
المعهد القومي للتدريب السياسي والقيادي. ورقة عملية بعنون / إعادة تشيكيل علاقات الجندر في مرحلة ما بعد الحرب.
✍️🏽 الأستاذة/ رانيا علي جبارة.
المعهد القومي للتدريب السياسي والقيادي.
ورقة عملية بعنون / إعادة تشيكيل علاقات الجندر في مرحلة ما بعد الحرب.
الأستاذة/ رانيا علي جبارة.
مقدمة :
تعد مرحلة ما بعد الحرب فرصة تاريخية رغم قسوتها لإعادة تعريف الأدوار الاجتماعية وتفيكيك الهياكل القديمة “التقليدية” التي حكمت علاقات الجندر قبل الحرب وخلال الحرب لتتغيير موازين القوى إضطراريا، حيث تقتحم النساء الفضاء العام ومجالات العمل ومراكز صنع القرارات، مما يجعل العودة إلى ما قبل الحرب أمرا غير واقعي وغير عادل.
هذه الورقة الغرض منها تسليط الضوء على الحقائق التي تقف أمام مشاركة النساء في دول ما بعد الحرب، مثلا:
النموذج الأول: دراسة “ساندراهيل” في أرتيريا بعد حرب الجبهة الشعبية لتحرير “أرتيريا” من أجل الاستقلال من أثيوبيا والتي إستمرت ل30 عام بعدها عدن النساء إلى المنازل وأصبحن ربات بيوت ويمارسن أدوارهن التقليدية وفي نفس الوقت حارسات للعادات والتقاليد وتغيرات كل مظاهر التحرر التي صاحبت الحرب.
النموذج الثاني:
إتفاقية السلام الشامل السودانية بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية، ثم تسريح المقاتلات في الجيش الشعبي وعدم دمج عدد كبير منهن في الخدمة المدنية بحجة إنهن غير مؤهلات “موضوع الكفاءات” التفاوتات الهيكلية والفوراق الاجتماعية.
من أجل الاهتمام بوضع أولويات تدريب وتأهيل النساء من أجل الإلمام بدورهن والمشاركة الفاعلة في مرحلة ما بعد الحرب على الرغم من وجود معوقات تتعلق بالبنيات الاجتماعية والتفاوات الهيكلية والمورثات الثقافية بالإضافة إلى التهميش، فكل ذلك يساهم بشكل كبير في إبعاد النساء من المشاركة في السلطة السياسية وذلك ييتطلب ضرورة فهم المجتمع قبل الحرب وأثر الحرب عليه.
أولأ: هناك مفاهيم مفتاحية يجب التطرق إليها:
(أ)- مفهوم الجندر: أو النوع الاجتماعي: وهو أحد الأدوات التحليلية الهامة لفهم الأدوار التي يلعبها الأفراد في المجتمع من السلوكيات والأنشطة التي يحددها المجتمع لكل من الرجل والمرأة، وهي هوية اجتماعية يتم تعلمها وإكتسابها من خلال التنشئة الأسرية – الثقافة واللغة – التعليم والإعلام.
(ب)- التفاوتات الهيكلية: تشير إلى عدم المساواة المتجذرة في صلب الطريقة التي ينظم بها المجتمع، (القوانين، السياسات، المؤسسات، والأعراف الاجتماعية) وتكون المشكلة ليست فردية بل في قواعد العمل. وبناء على هويتهم، العرق، الجنس، المنطقة الجغرافية، الدين. وكل ذلك هو نتاج للنظام الاقتصادي والسياسي للمجتمع وإعادة توزيع الموارد بشكل جيد وتغيير القوانين وإضعاف التعليم.
(ج)- الفروقات الاجتماعية: تشير الفروقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد إلى نشوء تراتبية اجتماعية :
– فروقات بيولوجية، وهذه طبيعية.
– فروقات مكتسبة نشأت من تفاعل الإنسان داخل المجتمع (المستوى التعليمي، المهنة، الدين، اللغة، الثروة) – بالاضافة إلى البعد الثقافي السائد.
