المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (8 – 12)

✍️🏽 متوكل عثمان سلامات

 

 

مرحلة ما بعد خروج المستعمر:

سنواصل في مرحلة ما بعد خروج المستعمر، وبعد ما أوردناه من خلفية تاريخية للمجتمع المدني السوداني وعلاقته بالعبودية والرق في المقالين السابقين. ورث السودان، كغيره من دول إفريقيا، دولة حديثة على الورق، لكنها مشوّهة في بنيتها ومهمتها. فالدولة الإستعمارية التي أنشأها الإحتلال الإنجليزي المصري 1898م – 1956م كانت جهازاً وظيفياً لإدارة الموارد (عبيد وذهب) وإستغلالها، لا لبناء مجتمع متماسك. وقد إعتمدت سياسة فرق تسد بتكريس الإنقسامات بين الشمال والجنوب، والمدن والأرياف، والعرب والأفارقة، والمسلمين والمسيحيين، وقوننت التمايزات الإثنية والدينية والقانونية عبر ثنائيات المواطن والرعية، الإسلام والقانون العرفي، الإدارة المباشرة وغير المباشرة.

ومع خروج المستعمر، لم يُلغَ هذا النموذج، بل جرى توريثه إلى النخبة الوطنية، التي تبنّت جهاز الدولة الإستعماري دون مسآءلة بنيته الرمزية أو سلطته المعرفية. هكذا، أصبح الإستقلال السياسي غطاءً لإستمرارية بنية قمعية وإقصائية تتكئ على المركز وتُقصي الهامش.

الإسلاموعروبية كإطار هيمنة ثقافية على الفضاء المدني:

منذ خروج المستعمر، هيمنت الإسلاموعروبية على خطاب الدولة والمجتمع المدني، وتمثل ذلك في فرض هوية دينية وعرقية أحادية على مجتمع تعددي إثني وثقافي. لم تُبنَ المواطنة على التعدد، بل على نموذج ثقافي مفروض يرى العربي المسلم كمعيار للإنتماء القومي، رغم الإختلاف حتى على طبيعة المسلم. وقد أدى هذا إلى الآتي:

تشويه المجال المدني، عبر إحتكار الفضاء الثقافي العام.

إقصاء الثقافات والهويات الأخرى من التمثيل والمشاركة.

تديين المجال المدني عبر الأسلمة القسرية للتعليم والتشريع والنشاط المدني.

تحوّلت الدولة السودانية إلى دولة قومية شمولية مغلقة، تنفي إمكانية المجتمع المدني التعددي، وتنتج بدلاً عنه فضاءً أهلياً طائفياً أو سلطوياً اونخبوياً جهوياً او عرقياً.

ثانياً: الدولة السودانية؛ الهيمنة والتفكيك والتدجين:

الدولة الشمولية وتفكيك التنظيمات المدنية:

شهد السودان، بعد خروج المستعمر، أعنف عملية تفكيك للتنظيمات المدنية رغم إختلالها:

حُلّت النقابات، وتمّت إعادة تشكيلها عبر الاتحادات المنشأة، المرتبطة بالأنظمة الحاكمة.

جرى تقييد نشاط الأحزاب السياسية، ومحاصرة الجمعيات المستقلة.

سنّت قوانين تقييدية صارمة مثل قانون أمن الدولة او قانون الأمن الوطني، وقانون العمل الطوعي، كبنية قانونية لضبط المجال المدني.

بفعل ذلك، تم تفريغ المجتمع المدني من مضمونه التعددي والنقدي، وتحويله إلى أداة من أدوات الدولة، إما عبر الإحتواء، أو بالإحلال بواجهات شكلية.

سياسات التمكين:

إعتمدت أنظمة الحكم في السودان، سياسة التمكين لتأسيس مجتمع مدني بديل، مشكَّل من منظمات موالية، مثل:

منظمات دعوية أو إغاثية ذات أجندة دينية.

إتحادات مهنية صورية.

شبكات مدنية تتلقى تمويلاً حكومياً مقابل الولاء السياسي.

وهكذا نشأ ما يمكن تسميته مجتمع مدني وظيفي، لا يسعى للمسآءلة أو التمثيل، بل يعمل كذراع إجتماعي لنظام سلطوي إقصائي.

ثالثاً: المجتمع الأهلي مقابل المدني؛ الولاءات والغياب البنيوي للمواطنة:

في ظل غياب الدولة الديمقراطية، وإنعدام الهوية الوطنية الجامعة، تشكّلت بنية المجتمع السوداني على أساس:

الولاءات القبلية والطائفية مثل الختمية، والأنصار، والإدارات الأهلية والروابط وغيرها.

الإنتماء الديني أو الجهوي، كمرجعية للحراك والتعبئة.

وقد أدى ذلك إلى طغيان المجتمع الأهلي على المجتمع المدني. فالعلاقات داخل المجتمع لم تُبنَ على المواطنة والحقوق، بل على الإنتماء والرعاية، ما أفرز الآتي:

مجتمعاً زبائنياً Clientelist Society .

إنعدام التمايز بين العام والخاص.

تحويل المواطن إلى رعية تنتظر الإحسان لا تمارس الحق.

وهكذا، ظل المجتمع السوداني في أريافه كما في مدنه منغلقاً على البنية التقليدية للولاء، وعاجزاً عن إنتاج فضاء مدني عقلاني مستقل عن القبيلة/العرق والجهة والدين والسلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.