الكنيسة والهوية في السودان الجديد: نحو دولة علمانية ديمقراطية

كتب✍️/ كاظم كمال كالو، 16/08/2025 القاهرة

 

 

منذ نشأتها التاريخية، لم تُفهم الكنيسة بوصفها جماعة طقسية منعزلة أو مؤسسة روحية ذات نطاق ضيق، بل باعتبارها تعبيرًا منظورًا عن حضور الله في التاريخ وأداة إرسالية تسعى إلى خدمة الإنسان والمجتمع على السواء. فالكنيسة، بحسب الرؤية الكتابية، مدعوة إلى الانخراط الفاعل في الواقع الاجتماعي والسياسي من خلال الشهادة للقيم الإلهية التي تتجسد في العدالة والرحمة والحق. ويضع الكتاب المقدس أساسًا راسخًا لهذا الدور؛ إذ يوضح النبي ميخا أن مشيئة الله تتجلى في صنع الحق، وحب الرحمة، والسلوك بتواضع (ميخا 6: 8)، ويؤكد الرسول بولس أن السلطة السياسية في جوهرها هي خادمة الله للصلاح (رومية 13: 1)، كما يشير المسيح في تعليمه إلى أن الكنيسة مدعوة لتكون ملح الأرض ونور العالم (متى 5: 13-16)، أي ضميرًا أخلاقيًا وحضورًا إصلاحيًا يحول دون الفساد ويضيء طريق الحق أمام الأمم.

وفي إطار اللاهوت الحديث، تم توسيع هذا الفهم ليشمل بُعدًا اجتماعيًا–سياسيًا أكثر وضوحًا. فاللاهوتي الألماني يورغن مولتمان يؤكد أن “الكنيسة لا توجد لنفسها، بل من أجل العالم”، وهو ما يعني أن هويتها وجوهر رسالتها يتجاوزان حدود العبادة الداخلية ليشملا الانخراط في قضايا المجتمع والسعي نحو التحول التاريخي الذي يعكس ملكوت الله. أما المفكر الإنجيلي جون ستوت فيُبرز مسؤولية الكنيسة النبوية في مواجهة الظلم، مشددًا على أن “الكنيسة يجب ألا تقف صامتة في مواجهة الظلم الاجتماعي”، بل ينبغي أن تكون صوتًا للمهمشين والمدافعين عن العدالة. ومن خلال هذا التلاقي بين التأصيل الكتابي والطرح اللاهوتي الحديث، يتضح أن الكنيسة ليست بديلًا عن الدولة ولا أداة في خدمتها، بل هي شريك نبوي وأخلاقي يسهم في توجيه الضمير الجمعي، وصياغة قيم الخير العام، وترسيخ العدالة والرحمة بوصفها مكونات أساسية لبناء الدولة والمجتمع.

إن الحديث عن دور الكنيسة في الدولة الحديثة يقتضي إدراك طبيعة السياق السياسي القائم على العلمانية والديمقراطية. فالكنيسة، وإن كانت مؤسسة إيمانية ذات مرجعية لاهوتية، إلا أنها مدعوة إلى الانخراط في الحياة العامة بما يخدم الخير المشترك، دون أن تسعى إلى فرض هيمنة دينية أو أن تذوب في النظام السياسي. وهنا يبرز مبدأ المواطنة الكاملة كإطار جامع؛ فالمسيحية، من خلال وصية المسيح العظمى: “تحب قريبك كنفسك” (متى 22: 39؛ مرقس 12: 31)، تؤكد أن كل إنسان –بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي– هو موضوع للمحبة الإلهية، وأن بناء مجتمع عادل يقوم على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات هو تعبير عملي عن هذه الوصية.

وفي هذا السياق، فإن الكنيسة في السودان الجديد لا ترى العلمانية نقيضًا للإيمان، بل إطارًا ضروريًا لضمان حرية المعتقدات وترسيخ دولة المواطنة التي تحترم جميع أبنائها. ومن منظور مسيحي، فإن مبدأ محبة القريب يتجاوز حدود العلاقة الفردية ليشمل مسؤولية أوسع في بناء مجتمع ديمقراطي عادل خالٍ من التمييز الديني أو العرقي. ويتناغم هذا الفهم مع أطروحات المفكر جيمس ستون الذي يؤكد أن المرجعية الدينية، حين تنطلق من قيم العدل والمساواة، يمكن أن تشكل قوة دافعة لدعم التجربة الديمقراطية وتعزيز مبادئها.

