المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (7 – 12)

✍️🏽 متوكل عثمان سلامات

 

الآثار المستمرة للعبودية وتجارة الرقيق على المجتمع المدني المعاصر:

إرث العبودية في السودان هو بنية متجذرة بعمق ولا تزال آثاره على التنظيم المجتمعي السوداني السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي بطرق عميقة ومستمرة، وتتمثل في الآتي:

الآثار الإجتماعية والثقافية:

التفاوت والتمييز الإجتماعي: لا تزال النظرة الإجتماعية في مناطق السودان المختلفة، خاصة في الوسط والشمال النيلي، تحمل رواسب الماضي بفضل توجه الدولة التي سيطروا عليها، مما خلق تمييز قائم على أساس وهم النسب – عبد مقابل حر، منذ ما قبل خروج المستعمر إلى اليوم حيث ساهم بشكل كبير، والذي أدى بدوره إلى نشر وتعميق التمييز والعنصرية والعنصرية المضاد وخطاب الكراهية بشكل طبيعي وعضوي في جسد المجتمع المدني السوداني المختل، ويمارس رسمياً من الأشخاص والمجتمعات التي تدعي الحضارة والمدنية ومن كل مؤسسات الدولة ورأسها، وكما تجده يطفو على السطح في النزاعات حول الأرض والزواج والميراث وغير ذلك. وهذا هو سبب إنعدام وتشويه فكرة المواطنة المتساوية التي هي أساس أي مجتمع مدني حديث.

خلق تاريخ الإستعباد والغارات إنقسامات عميقة بين المجموعات التي كانت مصدراً للرق بعد إنتقال الشماليين لسماسرة ومرشدين للمستعمر ومن ثم تجار للرقيق في إتجاهات السودان المختلفة حتى المجموعات الضعيفة من الشمال نفسه. هذه الإنقسامات هي أحد الجذور الرئيسية لأزمات الهوية والحروب في السودان مثل حروب الفونج ودارفور وجنوب كردفان/ جبال النوبة وشرق السودان وإحتجاجات الشمال الأقصى.

كما لا يزال أحفاد المستعبَدين وفقاً لتصنيف المجموعات المسيطرة، في بعض المجتمعات التقليدية حتى داخل مجتمعات الوسط والشمال النيلي، يعانون من وصم إجتماعي يحد من فرصهم في الزواج من العبيد الذين أرّخوا لأنفسهم بأنهم أحرار، ويقيد مشاركتهم الكاملة في الحياة المجتمعية وقدرتهم على تولي مناصب قيادية في هذه المجتمعات المحلية، او حتى في الدولة إلا إنتقالياً وعلى أساس تضليلي.

الآثار الإقتصادية:

التخلف الهيكلي: إستنزفت تجارة الرقيق من خلال نهب أهم مورد وهو الموارد البشرية، مما أدى هذا إلى إعاقة التراكم الرأسمالي المحلي وتطوير قوى إنتاجية حقيقية وبشكل طبيعي، وترك مناطق كاملة مثل جنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان/ جبال النوبة والفونج في حالة تخلف هيكلي مقارنة بالمركز، والعبيد الشماليين الذين تحولوا إلى (معرصين) للمستعمر وسماسرة وتجار في هذه التجارة المربحة مالياً والمرقية وظيفياً وسياسياً، وهي عملية مستمرة حتى اليوم مع تحول (المعرصين) السابقين إلى (مستعمرين جدد) وإنتاجه لـ(معرصين جدد) يحلون محله ويقومون بنفس دوره في السابق، تحت مبررات ودواعي كثيرة الغرض منها تغبش وعي ورؤية الشعوب المضطهدة للحقيقة مثل الوطنية، والإسلام في خطر، والعرق واللون وغيرها.

ورث السودان إقتصاداً ريعياً قائماً على الإستخراج والنهب (عبيد، موارد طبيعية) بدلاً من الإنتاج والتصنيع. هذا النمط الإقتصادي لا يزال مستمراً في العلاقة بين المركز والأقاليم، حيث تُستخرج الموارد (نفط، ذهب) دون تنمية حقيقية للمناطق التي تأتي منها، مما يغذي دوامة الصراع.

