
المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (1 – 21)
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات
في الأزمنة التي تعقب إنهيار المنظومات الشمولية وتفكك الدولة المركزية المتسلطة، ينهض سؤال المجتمع المدني كأحد أعمدة الإنتقال نحو أنساق ديمقراطية جديدة، تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، المواطن والسلطة، والثقافة والسياسة. ويكتسب هذا السؤال خصوصيته في السودان، بلد متعدد الإثنيات والثقافات والديانات، أنهكته عقود من الحروب الداخلية، والأنظمة العسكرية، وصراعات الهوية. فمنذ خروج المستعمر سنة 1956م، ظل السودان رهينة مشروع دولة قومية تقليدية، بُنيت على مركزية ثقافية وإثنية ضيقة، همّشت غالب مكونات المجتمع السوداني، وأنتجت دولة تعيد إنتاج الإستعمار داخلياً، بإسم الدين أو العرق أو الوطنية الشكلية.
في هذا السياق التاريخي المعقّد، يبرز مشروع السودان الجديد بوصفه رؤية بديلة تسعى إلى تفكيك الإرث الكولونيالي ليس فقط في بنياته القانونية والسياسية، بل في مركزياته الرمزية والثقافية عبر بناء دولة حديثة تعددية، تقوم على المواطنة المتساوية والإعتراف بالتعدد كقيمة تأسيسية. غير أن هذا المشروع لا يمكن تحقيقه من خلال تأسيس وبناء الدولة وحدها، بل يتطلب إعادة تشكيل المجتمع المدني نفسه، لا بوصفه مجرد وسيط بين الدولة والمجتمع، بل كحقل للصراع ، ومجال لتوليد الذاتية السياسية الجديدة، المؤسسة على الحرية والعدالة والمساواة والتعدد والتضامن.
ورغم شيوع إستعمال مفهوم “المجتمع المدني” في الأدبيات السياسية والتنموية، إلا أن تجذيره في السياق السوداني لا يزال موضع جدل واسع. إذ أن المجتمع المدني، كما تشكل في الغرب، هو نتاج لتحولات إقتصادية وثقافية وفلسفية عميقة، ترافقت مع ظهور الحداثة، صعود البرجوازية، وتبلور مفهوم الفرد الحر المتعاقد. أما في السياق السوداني، فقد جاء إستيراد المفهوم عبر المؤسسات المانحة والمنظمات الدولية، دون أن يُسبَق بتحولات إجتماعية وبنيوية تُمكّنه من التبلور organically داخل النسيج الإجتماعي المحلي. بل إن ما يسمى بـ”المجتمع المدني” كثيراً ما وُلد مختطفاً؛ إما من قبل الدولة، أو من قبل نخب مركزية لا تمثل القواعد الشعبية المتنوعة، أو من قبل أجندات خارجية تتعامل مع السودان كمختبر للسياسات الإنتقالية.
من هنا تنبع فكرة هذه المقالات، هل يمكن تأسيس مجتمع مدني حقيقي في السودان ما بعد الثورة، في ظل الإرث الإستعماري الوطني، والتعقيدات الإثنية والدينية والثقافية، وإنعدام التقاليد المؤسسية الداعمة للفضاء المدني؟ وهل يشكّل مشروع السودان الجديد، بمقترحه العلماني الديمقراطي السودانوي، مدخلاً نظرياً وعملياً لإعادة تعريف المجتمع المدني، وتحويله إلى فاعل سياسي حقيقي في بناء الدولة الديمقراطية المنشودة؟
إن فكرة هذه المقالات لا تنطلق من فهم للمجتمع المدني كمؤسسات فقط، بل كمجال تتقاطع فيه علاقات القوة، الثقافة، الإقتصاد، والتاريخ، ويُعاد فيه إنتاج الهيمنة أو تفكيكها. ولذلك سنعتمد مقاربة متعددة المناهج، تدمج بين التحليل الثقافي والإجتماعي والبنيوي، والتحليل السياسي الإقتصادي، بالإضافة إلى دراسات ما بعد الإستعمار، لربما نتمكن بذلك من فحص العلاقة بين المشروع السياسي (السودان الجديد) ومشروع الفضاء المدني.
سنحاول في هذه السلسلة من المقالات أن نشرح ونحلل موضوعنا بالمرور والغطس عميقاً في المحاور التالية:
التطور النظري لمفهوم المجتمع المدني، ونقد مركزياته الأوروبية،
تشكله في السياقات الإفريقية عموماً والسودانية خصوصاً،
أثر الدولة الإستعمارية وما بعدها على تهميش أو إحتواء الفضاء المدني،
علاقة الحركات التحررية، وفي مقدمتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بإعادة تعريف المجتمع المدني،
التحديات التي تواجه نشوء مجتمع مدني حقيقي في ظل التعدد والتفكك البنيوي،
وأخيراً، آفاق بلورة مجتمع مدني سودانوي، يعكس التنوع، ويعيد إنتاج المواطنة كعلاقة أفقيّة مؤسسة على الحرية والعدالة والمساواة والكرامة.
وفي ظل التحولات الجذرية التي يشهدها السودان اليوم، من حروب وصراعات، إلى محاولات إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، فإن هذا العمل لا يسعى فقط إلى تقديم قراءة تحليلية للماضي والحاضر، بل إلى المساهمة في التفكير في الممكن، وفتح أفق نظري وميداني لبناء مجتمع مدني سوداني متحرر من المركزيات القديمة، وفاعل في مشروع السودان الجديد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.