وعليه، فإن الكنيسة في السودان، وهي تخرج من سياقات التهميش التاريخي، تسعى إلى أن تكون شريكًا فاعلًا في تأسيس نظام ديمقراطي علماني جديد يحترم كرامة الإنسان، ويضع حدًا لسياسات الإقصاء التي عانى منها الشعب السوداني لعقود طويلة. ومن هذا المنطلق، تتضح أهمية الكنيسة ليس فقط كصوت روحي، بل كفاعل اجتماعي–سياسي يساهم في صياغة ملامح السودان الجديد الذي تتبناه الحركة الشعبية – جناح الحلو وحكومة تأسيس التي جرى تكوينها مؤخرًا، حيث تلتقي القيم الإنجيلية مع المبادئ الديمقراطية لبناء دولة حديثة قائمة على المواطنة، الكرامة، والعدالة.

إنّ النقاش حول العلمانية في السودان الجديد يتطلّب إعادة قراءة هذا المفهوم بعيدًا عن التصوّرات السلبية التي ارتبطت به تاريخيًّا. فالعلمانية هنا لا تُفهم بوصفها مشروعًا لإقصاء الدين أو إضعاف دوره الروحي والاجتماعي، بل باعتبارها إطارًا دستوريًّا وقانونيًّا يضمن حرية المعتقدات ويمنع توظيف الدين أداةً للهيمنة السياسية أو التمييز الاجتماعي. وبهذا المعنى، تصبح العلمانية في السياق السوداني ضمانةً للتعدّدية الدينية والثقافية، لا تهديدًا لها.

وفي ضوء هذا الفهم، يمكن القول إن الكنيسة تُعَدّ من أكبر المستفيدين من ترسيخ دولةٍ علمانيةٍ ديمقراطية؛ إذ عانت الكنائس في السودان خلال العقود الماضية من اضطهادٍ مؤسّسي تمثّل في تقييد حرية العبادة، ومصادرة الممتلكات، وإغلاق الكنائس أو هدمها، إلى جانب فرض قوانين تمييزية تحدّ من حقوق المسيحيين. وقد وثّقت منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية هذه الانتهاكات بصورةٍ متكرّرة، خصوصًا في فترة حكم عمر البشير، حيث جرى استخدام الشريعة الإسلامية أداةً سياسية لتبرير الإقصاء ومأسسة التهميش الديني.

من هذا المنطلق، فالعلمانية ليست خصمًا للكنيسة، بل إطارٌ حامٍ لها؛ لأنّها تحرّرها من أيّ شكلٍ من أشكال الاضطهاد الذي قد تمارسه الدولة باسم الدين، وتضمن لها الحقّ في ممارسة رسالتها الروحية والاجتماعية دون خوفٍ أو تضييق. بل وأكثر من ذلك، تستطيع الكنيسة في ظلّ هذا السياق الجديد أن تتحوّل إلى فاعلٍ وطنيٍّ أصيلٍ يَسهم في صياغة هوية السودان الجديد على أسس المواطنة الكاملة والمساواة والعدالة، بعيدًا عن سياسات الإقصاء التي سادت في الماضي.

وهكذا، فإنّ إعادة تعريف العلمانية في السودان لا يُعَدّ خروجًا عن الدين، بل استعادةً لوظيفته الأصلية: تحرير الإنسان، وضمان كرامته، وإتاحة المجال لكلّ مكوّنٍ دينيٍّ أو ثقافيٍّ لِيُعبِّر عن نفسه بحرية، وهو ما ينسجم في جوهره مع الرسالة الإنجيلية التي تدعو إلى محبة القريب كنفسك (مرقس 12: 31) بوصفها قاعدةً أخلاقيةً لبناء مجتمعٍ عادلٍ يسَع الجميع.

