الهامش الذي ينتظر العدالة: تأملات في عمران السودان المنسي

بقلم✍🏾: يونان الجمري مهندس معماري ومهتم بقضايا التخطيط العمراني والحضري

 

 

 

في السودان، ما زال التفاوت بين المركز والأطراف يتحدث بلسان المكان قبل الإنسان.

منذ فجر الدولة الحديثة، ظلت التنمية تميل نحو العاصمة الخرطوم، تاركة خلفها أقاليم بأكملها تعيش في صمتها الطويل: دارفور، جبال النوبة، الشرق، والنيل الأزرق.

هذه المناطق ليست مجرد بقع على خريطة جغرافية، بل ذاكرة حية لسودانٍ آخر، لم ينل نصيبه من العدالة ولا من العمران.

التهميش في السودان ليس مصادفة، بل نتيجة تاريخ طويل من التمركز الإداري والاقتصادي.

منذ الحكم الثنائي البريطاني–المصري، تم بناء الدولة من الأعلى إلى الأسفل، لا من القاعدة إلى القمة.

تجمعت السلطة في المركز، بينما تُركت الأطراف لتعيش على هامش الدولة والتنمية.

وحين تغيرت الأنظمة، بقي المنهج واحدًا قرارات تصنعها العاصمة، ومناطق تُطالَب فقط بالانتظار.

لكن المفارقة أن هذه الأقاليم المهمشة هي نفسها أكثر المناطق ثراء بالموارد الطبيعية، والتنوع البيئي، والعمق الثقافي.

فيها تنبت الأرض بألوان مختلفة، وفيها يتحدث الناس لغات ولهجات تعكس تعدد السودان الحقيقي.

غير أن هذا الغنى لم يتحول إلى تنمية، لأن الرؤية ظلت مركزية، لا ترى في الأطراف سوى مسافات بعيدة، لا شركاء في البناء.

الهامش في السودان ليس فقط موقعًا جغرافيًا، بل حالة إنسانية.

*عندما* يهاجر شباب الأقاليم إلى العاصمة بحثًا عن فرص العمل والتعليم، فإنهم لا يفقدون فقط أرضهم، بل هويتهم المكانية أيضًا.

وحين تتوسع المدن عشوائيًا دون تخطيط حضري متوازن، تتضاعف الفوارق الطبقية والمكانية.

*العمران في السودان* لم يُبنَ كجسر بين الفئات، بل كثيرًا ما كان جدارًا يفصل بينها.

*لقد آن الأوان* أن نعيد تعريف مفهوم الإعمار في السودان.

الإعمار ليس بناء جدران جديدة، بل إعادة الثقة بين الإنسان ومكانه.

أن يشعر ساكن دارفور أو القضارف أن بيته ومدينته ومدرسته تعبر عن ملامحه، لا عن مخططٍ جاء من بعيد.

العدالة المكانية لا تتحقق بالمشروعات الكبرى وحدها، بل بالاعتراف بأن لكل إقليم روحه الخاصة، وأن التنمية لا تكون متوازنة إلا إذا احترمت هذه الخصوصية.

وفي خضم الحديث عن الهوية، تبرز العمارة السودانية كمثال صارخ على ما فقدناه.

من عمارة الطين التي كانت تحاكي البيئة وتحتضن الإنسان، إلى الأبنية الخرسانية المستوردة التي لا تمتّ للمناخ ولا للثقافة بصلة.

تبدلت المدن وفقدت شخصيتها، وصارت تشبه أي مدينة أخرى في العالم، بلا نكهة ولا ذاكرة.

إن إحياء العمارة المحلية ليس ترفًا جماليًا، بل ضرورة حضارية لإعادة تعريف من نحن، وكيف نعيش في أرضنا.

السودان، رغم جراحه الكثيرة، يملك فرصة نادرة لإعادة اكتشاف نفسه.

فإذا كانت الحروب قد خرّبت العمران، فإن السلام يمكن أن يبني هوية جديدة — بشرط أن يكون السلام عادلاً، والمكان جزءًا من معادلته.

*إن إعمار الأقاليم* ليس مشروعًا عمرانيًا فحسب، بل فعل مصالحة بين الإنسان وأرضه.