مفهوم ما بعد الحرب:
وهنا نشير في العلوم السياسية والاجتماعية الى المرحلة الانتقالية المعقدة التي تلي توقف العمليات العسكرية الرسمية، وهذه المرحلة ليست مجرد غيبة للحرب بل عملية إعادة بناء شاملة للهياكل السياسية والنسيج الاجتماعي والهوية الوطنية.
أوضاع النساء أثناء الحرب:
تتعبر وضعية النساء أثناء الحرب من القضايا الأكثر تعقيدا في الدارسات الاجتماعية والسياسية حيث لا تتعبر النساء مجرد ضحية للحرب بل هي فاعل أساسي يتأثر ويؤثر في مسار الحرب وما بعدها. فهنالك إستهداف ممنهج للنساء كضحية في الحروب الحديثة، وغالبا ما يتم استهداف النساء بشكل مباشر كجزء من إستراتيجيات الحرب والعنف القائم علي النوع الإجتماعي بإستخدامهن أحيانا كأداء لكسر إرادة المجتماعات أو نوع من التطهير الثقافي وتفكيك النسيج الاجتماعي.
أما في النزوح واللجوء، تشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر من النازجين مما يجعلهن عرضه لفقدان الحماية القانونية والاجتماعية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية.
في كثير من الحالات تلجأ الأمهات إلى التقاضي عن حزنهن والعمل من جديد تحديا لواقعهن ليصنعن واقعا جديدا. وهن مصدر الإستقرار، ولا يجمعن فقط علائلاتهن بل هن قادرات ايضا علي تجميع مجتمعهن. لذلك يجب النظر اليها ككيان متكامل وليس كضحايا فقط.
تؤدي الحرب إلى تحول جذري في الأدوار الجندرية التقليدية “تأنيث الفقر” مع غياب الرجال بسبب القتال والإعتقالات أو الوفاة، حيث نجد المرأة هي المسؤولة الوحيدة عن إعالة الأسرة في ظل اقتصاد منهار وبنية تحتية مدمرة، والقيام بأدوار إنتاجية “العمل خارج المنزل” بالإضافة إلى أدوارها الرعائية. وتواجه في ذلك تفاوتات هيكلية تحرمها من الوصول إلى الموارد أو المساعدات بشكل عادل. هنالك دراسة الباحثة “ساندرا هاموند هيل” – واحدة من أهم الدراسات التي أجريت في تجربة النساء في “الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا” حيث ركزت علي التحول الجذري في أدوار الجنسين أثناء الثورة والتحديات التي واجهتها النساء بعد الاستقلال.
1/ النساء في مرحلة الثورة:
الثورة الإريترية كانت فريدة من نوعها في القارة الأفريقية من حيث إدماج النساء، ومن حيث المشاركة الواسعة (حوالي 30% من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا)
* تم تكسير القوالب النمطية، لم يقتصر دورهن على التمريض والطبخ … إلخ. بل عملن كمقاتلات، ومهندسات في مجالات مثل الميكانيكا، وقائدات عسكريات.
* القوانين التقدمية أصدرت الجبهة “قانون الأحوال الشخصية” الذي يمنع الزواج القسري، وينظم المهور، ويمنع ختان الإناث. مما أعطي المرأة شعورا بالتحرر الكامل والمساواة مع الرجل.
2/ النساء بعد الثورة:
ترى الدراسة إن التحرر الذي نالته المرأة أثناء الحرب كان تحررا عسكريا وتنظيميا وليس تحررا إجتماعيا متجذرا وظهر ذلك بوضوح بعد عام 1991
-العودة إلى التقليدية بمجرد إنتهاء الحرب، ضغط المجتمع “الدولة” أحيانا على النساء للعودة إلى الأدوار التقليدية كربات بيوت، وواجهت المقاتلات السابقات صعوبة في الإندماج.
-خيبة الأمل السياسية: تراجع تمثيل النساء في مراكز صنع القرارات العليا مقارنة بفترة النضال.
-وجدت المقاتلة نفسها بين عالمين : عالم الثورة الذي يعاملها كبطلة مساوية للرجل. وعالم المجتمع المدني الذي يراها متمردة علي التقاليد.