في المناطق المهمشة مثل كردفان ودارفور وغرب السودان، حيث تراكمت آثار التهميش والصراعات المسلحة لعقود طويلة، يبرز الدور الاستثنائي للكنيسة كفاعل مجتمعي وروحي قادر على ترميم ما تصدّع في النسيج الاجتماعي. فالكنيسة، انطلاقًا من رسالتها الإنجيلية، تحمل “خدمة المصالحة” (2 كورنثوس 5: 18) باعتبارها جوهرًا من هويتها اللاهوتية، وتترجم ذلك عمليًا عبر مبادرات تُعلي من قيم الغفران، المصالحة، وبناء السلام. إن هذه المبادئ ليست مجرد شعارات روحية، بل أدوات عملية لإعادة بناء الثقة بين القبائل والجماعات المتضررة من الحرب.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الكنيسة تمتلك قدرة مميزة على لعب دور الوسيط النزيه، بعيدًا عن الانقسامات السياسية والإثنية. فقد نظّم مجلس الكنائس السوداني بدعم من مجلس الكنائس العالمي عدداً من المبادرات المؤثرة في مناطق النزاع، أبرزها مؤتمر ونيلي للسلام (Wunlit Peace Conference) عام 1999، الذي جمع بين الدينكا والنوير بعد سنوات من القتال، وأسفر عن وقف الأعمال العدائية وإطلاق الأسرى وتهيئة مناخ للتعايش المشترك. لقد شكّل هذا المؤتمر نموذجًا عمليًا لدور الكنيسة كجسر للتلاقي، حيث لم تكتفِ بالدعوة للمصالحة، بل وفّرت آليات واقعية لترجمتها في الحياة اليومية.

ومن هذا المنطلق، فإن دور الكنيسة في المناطق المهمشة لا ينفصل عن رؤيتها الأشمل للسودان الجديد. فهي ترى أن الديمقراطية العلمانية القائمة على المواطنة الكاملة ليست فقط إطارًا سياسيًا حديثًا، بل ضمانة حقيقية لحرية المعتقدات وحماية للتنوع الثقافي والديني الذي تزخر به البلاد. بهذا المعنى، تصبح الكنيسة شريكًا استراتيجيًا في إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس العدل، المساواة، والكرامة الإنسانية، حيث تُسهم في تحويل قيم الإنجيل إلى قوة اجتماعية فاعلة في بناء وطن يتجاوز الانقسامات التاريخية ويصون وحدة أبنائه.

على الصعيد التنموي، لم تقتصر الكنيسة في السودان على دورها الكنسي التقليدي بوصفها مؤسسة روحية، بل أعادت تعريف ذاتها كفاعل اجتماعي وتنموي يسعى إلى سد الفجوات التي خلّفها غياب الدولة أو قصورها. فقد تحولت الكنيسة إلى ما يشبه “وكالة إنسانية وتنموية” تقدم خدمات أساسية في مجالات التعليم والصحة والتنمية المجتمعية. غير أن هذا الدور لا يمكن اختزاله في كونه مبادرات خيرية عابرة أو وسائل تبشيرية مقنّعة؛ بل هو تعبير أصيل عن البعد الإنساني في اللاهوت المسيحي، الذي يرى في خدمة الإنسان تجسيدًا عمليًا لصورة الله في الخليقة: “فخلق الله الإنسان على صورته” (تكوين 1: 27). ومن ثم فإن رعاية الإنسان وتعزيز كرامته ليست عملاً مكملاً للإيمان، بل هي جوهر هذا الإيمان ذاته.

ويؤكد الباحث إدوارد توماس في كتابه السودان: الصراع على الهوية أنّ عقودًا من إهمال الحكومات المركزية لمناطق الهامش قد خلقت فراغًا عميقًا في البنى التعليمية والصحية والاجتماعية، وهو فراغ لم تُملأه مؤسسات الدولة بل بادرت الكنائس والمؤسسات الدينية إلى ملئه عبر مشاريع ملموسة أسهمت في تمكين المجتمعات المحلية ومنحها فرصًا أكثر عدالة للحياة الكريمة.

إنّ تلاقي بُعدي المصالحة والتنمية يمنح الكنيسة موقعًا فريدًا كشريك بنّاء في إعادة صياغة مشروع الدولة السودانية الجديدة. فهي ليست منافسًا للدولة ولا بديلاً عنها، بل مكملة لها في فضاءات ظلّت مُهملة طويلًا. وبهذا المعنى تصبح الكنيسة ركيزة أساسية في بناء مجتمع ديمقراطي علماني يقوم على مبدأ المواطنة الكاملة، إذ تسهم في إعادة لحمة النسيج الاجتماعي، وفي توفير مقومات العيش الكريم، وتفتح أمام السودانيين جميعًا، مسيحيين ومسلمين وغير متدينين، أفقًا نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافًا وإنسانية.