فمن دون عدالة مكانية، لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية، ومن دون عمرانٍ يعكس التنوع، لا يمكن أن تقوم هوية وطنية حقيقية.

ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيدًا من الأبراج في العاصمة، بل مزيدًا من الحياة في الأطراف.

أن تُفتح الطرق لا لتربط الخرطوم بالأقاليم فحسب، بل لتربط الناس ببعضهم.

أن تتوزع الجامعات والمستشفيات والمشروعات التنموية بعدالة، لا كجوائز سياسية بل كحقوق مواطنة.

حينها فقط يمكن أن نبدأ رحلة إعمار الإنسان قبل المكان.

إن السودان الحقيقي لا يوجد في الخرطوم وحدها، بل في تنوعه الممتد من دارفور إلى كسلا، ومن كردفان إلى سواكن.

وفي كل قريةٍ صغيرةٍ أو بيتٍ طينيٍّ متواضعٍ هناك وعدٌ لم يكتمل بعد: وعد بأن تعود الأرض إلى مركز الحكاية، وأن يُعاد رسم الوطن على أسسٍ من المساواة والانتماء.

عندها فقط يمكن أن نقول إن السودان الجديد فعلاً يعيد بناء ذاته

*إعمار الأقاليم* يجب أن يبدأ من الناس لا من المخططات، من ثقافتهم ومهاراتهم وذاكرتهم الجمعية.

فالتنمية لا تكون عادلة إن لم تكن منسجمة مع الأرض التي تنبتها. والمبنى مهما بلغ من جماله، يبقى غريبا إن لم يكن انعكاسا للبيئة ولروح ساكنيه.

من هنا تأتي ضرورة أن تكون مشاريع الإعمار جزءًا من مشروع وطني شامل لإعادة توزيع الثروة والفرص، وإعادة الاعتبار للتنوع الثقافي كقوة موحدة لا كعامل تفرقة.

نحو عمران سوداني جديد السودان اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن يواصل مسار المركزية القديمة التي تكرس الفوارق، أو أن يفتح صفحة جديدة من العدالة المكانية والاعتراف المتبادل بين الأطراف والمركز.

العمران يمكن أن يكون أداةً للسلام، حين يتحول من رمز للسيطرة إلى لغة للتواصل. فالمدينة التي تُبنى بعد الحرب، إن لم تحمل ذاكرة الألم وتترجمها إلى أمل، ستظل مدينة غريبة لا روح فيها.

لهذا، فإن إعمار الأقاليم يجب أن يُصمم بحيث يُعيد الحياة الاجتماعية، ويُنشئ فضاءات عامة للحوار والتفاعل، ويجعل من الهندسة أداة للمصالحة الوطنية

*في نهاية المطاف*، لا يمكن الحديث عن إعمار السودان دون الحديث عن إعمار الإنسان السوداني نفسه – إنسان الأطراف الذي ظل طويلا على الهامش والذي يستحق أن يرى ملامحه في مدنه وبيوته وشوارعه.

حين يتحول الطين إلى عمارة حديثة تحافظ على أصالتها، وحين تعود الأقاليم إلى قلب الخريطة، يمكن أن نقول إن السودان بدأ يكتب تاريخه الجديد تاريخ الأرض التي عرفت معنى الانتماء بعد طول غياب، وتاريخ المدن التي استعادت روحها بعد أن تعلمت أن العمران الحقيقي يبدأ من الإنسان.

 

*الهوامش والمراجع*

1- أحمد عبد الله، السودان بين المركز والهامش: قراءة في جدلية السلطة والتنمية، دار مدارك، الخرطوم، 2016.

2- حسن فتحي، عمارة الفقراء، ترجمة د. محمد زهير، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999.

3- جمال عبد الرحيم، التنمية المكانية في إفريقيا جنوب الصحراء: التحديات والآفاق، مجلة الجغرافيا والتنمية، العدد 12، 2018.

4- ريكور، بول، الزمان والسرد، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، بيروت، 2005.

5- عادل إبراهيم شالوكا _ المناطق المهمشة في السودان – الكفاح من أجل الأرض والهوية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.