
المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية. (2-12)
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات
الجذور النظرية والبنيوية لمفهوم المجتمع المدني
أولاً: النشأة الفكرية للمفهوم:
يُعدّ مفهوم المجتمع المدني من أكثر المفاهيم إشكالية وتعدداً في التفسير، نظراً لتعدد السياقات التاريخية والثقافية التي نشأ فيها وتطور عبرها. وقد إرتبط تاريخياً بتحولات كبرى شهدتها المجتمعات الأوروبية، مثل تشكل الدولة القومية، وصعود البرجوازية، وبروز التصورات الحديثة عن الفرد، والعقد الإجتماعي، والحرية، مما جعله نتاجاً لنمط معين من الحداثة.
هوبز ولوك وروسو: من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني:
لقد إرتكز مفهوم المجتمع المدني في بداياته على ما يُعرف بفلاسفة العقد الإجتماعي، حيث سعى كل من توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إلى تقديم تأصيل نظري لحالة الإنتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المنظم.
توماس هوبز رأى أن حالة الطبيعة هي حالة فوضى وصراع دائم، شعارها (حرب الجميع ضد الجميع)، او حرب الكل ضد الكل كما يحلو لبعض أن يسميه، ولذلك لا بد من تنازل الأفراد عن حرياتهم لصالح سلطة عليا تحفظ النظام أي الدولة.
جون لوك قدّم تصوراً أقل تشاؤماً، مؤكداً على وجود حقوق طبيعية مثل الحياة، الحرية، الملكية، لا يجوز للدولة أن تنتهكها، مما جعل المجتمع المدني عنده ميداناً للحفاظ على الحقوق.
جان جاك روسو، من جهته، نظر إلى العقد الإجتماعي بإعتباره تأسيساً لإرادة عامة تحكم الجميع، لكن مع نزعة أكثر راديكالية حول مساواة المواطنين ورفض التفاوت الطبقي.
رغم إختلافاتهم، فقد إشترك هؤلاء المفكرون في تصورهم للمجتمع المدني بوصفه فضاء منظّماً تعاقدياً نشأ لتحل محل الفوضى أو الغريزة، وجعلوا من الدولة كيانًاً ملازماً له، إما كضامن للحقوق أو كقوة تنظيمية.
هيجل، المجتمع المدني كوسيط بين العائلة والدولة:
أما هيجل، فقد قدّم تصوراً بنيوياً جديداً، حيث أعتبر أن المجتمع المدني يشكل مرحلة وسيطة بين العائلة بوصفها وحدة أخلاقية قائمة على التضامن والدولة بوصفها التعبير الأعلى عن العقل. عند هيجل، يمثل المجتمع المدني مجال السوق، المصالح الفردية، والتنافس الإقتصادي. وعلى عكس فلاسفة العقد الذين رأوا فيه حاملاً للحرية، أعتبره هيجل مجالاً للإغتراب والإنقسام الطبقي، لا يكتمل إلا حين يتجاوزه الأفراد نحو الدولة العقلانية.
إلا أن إسهامه الجوهري يكمن في تمييزه بين المجتمع المدني والدولة، وهو ما مهّد لاحقاً لنقد الدولة من موقع المجتمع المدني نفسه، كما ظهر في فكر غرامشي وهابرماس.
ماركس، المجتمع المدني كأداة لهيمنة البرجوازية:
واصل كارل ماركس تفكيك المفهوم من خلال ربطه بالبنية الإقتصادية للرأسمالية. رأى أن المجتمع المدني كما تشكّل في أوروبا الحديثة ليس سوى تجلٍ للعلاقات الطبقية البرجوازية، وأنه يعكس مصالح الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج، ويشرعن لهيمنتها عبر علاقات السوق والملكية الخاصة.
في (نقد فلسفة الحق عند هيجل)، ميّز ماركس بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، مشدداً على أن المجتمع المدني هو حقل العلاقات الإقتصادية الفردية، حيث يتم إستنساخ النظام الطبقي. وعلى هذا النحو، لا يُعد المجتمع المدني مجالاً للحرية بقدر ما هو مجال لإخفاء الإستغلال وإعادة إنتاجه.