أهم النتائج :
المساواة الضرورية بين الجنسين أثناء الثورة كانت مدفوعة بالحاجة العسكرية (الاحتياج لكل يد تحمل السلاح) أكثر من كونه تغييرا ثقافيا شاملا.
خيانة التوقعات: شعر العديد من النساء إن تضحياتهن لم تكافأ بمكانة اجتماعية مستدامة بعد الإستقلال.
إن تجرية المرأة الإريترية تعتبر “درسا” في سوسيولوجيا الحروب حيث يثبت الإستقلال الوطني انه لا يعني بالضرورة “استقلال المرأة” ما لم يتبع التحرير العسكري ثورة ثقافية واجتماعية تغير نظرة المجتمع العميقة للجندر.
تتشابه تجربة النساء في “ناميبيا” إلى حد كبير مع التجربة الأريترية من حيث النضال العسكري المكثف، لكنها تمايزت بظروف سياسية وإجتماعية خاصة لا سيما في مواجهة نظام الأبارتهايد “الفصل العنصري” الذي كان يسيطر على أفريقيا الجنوبية.
الأدوار التحولية للنساء الناميبيات:
1/ أثناء حرب الاستقلال:
-لعبت النساء دورا محوريا ضمن صفوق الجيش الشعبي لتحرير ناميبيا (PLAN) الجناح العسكري لمنظمة “سوابو” (SWAPO).
المشاركة القتالية واللوجستية:
إنضمت آلاف النساء إلى مسكرات التدريب في “أنقولا” و”زامبيا” وعملن كمقاتلات وممرضات ومسؤلات عن الإمداد والإتصالات اللاسلكية.
التعئبة السياسية داخل ناميبيا:
كانت النساء العمود الفقري للمقاومة المدنية، حيث قمن بنقل المعلومات والمؤن للمقاتلين وتنظيم الإحتجاجات ضد التجنيد الإجباري والقوانيين العنصرية.
– مجلس نساء سوابو (SWC) تأسس في المنفى عام 1969 ليكون صوتا سياسيا يطالب ليس فقط بالاستقلال الوطني بل والمساواة الجندرية داخل الحركة الثورية نفسها.
2/ بعد الحرب والإستقلال:
هنالك مكاسب تشريعية وتحديات إجتماعية:
حققت النساء الناميبيات قفزات قانونية ملموسة بعد الاستقلال لكن الواقع الاجتماعي ظل معقدا.
أبرز الإنجازات:
-التمثيل السياسي:
تعد ناميبيا اليوم من الدول الرائدة أفريقيا وعالميا في تمثيل النساء بالبرلمان (نظام الكوتا) حيث تتبني “سوابو” سياسة “الزيبرا”: رجل – إمراة، بالتناوب في القوائم.
-الدستور والتشريع: نص دستور عام 1995 صراحة علي المساواة بين الجنسين.
-المناصب القيادية: وصلت النساء إلى مناصب عليا في الدولة مثل رئاسة الوزراء والوزارات السيادية، وهو ما عكس إعتراف الدولة بالدور النضالي السابق.
يمكن تلخيص إن النساء الناميبيات لم يسعن لمواجهة الرجل بقدر ما سعين لبناء الأسرة المنهارة بعد الحرب، وهو ما يتوافق مع رؤية Africana Womanism – “النسوية الأفريقية” في تقديم مصلحة المجتمع والأسرة كإطار لتحرير النساء.
السودان كنموذج:
لقد ألقت الحرب المستمرة في السودان بظلال قاسية ومعقدة على النساء، حيث تحولت أجسادهن وحياتهن إلى ساحة مواجهة حقيقية مما أدى إلى نشأة حركات نسوية سودانية في خمسينات القرن الماضي، ولم تنشأ بمعزل عن الصرعات السياسية الكبرى في البلاد فقد إرتبطت تاريخيأ بقطبين أساسين:
(أ)- اليسار السوداني “الحزب الشيوعي” – الذي أسس الإتحاد النسائي السوداني، وفي تلك الفترة لم يحقق سوى (حق التصويت، والأجر المتساوي) كما ظل يرتبط بالوسط السوداني ونخب المركز والأجندة السياسية للحزب.
