
المجتمع المدني الجديد في السودان
تحولات الفعل المدني بين المركز والهامش في سياق الحرب
عبدالله حسن شعيرية
كمبالا – 16 ديسمبر 2025
ملخص _Abstract
يتناول هذا النص تحولات المجتمع المدني في السودان منذ سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019 مع التركيز على أثر حرب 15 أبريل 2023 في إعادة تشكيل الفاعلين المدنيين وخطاباتهم وتموضعهم بين المركز والهامش
يجادل المقال بأن المجتمع المدني السوداني شهد انقساما بنيويًا بين نموذج تقليدي متمركز في العاصمة، ونموذج ناشئ في الهامش يتميز بطاقة ثورية عالية لكنه يعاني ضعفا في الخطاب المدني والسياسي كما يناقش مخاطر اختزال الفعل المدني في الهويات القبلية ودور الإعلام في إعادة إنتاج الإقصاء ويخلص إلى أن مستقبل المجتمع المدني مرهون بالقدرة على بناء مشروع وطني يتجاوز منطق الحرب والهوية
شكل سقوط نظام عمر البشير في 11 أبريل 2019 نقطة تحول مفصلية في تاريخ المجتمع المدني السوداني. فقد انتقلت قوى مدنية ومهنية—مثل لجان المقاومة، تجمع المهنيين السودانيين، وقوى الحرية والتغيير—من هامش الفعل العام إلى مركزه وأسهمت في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع
غير أن هذا الصعود السريع كشف في الوقت ذاته هشاشة البنية الداخلية لهذه التشكيلات حيث تسللت إليها انقسامات سياسية وجهوية وقبلية أضعفت استقلاليتها وأثرت في قدرتها على بلورة مشروع وطني جامع يتجاوز إرث الدولة المركزية
1_ الحرب وتحولات الاصطفاف المدني
أدّى اندلاع حرب 15 أبريل إلى إعادة تشكيل المجال العام بصورة جذرية
لم يعد الاصطفاف قائما على البرامج السياسية بقدر ما أصبح مؤسسا على الهوية والانتماء وحسابات المصلحة وقد أسهم ذلك في تصاعد خطاب الكراهية مدفوعا بعاملين متوازيين
خوف النخب التقليدية من فقدان امتيازاتها التاريخية
غضب تاريخي متراكم في مناطق الهامش نتيجة التهميش البنيوي
ظل المجتمع المدني التقليدي المتمركز في الخرطوم محتفظا بقدر كبير من النفوذ مستندا إلى الخبرة التراكمية وشبكات العلاقات الدولية ورأس المال الرمزي في المقابل عانى فاعلو الهامش من ضعف التمثيل رغم الكفاءة بسبب استمرار البنية المركزية للسلطة حتى في لحظات الانهيار
ومع إطالة أمد الحرب، اتجه عدد من العاملين في المنظمات المدنية إلى تبني استراتيجيات بقاء مؤسسية حافظوا من خلالها على مواقعهم الوظيفية، أحيانا على حساب الارتباط العضوي بقضايا مجتمعاتهم المحلية وهو ما يمكن فهمه في إطار الاقتصاد السياسي للعمل المدني في سياق النزاعات
2_ المجتمع المدني الناشئ في الهامش
على الجانب الآخر برز ما يمكن تسميته بـ المجتمع المدني الجديد الجديد في مناطق الهامش
يتكون هذا الفضاء من شباب محدودي الموارد قليلي الخبرة التنظيمية لكنهم يمتلكون رأسمالًا أخلاقيا عاليا يتمثل في الارتباط المباشر بالمجتمع، والاستعداد للتضحية
غير أن هذه الفاعلية اتسمت بطابع عسكري–سياسي حيث جرى التعامل مع السياسة بوصفها امتدادًا للمعركة لا بوصفها عملية مدنية تراكمية لبناء المؤسسات والتوافقات
في هذا السياق يبرز مفهوم المثقف العضوي عند أنطونيو غرامشي الذي يرى أن المثقف الحقيقي هو من ينبثق من طبقته الاجتماعية ويقود عملية إنتاج وعي مضاد للهيمنة السائدة