الآثار السياسية:

قامت العديد من الأنظمة السياسية في السودان الحديث على تحالفات مع نخب تقليدية من مناطق معينة، مستخدمة خطاباً إسلاموعروبياً يستبعد بشكل ضمني أو صريح الآخرين، مما أضعف بل أعدم مفهوم الدولة والمواطنة، الأمر الذي حال دون قيام عقد إجتماعي حديث شامل يقوم على الحرية والعدالة والمساواة.

كما إنقسم المجتمع المدني الحديث في السودان والمتمثل في الأحزاب، النقابات، منظمات المجتمع المدني، على أسس نخبوية وعرقية وإقليمية كإنعكاس للإنقسامات التاريخية التي خلقتها العبودية، مما صعب من عملية بناء تحالفات أفقية قائمة على المصالح الوطنية السودانوية البحتة بسبب ثقل هذه الإنقسامات والإرث.

إستمرار أشكال الإستغلال الحديثة:

يمكن النظر إلى بعض الممارسات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية الحالية كالعمل غير المأجور للأطفال والنساء في المنازل، أو إستغلال المزارعين كعمال في المشاريع الكبيرة التي نزعتها الدولة منهم وملكتها للنخب، او إستخدام أبناء الهامش كحراس يموتون من أجل أن يستمر المستعمر الجديد في نهب مواردهم في الأقاليم ومن أجل أن يستمر في الحكم كشكل مستحدث من الإستغلال، له جذوره في العلاقات الإجتماعية والإقتصادية غير المتكافئة التي تم وراثتها بسبب العبودية والرق.

وهنا قد يتسآءل إنسان الهامش البسيط والمضطهد، هل ما يقوم به الفريق أول/ شمس الدين كباشي، ووزير الدفاع/ حسن كبرون، والجنرال/ مني أركو مناوي، والدكتور/ جبريل إبراهيم، والفريق/ مالك عقار اير والفريق/ إبراهيم جابروآخرون، من أجل الحصول على ترقيات عسكرية او سياسية او حقائب وزارية او إمتيازات مالية شخصية، في الوقت الذي تبقى أقاليمهم بدون تنمية وتظل شعوبهم التي يستنفرونها للموت من أجل حراسة المستعمر الجديد، فقيرة ومضطهدة ويجرف ذات الحكومة منازلها، أليس هذا إعادة إنتاج لـ(معرصين جدد) وسماسرة وتجار رقيق جدد يبيعون أهلهم بأسلوب جديد في سوق هذه التجارة المربحة مالياً والمرقية وظيفياً وسياسياً؟

العبودية كانت ومازالت عملية مركزية في الدولة السودانية وشكلت علاقاته الإجتماعية وهياكله الإقتصادية وتكوينه السياسي، وبالتالي أي تحليل لهذا المسخ المسمى بالمجتمع المدني السوداني التقليدي أو الحديث، يغفل هذا الإرث الثقيّل سيكون في تقديرنا تحليلاً قاصراً.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي للمجتمع المدني السوداني المعاصر، الذي ينادي به مشروع السودان الجديد، هو معالجة لهذا الإرث المشوه بشكل جذري وصريح. وهذا يتطلب إعترافات وإتجاه صادق لكشف هذه الإختلالات، ووضع سياسات لمعالجة هذه الآثار، وقوانيين تجرم الأفعال والأقوال المرتبطة بهذه الممارسة؛ مع ضرورة المحاسبة التاريخية، وخلق خطاباً جديداً عن طبيعة الدولة والهوية والمواطنة، وإعادة التوزيع العادل للسلطة والثروة، لكي يتحول المجتمع المدني من كونه نادياً للمستوهمين بالسيادة على الآخرين إلى فضاء عام حقيقي للتحرر وللجميع المتنوع والمتعدد، وهذا جوهر ما تسعى إلى تحقيقه حكومة السلام الإنتقالية التأسيسية كهدف إستراتيجي ضمن أهداف أخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.