(ب)- الإسلام السياسي “الجبهة الإسلامية” – تم إستخدام الحركة الإسلامية للتنظيمات النسائية لتعزيز مشروعها “الحضاري”. إن الإسلاميين قدموا نموذجا للمرأة العصرية المتدينة كبديل للنموذج الغربي أو اليساري.
في كلا القطبين كانت أغلب القيادات النسوية من نساء الطبقة الوسطى والمتعلمات في الحضر “الخرطوم”.
هذه التركيبة أدت إلى المزيد من التهميش لقضايا النساء في الأقاليم والنازحات والمنتميات لطبقات إجتماعية واقتصادية أدني مما خلق فجوة بين الأجندة النسوية وإحتياجات النساء في الأقاليم.
وتم إستخدام النوع الإجتماعي كأداة سياسية من قبل الدولة. وتم إستخدام التوب السوداني كرمز للهوية الوطنية تارة، والإحتشام الديني تارة أخري.
وفي تقسيم العمل ركزت “النسوية السودانية” على أدوار النساء الاقتصادية بما يخدم توجهات النظام الحاكم سواء في فترات الإشتراكية أو التحول نحو تمكين الإسلاميين وأصبحت المرأة السودانية هي مرآة للصراع على هوية الدولة السودانية.
إلى أن جاءت إتفاقية السلام الشامل السودانية الموقعة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان كنقطة تحول تاريخية في السياسة السودانية، وعلي الرغم من تركيزها الأساسي علي تقاسم السلطة، والثروة والترتيبات الأمنية، إلا إن قضايا النساء كانت حاضرة كجزء من التحول الديمقراطي المنشود.
دور ومكانة قضايا النساء في الإتفاقية تم تضمينها في عدة مستويات:
1/ الحقوق الدستورية والمواطنة:
نصت الاتفاقية والدستور الانتقالي لعام 2005 المنبثق عنها على إن الرجال والنساء متساوين في الحقوق والواجبات، ولأول مرة تم الإعتراف الصريح بحقوق المرأة في المواطنة الكاملة وحقها في نقل الجنسية لأبنائها.
2/ نظام “الكوتا” – التمثيل السياسي:
من أهم ثمار الإتفاقية والعملية الديمقراطية التي تلتها هو إقرار نظام التمييز الإيجابي “الكوتا” حيث نص قانون الإنتخابات لعام 2005 على تخصيص نسبة 25% من مقاعد البرلمان للنساء مما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في تمثيل المرأة في المجالس التشريعية القومية والولائية، وكان الفضل في ذلك يرجع للحركة الشعبية لتحرير السودان.
أهم التحديات:
رغم المكاسب النظرية، فقد واجه تطبيق ذلك ومعالجة قضايا النساء في الاتفاقية تحديات كثيرة.
=ظلت بعض القوانين الوطنية “مثل قانون الأحوال الشخصية” متعارضة مع روح وثيقة الحقوق في الإتفاقية.
-كان التركيز على الترتيبات العسكرية وتقاسم السلطة بين النخب السياسية “الزكورية غالبا” مما أدى إلى تهميش القضايا الاجتماعية و الحقوقية المرتبطة بالنساء.
-“الكوتا” حققت تمثيلا عدديا ولكنها لم تضمن دائما وصول نساء يمثلن الأجندة النسوية الحقيقية بسبب هيمنة الأحزاب السياسية على إختيار المرشحات.
-تهميش وإقصاء النساء بحجة الكفاءة.
# من أهم نتائج إتفاقية السلام الشامل السودانية، إنها فتحت بابا دستوريا وقانونيا هاما للإعتراف بحقوق النساء في السودان، وأرست مبدأ “الكوتا” الذي أصبح لاحقا مطلبا أساسيا في كافة العمليات السياسية.
لقد وصلت نسبة تمثيل النساء اليوم إلى 40% “كوتا” مخصصة للنساء في دستور السودان التأسسي لعام 2025.