غير أن غياب هذا الدور داخل المجتمع المدني الناشى أدى إلى ضعف الخطاب السياسي رغم الحضور الميداني القوي
3_ الإعلام وإعادة إنتاج الهيمنة
يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في توجيه الوعي الجمعي خلال النزاعات
يشير نعوم تشومسكي في تحليله لنموذج صناعة القبول إلى أن وسائل الإعلام لا تعمل بوصفها ناقلًا محايدًا للمعلومات بل كأداة لإعادة إنتاج مصالح النخب المهيمنة
كما يذهب إيريك فروم إلى أن الثقافة والإعلام قادران إما على تعزيز النزعات الإنسانية القائمة على التضامن، أو على تكريس الخوف والكراهية والانسحاب من المجال العام
في الحالة السودانية أسهم الخطاب الإعلامي—الرسمي وغير الرسمي—في تكريس ثنائية نحن/هم وإعادة إنتاج الانقسامات القبلية والجهوية بدل تفكيكها
4_اختزال الفعل المدني في الهوية القبلية
يمثل اختزال الفاعلين السياسيين والمدنيين في انتماءاتهم القبلية أحد أخطر مآلات الصراع
فالناشط الذي يتحول إلى [ناشط قبلي] يفقد القدرة على مخاطبة الفضاء الوطني ويحاصر داخل أطر ضيقة لا تسمح ببناء تحالفات عابرة للهويات
من منظور نظريات الدولة الحديثة لا يمكن للقبيلة أن تشكل برنامجا سياسيا أو إطارا للعمل المدني لأنها تقوم على روابط ما قبل–سياسية بينما يتطلب الفعل المدني الحديث خطابا قائمة الحقوق والمواطنة
5_ تحالف السودان التأسيسي وآفاق إعادة البناء
إعلان تحالف السودان التأسيسي في نيروبي (22 فبراير 2025) بعض الحيوية إلى المجال المدني وتزايد هذا الزخم عقب إعلان حكومة السلام والوحدة في يوليو 2025
ورغم وجود كوادر ذات خبرة خصوصا من الحركة الشعبية إلا أن التحالف واجه تحديات تتعلق بتباين الخلفيات الفكرية واختلاف مستويات الوعي السياسي
مع ذلك يمثل الشباب القادمون من مناطق النزاع طاقة ثورية هائلة، يمكن—إذا أديرت ضمن إطار مدني منضبط—أن تسهم في إعادة تشكيل الدولة السودانية على أسس أكثر عدالة وشمولا
خاتمة
يقف المجتمع المدني السوداني أمام مفترق طرق تاريخي
إما أن يتحول إلى فاعل وطني جامع قادر على تجاوز منطق الحرب والهوية
أو أن يستنزف في صراعات الإقصاء ويعيد إنتاج أنماط الهيمنة القديمة بأدوات جديدة
إن بناء مجتمع مدني ديمقراطي في السودان يتطلب انتقالا واعيا من منطق [الجندي] إلى منطق _المواطن /ومن خطاب الغضب إلى مشروع سياسي أخلاقي طويل النفس
المراجع
1. عبد الله أحمد المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في السودان الخرطوم: مركز الدراسات السودانية 2020
2. Mamdani, M. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton University Press, 1996
3. Duffield, M. Global Governance and the New Wars. Zed Books, 2001
4 Gramsci, A. Selections from the Prison Notebooks. International Publishers, 1971
5. Chomsky, N. & Herman, E. Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media. Pantheon Books, 1988
6. Fromm, E. The Sane Society. Routledge, 1955
7. Habermas, J. The Structural Transformation of the Public Sphere. MIT Press, 1989.