
المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية. (5 – 12)
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات.
المجتمع المدني في إفريقيا – سياقات ما بعد الإستعمار
نواصل في الجزء الخاص بالمجتمع المدني في إفريقيا – سياقات ما بعد الإستعمار، وسنتناول ما تبقى من المقال الفائت. ويشمل فشل تأسيس مجتمع مدني شامل بسبب إحتكار الهوية وإنعدام العدالة والمواطنة المتساوية. والواقع القبلي والديني وتأثيره على الفضاء المدني بالإجابة على السؤال الجوهري، كيف تعيق البنى التقليدية تكوين مجال مدني عقلاني. ومفهوم (المدني) في السياق الإفريقي من حيث محاولة مواءمة المفهوم الغربي مع البيئة الثقافية المحلية. وعلاقة الدولة الإفريقية بالمجتمع المدني من حيث القمع والإحتواء والتوظيف الوظيفي للمنظمات المدنية. ومن ثم ندلف إلى إستعراض نماذج مثل جنوب إفريقيا، كينيا، ونيجيريا.
رابعاً: فشل تأسيس مجتمع مدني شامل بسبب إحتكار الهوية:
في معظم الدول الإفريقية، ظلت الهوية القومية مشروعاً قسرياً تفرضه الدولة المركزية، بدلاً من كونه نتاجاً لتوافق مجتمعي. هذا الإحتكار للهوية الدينية، والإثنية، واللغوية، او الثقافية أدى إلى فشل المجتمع المدني في أن يكون فضاء جامعاً، لأن شروط الإنتماء إليه ظلت مشروطة بمنطق الإقصاء الثقافي واللوني او النوعي او الجغرافي.
وقد لعبت القبيلة والعرق والدين دوراً مزدوجاً في هذا السياق؛ فمن جهة، وفّرت تلك الهويات التقليدية أشكالاً من التضامن الأهلي، لكنها من جهة أخرى أعاقت تشكيل مجال مدني عقلاني تعددي يقوم على المواطنة المتساوية.
خامساً: الواقع القبلي والديني وتأثيره على الفضاء المدني:
يمثل البناء القبلي والديني في إفريقيا تحدياً جوهرياً أمام تشكيل مجتمع مدني مستقل. ففي الكثير من الحالات، تُختزل العلاقات المدنية في علاقات أولية قائمة على القرابة أو الإنتماء الديني، مما يحوّل المنظمات المدنية إلى إمتداد للبنى التقليدية، لا مجالاً للمسآءلة والتعدد والتنوع والتمثيل غير التضليلي.
كما أن الدولة نفسها، في كثير من الأحيان، توظف القبيلة اوالدين لأغراض سياسية؛ تخلق مجتمعات أهلية موازية للمجتمع المدني، وتدعم شيوخ القبائل أو قادة الطوائف كممثلين سياسيين غير منتخبين، مما يؤدي إلى إنسداد المجال المدني العقلاني وتضييق فرص التعبير الحر.
سادساً: مفهوم (المدنية) في السياق الإفريقي:
لا يقتصر التحدي على تأسيس المجتمع المدني، بل يشمل أيضاً مفهوم (المدنية/ المدني) ذاته. فبينما يُفهم في الغرب بوصفه نقيضاً للعسكري والديني والتقليدي، فإن في السياقات الإفريقية، لا تزال (المدنية) مرتبطة بالمدينة، بالنخبة، بالحداثة الأوروبية، كما إرتبط بإستهبال النخب المركزية الراغبة في الإبقاء على الموروث الإستعماري الذي يمثل مصالحها ولا يمثل مصالح الشعوب الإفريقية. ولذلك، يبقى المفهوم غريباً ومشوهاً، يحدث لبس وتشويش مستمرعلى إنسان الهامش في إفريقيا، كما أن سلوك الريفي المتمدن المستعلي على أهله في الريف الإفريقي، وإستغلال النخب المشار إليها لمفهوم المدنية للإبقاء على بنية الدولة القبلية او الدينية أو الإسلاموعروبية (كما في السودان بعد ثورة ديسمبر) مرفوض وبل شكل تصور عدائي للمدنية، فتسمع مثلاً بعض همسات الأجداد والجدات في الريف السوداني على هؤلاء المستعليين من أبنائهم او أحفادهم المصابون بلوث المدنية (ده جنى بتاع فلفسة ساكت) ويظل المفهوم حمال أوجه وغريباً على الشعوب المهمّشة في كثير من المجتمعات الإفريقية، لذا تلاحظ أن الشعوب الإفريقية تفضل دائماً أن تنص دساتيرها التأسيسية، ما بعد خروج المستعمر، أو ما بعد النخب التي لها مصلحة في بقاء البنى الإستعمارية على طبيعة دولة علمانية تفصل الدين عن الدولة، كما تفصل الهويات الثقافية والعرقية والجهوية عن الدولة، وتكون المواطنة المتساوية هي الأساس للحقوق والواجبات. كشرط ضروري لبناء مجتمع مدني متعدد ومتنوع ثقافياً وعرقياً، وهذا ما لا تتحمس إليه بعض الدول الإفريقية المستبدة.