مقدمة الورقة: الأستاذة/ رانيا علي جبارة بلال المعهد القومي للتدريب السياسي والقيادي.
ورقة علمية: إعادة تشيكيل علاقات الجندر في مرحلة ما بعد الحرب.
الأستاذة/ رانيا علي جبارة.
مقدمة :
تعد مرحلة ما بعد الحرب فرصة تاريخية رغم قسوتها لإعادة تعريف الأدوار الاجتماعية وتفيكيك الهياكل القديمة “التقليدية” التي حكمت علاقات الجندر قبل الحرب وخلال الحرب لتتغيير موازين القوى إضطراريا، حيث تقتحم النساء الفضاء العام ومجالات العمل ومراكز صنع القرارات، مما يجعل العودة إلى ما قبل الحرب أمرا غير واقعي وغير عادل.
هذه الورقة الغرض منها تسليط الضوء على الحقائق التي تقف أمام مشاركة النساء في دول ما بعد الحرب، مثلا:
النموذج الأول: دراسة “ساندراهيل” في أرتيريا بعد حرب الجبهة الشعبية لتحرير “أرتيريا” من أجل الاستقلال من أثيوبيا والتي إستمرت ل30 عام بعدها عدن النساء إلى المنازل وأصبحن ربات بيوت ويمارسن أدوارهن التقليدية وفي نفس الوقت حارسات للعادات والتقاليد وتغيرات كل مظاهر التحرر التي صاحبت الحرب.
النموذج الثاني:
إتفاقية السلام الشامل السودانية بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية، ثم تسريح المقاتلات في الجيش الشعبي وعدم دمج عدد كبير منهن في الخدمة المدنية بحجة إنهن غير مؤهلات “موضوع الكفاءات” التفاوتات الهيكلية والفوراق الاجتماعية.
من أجل الاهتمام بوضع أولويات تدريب وتأهيل النساء من أجل الإلمام بدورهن والمشاركة الفاعلة في مرحلة ما بعد الحرب على الرغم من وجود معوقات تتعلق بالبنيات الاجتماعية والتفاوات الهيكلية والمورثات الثقافية بالإضافة إلى التهميش، فكل ذلك يساهم بشكل كبير في إبعاد النساء من المشاركة في السلطة السياسية وذلك ييتطلب ضرورة فهم المجتمع قبل الحرب وأثر الحرب عليه.
# هناك مفاهيم مفتاحية يجب التطرق إليها:
(أ)- مفهوم الجندر: أو النوع الاجتماعي: وهو أحد الأدوات التحليلية الهامة لفهم الأدوار التي يلعبها الأفراد في المجتمع من السلوكيات والأنشطة التي يحددها المجتمع لكل من الرجل والمرأة، وهي هوية اجتماعية يتم تعلمها وإكتسابها من خلال التنشئة الأسرية – الثقافة واللغة – التعليم والإعلام.
(ب)- التفاوتات الهيكلية: تشير إلى عدم المساواة المتجذرة في صلب الطريقة التي ينظم بها المجتمع، (القوانين، السياسات، المؤسسات، والأعراف الاجتماعية) وتكون المشكلة ليست فردية بل في قواعد العمل. وبناء على هويتهم، العرق، الجنس، المنطقة الجغرافية، الدين. وكل ذلك هو نتاج للنظام الاقتصادي والسياسي للمجتمع وإعادة توزيع الموارد بشكل جيد وتغيير القوانين وإضعاف التعليم.
(ج)- الفروقات الاجتماعية: تشير الفروقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد إلى نشوء تراتبية اجتماعية :
– فروقات بيولوجية، وهذه طبيعية.
– فروقات مكتسبة نشأت من تفاعل الإنسان داخل المجتمع (المستوى التعليمي، المهنة، الدين، اللغة، الثروة) – بالاضافة إلى البعد الثقافي السائد.
