المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (4 – 12)

✍️🏽 متوكل عثمان سلامات

 

 

المجتمع المدني في إفريقيا – سياقات ما بعد الإستعمار

سنتناول في هذا الجزء من المقالات نشأة مجتمع ما بعد التحرر في إفريقيا؛ والحركات المناهضة للإستعمار وكيف تعاملت مع المجتمع المدني، والدولة كأداة تحكم ما بعد كولونيالية، وتحليل محمود ممداني (المواطن والرعية): إزدواجية القانون والتقسيم العرقي للسلطة. وتحليل أنتا ديوب وفانون ولومبا ونيريري وغيرهم من رواد حركة عموم إفريقيا، فشل تأسيس مجتمع مدني شامل بسبب إحتكار الهوية وإنعدام العدالة. والواقع القبلي والديني وتأثيره على الفضاء المدني – كيف يعيق البناء التقليدي تكوين مجال مدني عقلاني. ومفهوم “المدني” في السياق الإفريقي – محاولة مواءمة المفهوم الغربي مع البيئة الثقافية المحلية. وعلاقة الدولة الإفريقية بالمجتمع المدني – القمع والإحتواء والتوظيف الوظيفي للمنظمات المدنية. وتحليل نماذج مثل جنوب إفريقيا، كينيا، ونيجيريا.

أولاً: نشأة مجتمع ما بعد التحرر في إفريقيا:

 

لقد مثّل إستقلال الدول الإفريقية او خروج المستعمر منها منتصف القرن العشرين لحظة تحوّل حاسمة، إذ خرجت شعوب القارة من ربقة الإستعمار الرسمي لتدخل مرحلة الدولة الوطنية. إلا أن ما أعقب ذلك من تأسيس أنظمة سياسية لم يكن دوماً قطعاً مع البنية الكولونيالية، بل كثيراً ما كانت تلك الدولة الجديدة إعادة إنتاج للإستعمار بأدوات وطنية.

 

لم تكن الحركات المناهضة للإستعمار، مثل حركة نيريري في تنزانيا، أو جبهة التحرير في الجزائر، أو الكونغرس الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، تملك دائماً تصوراً متكاملاً لمفهوم “المجتمع المدني”، بل إنحصر تركيزها في التحرر من الدولة الإستعمارية كجهاز قمعي، دون أن تستبطن بالضرورة أشكالاً بديلة لتنظيم المجتمع على أساس طوعي عادل، ومتنوع ومتعدد، ومواطنة متساوية.

أدى هذا القصور إلى أن تتحول الدولة ما بعد الإستعمار إلى أداة إحتواء وتحكم، إذ إحتكرت المجال العام، وإعتبرت المجتمع المدني مجرد إمتداد سياسي لها، لا حقلاً او مجالاً مستقلاً للفاعلية الإجتماعية.

 

وقد إستُبدلت البيروقراطية الإستعمارية ببيروقراطية محلية، لكنها ورثت منطق السلطة التراتبي نفسه، وإستمرت في تسليع المواطنين، والتعامل معهم كرعايا لا كأصحاب حقوق.

 

ثانياً: تحليل محمود ممداني – المواطن والرعية:

 

يقدّم المفكر محمود ممداني أحد أكثر التحليلات عمقاً لبنية السلطة في إفريقيا ما بعد الإستعمار، خاصة في كتابه المرجعي “المواطن والرعية”، حيث يميز بين نوعين من السلطة القانونية والإجتماعية:

 

“المواطن” في الحواضر والمدن، يخضع لقانون حديث (قانون وضعي)، ويشارك نظرياً في السياسة عبر التمثيل؛

بينما “الرعية” في الريف والمجتمعات التقليدية، يُحكم عبر القانون العرفي، وتُدير شؤونه “السلطات/ الإدارة الأهلية” التي عيّنها المستعمر (خارجي وداخلي) في الأصل.

 

يرى ممداني أن هذا التقسيم القانوني بين القانون المدني والقانون العرفي هو إستمرار مباشر للسياسات الكولونيالية، ويُنتج إزدواجية في الإنتماء السياسي والحقوقي، ويعيق تشكّل مجتمع مدني جامع، إذ يتم تفكيك المجتمع إلى وحدات إثنية وإقليمية ودينية، لا يجمعها فضاء مدني مشترك.

وقد ساهم هذا النموذج في ترسيخ إحتكار الهوية القومية من قبل النخب المركزية، بينما ظلت الهويات الأخرى إما مهمشة أو موظفة كأدوات في صراعات السلطة. وهكذا، فشل مشروع بناء مجتمع مدني إفريقي شامل، لأن الدولة نفسها لم تكن دولة مواطنة، بل دولة تسييد إثني وثقافي وديني.

 

ثالثاً: تحليلات فانون، وأنتا ديوب، ولومبا، ونيريري:

في إطار نقد بنية الدولة ما بعد الكولونيالية، برز عدد من المفكرين الأفارقة الذين سعوا لإعادة النظر في العلاقة بين الثقافة، والدولة، والمجتمع، ومن بين هؤلاء:

 

فرانز فانون: الذي إنتقد الطبقة البرجوازية المحلية بوصفها “وكيلاً محلياً للاستعمار”، وإعتبر أن الدولة ما بعد الإستعمار أعادت إنتاج منطق السيطرة بدلاً من تفكيكه، محذراً من إختزال الإستقلال في تبديل الأعلام واللغات دون تغيير البنية العميقة.

 

شيخ أنتا ديوب: دعا إلى إعادة تأصيل الهوية الإفريقية، وفك الإرتباط المعرفي مع المركز الأوروبي، ما يعني أيضاً تجذير المجتمع المدني في القيم المحلية والمشاعية القبلية/ الجماعية.

 

باتريس لومومبا: كان يرى أن الإستقلال لا بد أن يُترجم إلى سيادة ثقافية وإقتصادية، لا مجرد سيطرة سياسية شكلية.

 

جوليوس نيريري: قدّم تجربة (الاشتراكية الإفريقية) عبر مفهوم القرية الإشتراكية (أوجاما)، حيث يقوم المجتمع على التضامن والتعاون الطوعي لا على التراتب السلطوي.

نلاحظ أن كل هذه الرؤى الإفريقية تشترك في إعتبار أن الإستقلال السياسي لا يكفي، بل يجب أن يُصاحبه تحرير ثقافي وإجتماعي، وإقتصادي يُمكّن من بناء مجتمع مدني أصيل، قادر على إحتضان التعدد وتفكيك الهيمنة المركزية النخبوية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.