي”القديم”، الي ميثاق السودان التأسيسي من زاوية “حادة” للغاية، وبالاصح فإنه ينظر لهذا الميثاق من زاوية إنه مهدد بنسف مخططاته الخبيثة بالإقليم وسياساته العنصرية في تعكير صفو هذه المجتمعات بنيران حروبه المصنوعة.
ويُعد الميثاق التأسيسي” فتحاً مُبيناً” لمجتمعات المنطقة، خصوصاً النوبة والحوازمة، والتي ولأول مرة في التاريخ يتقاسمن النساء ” اللادية” بعد عملية التهجير القسري لمجموعات الحوازمة بمنطقة خور الدليب في يناير الماضي.
ولاول مرة في التاريخ السياسي والإجتماعي كذلك، ان يتجه الحوازمة بماشيتهم لعمق الجبال، بعد إن كانت رحلة ” الظعينة” تتجه من الجبال الي تخوم كردفان، وتحديداً عند منطقة الخيرصان والشركات والجبل بمدينة الابيض، فيما تعرف هذه الرحلة بالمخارف.
وفي خريف هذا العام، كانت رحلة ” الظعينة” هذه المرحلة الي عُمق الجبال ، حيث الامان والإستقرار والطمأنية، وتقول امثالنا الشعببة ” الول خال”، وبالفعل فقد احتضن اخوال الحوازمة من النوبة أبناء أُختهم بصدرٍ رحب وتقاسموا معهم ” الضرا” واللبن والسمسم والمرحاكة، وشربوا معا” النسيّة”.
وتستعد هذه المجاميع من فرقان الحوازمة، بعد رحلة المخارف الي كرنفالات الحصاد، والتي تُعبّر عنها ثقافة “الصراع” بين صبيان الحوازمة والنوبة، بعد ان ترتوي أجسادهم بدهن السمن وتمتلئ بطونهم بـ” ام تكتلني”، تلك الأكلة الشهيرة التي تشتهر بها قبائل النوبة.
وحينما يأتي مهرجان المصارعة، تكون مجتمعات النوبة الحوازمة قد حشد كل فنونها وثقافاتها، وتهيأت الارض لإستقبال هذا اليوم التاريخي الذي تبرز فيه القيمة الإنسانية لحوار هذه الثقافات الإجتماعية.
“والنوبة شوف الأكيدة،، دا اللبن الغلب العصيدة”
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.