إن الدور الذي يمكن أن تضطلع به الكنيسة في عملية بناء الدولة السودانية الجديدة، رغم ضرورته التاريخية والأخلاقية، محفوف بتحديات واقعية تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة اللاهوتية والسياسية. فالكنيسة مدعوة لتجسيد رسالتها النبوية في المجتمع، بحيث تكون صوتًا للحق والعدالة، دون أن تنزلق إلى تحزّب سياسي يفقدها استقلاليتها ومرجعيتها الأخلاقية.

لا شك أن بعض القوى ذات النزعة الأصولية ستعارض مشروع الدولة العلمانية، باعتباره تهديدًا لهوية السودان الثقافية والدينية. لكن الكنيسة تستطيع أن تؤكد – من منظور لاهوتي – أن مطلبها لا يقوم على نفي الدين، بل على مبدأ كتابي أصيل: العدالة والكرامة لجميع البشر بوصفهم مخلوقين على صورة الله (تكوين 1: 27). إن دعوة الكنيسة للمواطنة هي صدى لعبارة المسيح: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (مرقس 12: 17)، أي الفصل بين السلطة الزمنية والروحية بما يضمن عدم استغلال الدين لأغراض سياسية.

لا يكتمل دور الكنيسة إلا إذا كانت قادرة على بناء جسور من الثقة مع الأغلبية المسلمة في السودان. هذا يتحقق من خلال مبادرات ملموسة في التعليم والصحة والمصالحة، تُظهر أن الكنيسة تتحرك بدافع إنساني شامل، لا بخلفية تبشيرية ضيقة. هنا تستحضر الكنيسة رسالتها الإنجيلية: “أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم” (متى 5: 13–14)، أي أن وجودها في المجتمع ينبغي أن يكون علامة خير ونور يخدم الجميع، مسلمين ومسيحيين على السواء.

إن استقلالية الكنيسة عن الحكومة ليست مجرد خيار تنظيمي، بل ضرورة لاهوتية وأخلاقية. فالكنيسة مدعوة أن تكون “صوتًا نبويًا” يقف مع الحق حتى عندما يخطئ الحكام، على مثال الأنبياء في العهد القديم الذين واجهوا الملوك بالعدل والحق. وبذلك تستطيع الكنيسة أن تكون شريكًا في التنمية والمواطنة دون أن تفقد وظيفتها النقدية.

ما تواجهه الكنيسة السودانية اليوم ليس استثناءً؛ ففي بولندا وقفت الكنيسة الكاثوليكية كقوة أخلاقية ضد استبداد النظام الشيوعي، وفي جنوب أفريقيا كان صوت الكنيسة – بقيادة شخصيات مثل ديسموند توتو – أداة فعّالة في مقاومة الأبارتايد. في كلتا الحالتين، حافظت الكنيسة على مسافة نقدية من الدولة، وبهذا صارت ملح الأرض ونورًا للمجتمع.

إذا استطاعت الكنيسة السودانية أن توفّق بين رسالتها اللاهوتية النبوية وبين التزامها العملي ببناء الإنسان، فإنها ستغدو ركيزة لا غنى عنها في تأسيس دولة المواطنة. فهي لا تنافس الدولة، بل تكمّلها في ميادين أهملت طويلًا؛ ولا تنطق بلسان حزب أو جماعة، بل بصوت الإنجيل الذي يجعل من خدمة الإنسان شهادة حيّة عن محبة الله. وهكذا تتحول الكنيسة إلى ملح الأرض ونور العالم في سياق سوداني جديد، يسعى نحو العدالة، والمساواة، والسلام.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن الكنيسة في السودان تقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة. فهي مدعوة لتجاوز صورتها كمؤسسة محصورة في الشأن الديني، لتصبح ركيزة أساسية في مشروع وطني يسعى إلى إعادة صياغة الهوية السودانية على أسس أكثر عدلًا وإنصافًا. ففي زمنٍ تعاني فيه الدولة من آثار الاستبداد والتهميش، تقدّم الكنيسة نموذجًا بديلاً: مجتمع صغير منفتح، قائم على قيم المحبة، والمصالحة، والكرامة الإنسانية. هذه القيم لا تُقصي الدين من المجال العام، بل تضعه في موقع الضمير الذي يوجّه ولا يهيمن، ويخدم ولا يستأثر. إن السودان الجديد لن يكتمل إلا عندما يلتقي البعد الروحي مع المشروع الديمقراطي العلماني، ليولدا معًا وطنًا يتسع لكل أبنائه وبناته، حيث يصبح الإنسان – على صورته الإلهية – هو مركز كل تشريع، وكل سياسة، وكل بناء مؤسسي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.