ثانياً: المفكرون الجدد وإعادة تعريف المجتمع المدني:
غرامشي: الهيمنة الثقافية والمجتمع المدني كحقل مقاومة:
شكّل المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي نقطة تحول جذرية في مفهوم المجتمع المدني. ففي (كراسات السجن)، أعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني عبر مفهوم الهيمنة (hegemony)، حيث لا تتجلى السلطة فقط بالقوة، بل بالثقافة والإقناع. رأى غرامشي أن المجتمع المدني بمدارسه، كنائسه، صحفه، أحزابه، نقاباته، هو الحقل الذي تُبنى فيه الهيمنة الطبقية، لكنّه أيضاً حقل المقاومة.
إقترح غرامشي مفهوم (المثقف العضوي) كفاعل في هذا المجال، يسهم في تشكيل الوعي الجماهيري وبناء مشروع سياسي مضاد للهيمنة البرجوازية. وبذلك، إنتقل مفهوم المجتمع المدني من كونه فضاءً سالباً للعلاقات الإقتصادية إلى فضاء ثقافي رمزي للصراع والتحوّل.
هابرماس: الفضاء العمومي والرأي العام العقلاني:
أما يورغن هابرماس، فقد بنى تحليله للمجتمع المدني على مفهوم الفضاء العمومي (public sphere)، أي مجال التواصل غير الرسمي الذي ينشأ خارج الدولة والسوق، ويتيح للأفراد مناقشة الشؤون العامة عبر الحجة والمنطق. المجتمع المدني عنده يتجسد في جمعيات، منظمات، حركات، وإعلام مستقل، يمثل وسيطاً بين الأفراد والنظام السياسي.
غير أن هابرماس رغم رصانته لم ينجُ من النقد، خصوصاً فيما يتعلق بإغفاله للهيمنة الثقافية والتمييز البنيوي. فقد رأى الفضاء العمومي بإعتباره محايداً وعقلانياً، في حين أظهر الواقع خاصة في دول الجنوب العالمي أن هذا الفضاء ذاته يُعاد إنتاجه تحت شروط الهيمنة الطبقية اوالثقافية او غيرهما.
بولانيي وبارسونز: التمايز البنيوي بين الدولة والإقتصاد والمجتمع:
قدم كل من كارل بولانيي وتالكوت بارسونز تحليلات وظيفية تفكيكية تميز بين أدوار الدولة، الإقتصاد، والمجتمع المدني. فالمجتمع المدني يمثل، في هذا التصور، أحد أقطاب النظام الإجتماعي العام، إلى جانب الإقتصاد والدولة. لكن هذا التمايز، كما في بارسونز، لا يعني الإنفصال، بل التكامل البنيوي، حيث يؤدي كل نظام دوراً وظيفياً في الحفاظ على توازن الكل الإجتماعي.
أما كارل بولانيي، فذهب إلى أن السوق الرأسمالية، إذا تُركت دون ضبط إجتماعي، فإنها تُفضي إلى تفكيك النسيج الإجتماعي وتدمير المجتمع المدني، لأنها تعمل بمنطق التجريد والتسليع الكامل لكل من العمل، الأرض، والنقود، ما يجعل الإنسان ذاته يُعامل كسلعة في سوق بلا قيود أخلاقية أو إجتماعية.
ولهذا دعا بولانيي إلى ضرورة (إعادة تضمين السوق داخل المجتمع،re-embedding the marketin society)، أي إخضاع السوق إلى آليات الضبط الإجتماعي والتنظيم القانوني، بما يحفظ القيم التضامنية، العدالة، والكرامة الإنسانية. ففي تصوره، لا يمكن بناء مجتمع مدني متماسك دون وجود مؤسسات وسياسات تحميه من القوة التدميرية للسوق الحرة المطلقة، وذلك عبر تنظيم العلاقات الإقتصادية داخل أطر أخلاقية وقانونية تُعبّر عن مصالح الجماعة وليس فقط عن منطق الربح.
هذا الربط الذي يقيمه بولانيي بين الإقتصاد والمجتمع المدني يعيد توجيه التحليل من الإقتصاد السياسي الكلاسيكي نحو تحليل ثقافي إجتماعي أخلاقي للأسواق، ويضع شروطاً لبقاء المجتمع المدني خارج منطق الإنفجار النيوليبرالي الذي يحوّل المؤسسات الإجتماعية إلى أدوات لخدمة السوق، لا العكس.
؛؛؛ نواصل ؛؛؛
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.