قد حاولت بعض التجارب مواءمة المفهوم الغربي مع البيئة المحلية، عبر إدماج القيم الإفريقية التقليدية في بنية المجتمع المدني، مثل مبادئ Ubuntu في جنوب إفريقيا المعروف بالتضامن الإنساني المشترك، أو قيم أوجاما في تنزانيا. لكن هذه المحاولات بقيت محدودة، نظراً لهيمنة المؤسسات المانحة، والأفكار الدينية والعرقية العنصرية الخفية والمعلنة للأسف على الخطاب المدني المعاصر.
سابعاً: علاقة الدولة الإفريقية بالمجتمع المدني:
تتميز علاقة الدولة الإفريقية بالمجتمع المدني بطابع مزدوج؛ فهي علاقة قمع وإحتواء، لكنها أيضاً علاقة توظيف وظيفي. ففي أنظمة الحزب الواحد أو الحكم العسكري، يُنظر إلى المجتمع المدني كخطر يجب تدجينه وإحتوائه، لذا يتم توظيفها سياسياَ، او أمنياً، او إقتصادياً، او ثقافياً/ أيديولوجياً. بينما في الأنظمة النيوليبرالية، يُستعمل المجتمع المدني كأداة لتقديم الخدمات نيابة عن الدولة المنسحبة.
ثامناً: نماذج لدول إفريقية مختارة:
جنوب إفريقيا: قدّمت نموذجاً متقدّماً لإندماج المجتمع المدني في عملية الإنتقال الديمقراطي، خاصة عبر دور النقابات وحركات الحقوق المدنية في مقاومة الأبارتيد. غير أن الفضاء المدني بعد 1994م بدأ يفقد زخمه بفعل التحالفات السياسية والبيروقراطية.
كينيا: شهدت توتراً بين الدولة والمجتمع المدني، خاصة خلال فترات القمع السياسي، لكنها طورت تجربة قوية لمنظمات المجتمع المدني، خاصة في مجالات حقوق الإنسان والبيئة، تستطيع الشعوب الإفريقية أن تستفيد منها.
نيجيريا: يمثل نموذجاً لتضارب الهويات (الدين، العرق، الجغرافيا) وتأثيرها على المجتمع المدني، حيث تتداخل المصالح السياسية والطائفية في تشكّل الحركات، مما يعقد إنتاج مجتمع مدني موحد.
تكشف التجربة الإفريقية أن فشل تشكّل المجتمع المدني لا يعود فقط إلى ضعف المؤسسات، بل إلى عطب بنيوي في الدولة ما بعد الإستعمار، وفي فهم الهوية والمواطنة والعلاقات الإجتماعية للشعوب الإفريقية. إن تجاوز هذا الفشل يتطلب تأسيس المجتمع المدني إنطلاقاً من الواقع الثقافي والتعددي المحلي، وليس وفق النماذج الغربية الجاهزة، وتحرير الفضاء العام من القبضة المركزية الإثنية او الدينية ومن منطق الهيمنة الذي تنتهجه الدولة ما بعد الكولونيالية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.