(د) يمفهوم ما بعد الحرب:
وهنا نشير في العلوم السياسية والاجتماعية الى المرحلة الانتقالية المعقدة التي تلي توقف العمليات العسكرية الرسمية، وهذه المرحلة ليست مجرد غيبة للحرب بل عملية إعادة بناء شاملة للهياكل السياسية والنسيج الاجتماعي والهوية الوطنية.
أوضاع النساء أثناء الحرب:
تتعبر وضعية النساء أثناء الحرب من القضايا الأكثر تعقيدا في الدارسات الاجتماعية والسياسية حيث لا تتعبر النساء مجرد ضحية للحرب بل هي فاعل أساسي يتأثر ويؤثر في مسار الحرب وما بعدها. فهنالك إستهداف ممنهج للنساء كضحية في الحروب الحديثة، وغالبا ما يتم استهداف النساء بشكل مباشر كجزء من إستراتيجيات الحرب والعنف القائم علي النوع الإجتماعي بإستخدامهن أحيانا كأداء لكسر إرادة المجتماعات أو نوع من التطهير الثقافي وتفكيك النسيج الاجتماعي.
أما في النزوح واللجوء، تشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر من النازجين مما يجعلهن عرضه لفقدان الحماية القانونية والاجتماعية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية.
في كثير من الحالات تلجأ الأمهات إلى التقاضي عن حزنهن والعمل من جديد تحديا لواقعهن ليصنعن واقعا جديدا. وهن مصدر الإستقرار، ولا يجمعن فقط علائلاتهن بل هن قادرات ايضا علي تجميع مجتمعهن. لذلك يجب النظر اليها ككيان متكامل وليس كضحايا فقط.
تؤدي الحرب إلى تحول جذري في الأدوار الجندرية التقليدية “تأنيث الفقر” مع غياب الرجال بسبب القتال والإعتقالات أو الوفاة، حيث نجد المرأة هي المسؤولة الوحيدة عن إعالة الأسرة في ظل اقتصاد منهار وبنية تحتية مدمرة، والقيام بأدوار إنتاجية “العمل خارج المنزل” بالإضافة إلى أدوارها الرعائية. وتواجه في ذلك تفاوتات هيكلية تحرمها من الوصول إلى الموارد أو المساعدات بشكل عادل. هنالك دراسة الباحثة “ساندرا هاموند هيل” – واحدة من أهم الدراسات التي أجريت في تجربة النساء في “الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا” حيث ركزت علي التحول الجذري في أدوار الجنسين أثناء الثورة والتحديات التي واجهتها النساء بعد الاستقلال.
1/ النساء في مرحلة الثورة:
الثورة الإريترية كانت فريدة من نوعها في القارة الأفريقية من حيث إدماج النساء، ومن حيث المشاركة الواسعة (حوالي 30% من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا)
* تم تكسير القوالب النمطية، لم يقتصر دورهن على التمريض والطبخ … إلخ. بل عملن كمقاتلات، ومهندسات في مجالات مثل الميكانيكا، وقائدات عسكريات.
* القوانين التقليدية أصدرت الجبهة “قانون الأحوال الشخصية” الذي يمنع الزواج القسري، وينظم المهور، ويمنع ختان الإناث. مما أعطي المرأة شعورا بالتحرر الكامل والمساواة مع الرجل.
2/ النساء بعد الثورة:
ترى الدراسة إن التحرر الذي نالته المرأة أثناء الحرب كان تحررا عسكريا وتنظيميا وليس تحررا إجتماعيا وثقافيا متجذرا وظهر ذلك بوضوح بعد عام 1991
-العودة إلى التقليدية بمجرد إنتهاء الحرب، ضغط المجتمع “الدولة” أحيانا على النساء للعودة إلى الأدوار التقليدية كربات بيوت، وواجهت المقاتلات السابقات صعوبة في الإندماج.
-خيبة الأمل السياسية: تراجع تمثيل النساء في مراكز صنع القرارات العليا مقارنة بفترة النضال.
-وجدت المقاتلة نفسها بين عالمين : عالم الثورة الذي يعاملها كبطلة مساوية للرجل. وعالم المجتمع المدني الذي يراها متمردة علي التقاليد.
