المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (10 – 12)

✍️🏽 متوكل عثمان سلامات

 

 

مشروع السودان الجديد وإعادة تخييل المجتمع المدني:

في سياق الإنهيار المزمن لبنية الدولة السودانية القديمة، وتفتت المجال العام تحت وطأة الهيمنة الإسلاموعروبية، برز مشروع السودان الجديد بوصفه محاولة جذرية لإعادة تخييل ليس فقط الدولة، بل كذلك المجتمع المدني بوصفه قاعدة تأسيس جديدة للحياة السياسية والإجتماعية والثقافية. ولا تنطلق هذه الرؤية من محض إصلاحات اوترميمات على جثماني الدولة والمجتمع المدني، بل من تفكيك شامل لبنية السلطة الرمزية والتاريخية، وإعادة إنتاج علاقة الإنسان السوداني بالذات والآخر والدولة الجديدة.

سنتناول في هذا الجزء، رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال؛ المجتمع المدني كأداة شراكة لبناء الدولة. و تفكيك المنظومة الإسلاموعروبية. ومفهوم “السودانوية” كمجال مدني تحرري وخطاب بديل للهويات الإقصائية. وإنتاج مواطن فاعل وحر. وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني؛ من التبعية إلى الشراكة. وكذلك التأسيس الدستوري والقانوني للمجتمع المدني. ودور المجتمع المدني في العدالة والمحاسبة التاريخية والدستور الجديد؛ لجان الحقيقة والمصالحة. صناعة الذاكرة وإعادة كتابة التاريخ. وأخيراً الثقافة كمجال للمقاومة والتأسيس المدني؛ الفنون، والأدب، والصحافة، كأدوات لتأسيس الفضاء العمومي.

أولاً: رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال: المجتمع المدني كشريك في بناء الدولة:

تتبنّى الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال تصوراً تقدمياً للمجتمع المدني، بوصفه فضاءً تنظيمياً، وركيزة معرفية وأخلاقية لإعادة تأسيس الدولة، ويقوم هذا التصور على:

تفكيك مركزية الدولة الشمولية التي إحتكرت الفضاء العام عبر الدين والعرق.

إعادة توزيع السلطة الإجتماعية بإشراك القوى المدنية في التشريع، الرقابة، وبناء الوعي.

بناء مجتمع متنوع ومتصالح مع ذاته، تتأسس فيه المواطنة على الإنتماء إلى الوطن لا إلى أي إنتماء عرقي أو ديني ضيق.

تحرير منظمات المجتمع المدني من قبضة الدولة العنصرية والمستبدة.

ترى الحركة أن المجتمع المدني هو المجال الذي تُمارَس فيه السياسة من أسفل، بوصفها تحريراً للإنسان السوداني من الخوف والإقصاء والهويات المفروضة قسرياً.

 

ثانياً: تفكيك المنظومة الإسلاموعروبية؛ إستعادة او إنتزاع الفضاء المدني المخطوف:

إن أحد الشروط التأسيسية لمجتمع مدني حر في السودان يتمثل في تفكيك المنظومة الإسلاموعروبية التي:

إستأثرت بتمثيل الهوية الوطنية بشكل إقصائي،

حوّلت التنوع والتعدد السوداني إلى درجات من القبول أو النفي،

شيّأت المواطن، وحصرت الفعل المدني في حدود الطاعة السياسية أو العمل الخيري الديني او العرقي.

شوهت وقطعت الطريق أمام تشكل وتطور المجتمع المدني السوداني ومنظماته طبيعياً.

وتمثل هذه المنظومة إمتداداً معرفياً للإستعمار الداخلي، حيث تم أستبدال المستعمر الخارجي بنخب محلية تتبنى نفس أدوات السيطرة؛ التجانس القسري، ومركزية السلطة، والتديين الأيديولوجي للسياسة، وتهميش الهامش ورفض المختلف.

تفكيك هذه المنظومة هو شرط ضروري لتحرير المجال المدني بوصفه حقلاً للصراع الديمقراطي، لا ساحة للولاء القبلي والديني والإخضاع.

ثالثاً: السودانوية كمجال مدني تحرري:

في مواجهة الخطاب الإسلاموعروبي، تطرح الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال وحلفائها في تحالف السودان التأسيسي مفهوماً بديلاً هو “السودانوية”، ليس كهوية إثنية أو تاريخية جاهزة، بل كـ:

هوية سياسية وثقافية مركبة، تعترف بالتعدد والتنوع الذي تتميز به الدولة السودانية، ولا تختزله.

منصة للحوار والتعايش الثقافي، حيث تُدمج كل التجارب المحلية في نسيج وطني جديد موحد ومتنوع.

مشروع لخلق مواطن فاعل وحر، لا مرؤوس أو رعية.

طرح مرن منفتح على التجارب الإنسانية.

السودانوية هي سردية وطنية جديدة، وفضاء مدني جديد يعيد تعريف معنى الإنتماء، ويتيح بناء تعاقد إجتماعي على أسس الحرية والعدالة والمساواة والكرامة، لا على الإمتيازات الثقافية الموروثة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.