أهم النتائج :
المساواة الضرورية بين الجنسين أثناء الثورة كانت مدفوعة بالحاجة العسكرية (الاحتياج لكل يد تحمل السلاح) أكثر من كونه تغييرا ثقافيا شاملا.
خيانة التوقعات: شعر العديد من النساء إن تضحياتهن لم تكافأ بمكانة اجتماعية مستدامة بعد الإستقلال.
لذا : إن تجرية المرأة الإريترية تعتبر “درسا” في سوسيولوجيا الحروب حيث يثبت الإستقلال الوطني انه لا يعني بالضرورة “استقلال المرأة” ما لم يتبع التحرير العسكري ثورة ثقافية واجتماعية تغير نظرة المجتمع العميقة للجندر.
تتشابه تجربة النساء في “ناميبيا” إلى حد كبير مع التجربة الأريترية من حيث النضال العسكري المكثف، لكنها تمايزت بظروف سياسية وإجتماعية خاصة لا سيما في مواجهة نظام الأبارتهايد “الفصل العنصري” الذي كان يسيطر على أفريقيا الجنوبية.
الأدوار التحولية للنساء الناميبيات:
1/ أثناء حرب الاستقلال:
-لعبت النساء دورا محوريا ضمن صفوق الجيش الشعبي لتحرير ناميبيا (PLAN) الجناح العسكري لمنظمة “سوابو” (SWAPO).
+ المشاركة القتالية واللوجستية
+ إنضمت آلاف النساء إلى معسكرات التدريب في “أنقولا” و”زامبيا” وعملن كمقاتلات وممرضات ومسؤلات عن الإمداد والإتصالات اللاسلكية.
التعئبة السياسية داخل ناميبيا:
كانت النساء العمود الفقري للمقاومة المدنية، حيث قمن بنقل المعلومات والمؤن للمقاتلين وتنظيم الإحتجاجات ضد التجنيد الإجباري والقوانيين العنصرية.
– مجلس نساء سوابو (SWC) تأسس في المنفى عام 1969 ليكون صوتا سياسيا يطالب ليس فقط بالاستقلال الوطني بل والمساواة الجندرية داخل الحركة الثورية نفسها.
2/ بعد الحرب والإستقلال:
هنالك مكاسب تشريعية وتحديات إجتماعية:
حققت النساء الناميبيات قفزات قانونية ملموسة بعد الاستقلال لكن الواقع الاجتماعي ظل معقدا.
أبرز الإنجازات:
-التمثيل السياسي:
تعد ناميبيا اليوم من الدول الرائدة أفريقيا وعالميا في تمثيل النساء بالبرلمان (نظام الكوتا) حيث تتبني “سوابو” سياسة “الزيبرا”: رجل – إمراة، بالتناوب في القوائم.
+ الدستور والتشريع:
نص دستور عام 1995 صراحة علي المساواة بين الجنسين.
-المناصب القيادية: وصلت النساء إلى مناصب عليا في الدولة مثل رئاسة الوزراء والوزارات السيادية، وهو ما عكس إعتراف الدولة بالدور النضالي السابق.
يمكن تلخيص إن النساء الناميبيات لم يسعن لمواجهة الرجل بقدر ما سعين لبناء الأسرة المنهارة بعد الحرب، وهو ما يتوافق مع رؤية Africana Womanism – “النسائية الأفريقية” في تقديم مصلحة المجتمع والأسرة كإطار لتحرير النساء.
السودان كنموذج:
لقد ألقت الحرب المستمرة في السودان بظلال قاسية ومعقدة على النساء، حيث تحولت أجسادهن وحياتهن إلى ساحة مواجهة حقيقية مما أدى إلى نشأة حركات نسوية سودانية في خمسينات القرن الماضي، ولم تنشأ بمعزل عن الصرعات السياسية الكبرى في البلاد فقد إرتبطت تاريخيأ بقطبين أساسين:
(أ) اليسار السوداني “الحزب الشيوعي” – الذي أسس الإتحاد النسائي السوداني، وفي تلك الفترة لم يحقق سوى (حق التصويت، والأجر المتساوي) كما ظل يرتبط بالوسط السوداني ونخب المركز والأجندة السياسية للحزب.
(ب) الإسلام السياسي “الجبهة الإسلامية” – تم إستخدام الحركة الإسلامية للتنظيمات النسائية لتعزيز مشروعها “الحضاري”. إن الإسلاميين قدموا نموذجا للمرأة العصرية المتدينة كبديل للنموذج الغربي أو اليساري.
في كلا القطبين كانت أغلب القيادات النسوية من نساء الطبقة الوسطى والمتعلمات في الحضر “الخرطوم”.
هذه التركيبة أدت إلى المزيد من التهميش لقضايا النساء في الأقاليم والنازحات والمنتميات لطبقات إجتماعية واقتصادية أدني مما خلق فجوة بين الأجندة النسوية وإحتياجات النساء في الأقاليم.
وتم إستخدام النوع الإجتماعي كأداة سياسية من قبل الدولة. وتم إستخدام (التوب السوداني) كرمز للهوية الوطنية تارة، والإحتشام الديني تارة أخري.
وفي تقسيم العمل ركزت “النسوية السودانية” على أدوار النساء الاقتصادية بما يخدم توجهات النظام الحاكم سواء في فترات الإشتراكية أو التحول نحو تمكين الإسلاميين وأصبحت المرأة السودانية هي مرآة للصراع على هوية الدولة السودانية.
إلى أن جاءت إتفاقية السلام الشامل السودانية الموقعة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان كنقطة تحول تاريخية في السياسة السودانية، وعلي الرغم من تركيزها الأساسي علي تقاسم السلطة، والثروة والترتيبات الأمنية، إلا إن قضايا النساء كانت حاضرة كجزء من التحول الديمقراطي المنشود.
+ دور ومكانة قضايا النساء في الإتفاقية تم تضمينها في عدة مستويات:
1/ الحقوق الدستورية والمواطنة:
نصت الاتفاقية والدستور الانتقالي لعام 2005 المنبثق عنها على إن الرجال والنساء متساوين في الحقوق والواجبات، ولأول مرة تم الإعتراف الصريح بحقوق المرأة في المواطنة الكاملة وحقها في نقل الجنسية لأبنائها.
2/ نظام “الكوتا” – التمثيل السياسي:
من أهم ثمار الإتفاقية والعملية الديمقراطية التي تلتها هو إقرار نظام التمييز الإيجابي “الكوتا” حيث نص قانون الإنتخابات لعام 2005 على تخصيص نسبة 25% من مقاعد البرلمان للنساء مما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في تمثيل المرأة في المجالس التشريعية القومية والولائية، وكان الفضل في ذلك يرجع للحركة الشعبية لتحرير السودان.
أهم التحديات:
رغم المكاسب النظرية، فقد واجه تطبيق ذلك ومعالجة قضايا النساء في الاتفاقية تحديات كثيرة.
=ظلت بعض القوانين الوطنية “مثل قانون الأحوال الشخصية” متعارضة مع روح وثيقة الحقوق في الإتفاقية.
-كان التركيز على الترتيبات العسكرية وتقاسم السلطة بين النخب السياسية “الزكورية غالبا” مما أدى إلى تهميش القضايا الاجتماعية و الحقوقية المرتبطة بالنساء.
-“الكوتا” حققت تمثيلا عدديا ولكنها لم تضمن دائما وصول نساء يمثلن الأجندة النسوية الحقيقية بسبب هيمنة الأحزاب السياسية على إختيار المرشحات.
-تهميش وإقصاء النساء بحجة الكفاءة.
# من أهم نتائج إتفاقية السلام الشامل السودانية، إنها فتحت بابا دستوريا وقانونيا هاما للإعتراف بحقوق النساء في السودان، وأرست مبدأ “الكوتا” الذي أصبح لاحقا مطلبا أساسيا في كافة العمليات السياسية.
لقد وصلت نسبة تمثيل النساء اليوم إلى 40% “كوتا” مخصصة للنساء في دستور السودان التأسسي لعام 2025.
مقدمة الورقة/
رانيا علي جبارة بلال
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.