
القوانين الوضعية في السودان عندما يتحول القانون إلى قيد على الحرية.
بقلم 🖋 أحمد عمر نُقرة كُنارقو المدافع عن حقوق الإنسان والشعوب كمبالا- أوغندا [email protected]
“الإنسان يولد حراً، ولكنه في كل مكان مكبل بالأغلال.” جان جاك روسو
في السودان، لم تكن القوانين يوماً مجرد نصوص جامدة تُنظم حياة الناس، بل كانت في كثير من المراحل أدوات سياسية تُستخدم لإحكام القبضة، وتكميم الأفواه، وتطويع المجال العام. فبينما يُفترض أن يكون القانون درعاً يحمي الحقوق، تحوّل في أزمنة الإستبداد إلى سوط يلاحق المعارضين، ويُضيّق على الصحافة، ويزرع الخوف في الساحات.
منذ انقلاب عام 1989 الذي جاء بـ عمر البشير إلى سدة الحكم، دخل السودان مرحلة اتسمت بتضخم القوانين الأمنية، وتغوّل الأجهزة التنفيذية، وتقييد الحريات باسم “النظام العام” و“الأمن القومي”. صدرت تشريعات منحت سلطات واسعة للإعتقال دون محاكمة، وأُخضعت الصحف للمصادرة، وجرى التضييق على النقابات ومنظمات المجتمع المدني. وهكذا أصبح القانون، بدل أن يكون حارساً للحرية، اضحي حارساً للسلطة.
☆بين النصوص والواقع ازدواجية قاتلة.
المفارقة المؤلمة أن السودان لم يكن خالياً من النصوص التي تعترف بالحقوق. فالدساتير المتعاقبة مكتظة بالحديث عن حرية التعبير، وحرية التنظيم، والحق في المحاكمة العادلة. لكن تلك النصوص بقيت حبراً على ورق اصبحت حبيسة الكتيبات حين إصّطدمت بتشريعات إستثنائية، وقرارات إدارية تعلو عملياً على الدستور نفسه. هذه الازدواجية صنعت حالة من إنعدام الثقة، المواطن لا يرى في القانون ملاذاً، بل تهديداً محتملاً. والناشط لا يقرأ النصوص بحثاً عن حق، بل بحثاً عن ثغرة قد تُستخدم ضده.
القانون كأداة ضبط سياسي عندما تُفرغ القوانين من روح العدالة، وتُعاد صياغتها لخدمة بقاء السلطة، فإنها تفقد مشروعيتها الأخلاقية. فحرية التظاهر تُقيد بإجراءات تعجيزية، وحرية الصحافة تُرهق بالرقابة والغرامات، وإستقلال القضاء يصبح إستغلال ويُضعف بتدخلات سياسية مباشرة أو غير مباشرة.
بهذا المعنى، لم تكن الأزمة في السودان أزمة “نقص تشريعات”، بل أزمة “فلسفة تشريعية” فلسفة ترى في المجتمع خطراً يجب ضبطه، لا شريكاً يجب تمكينه.
☆ماذا ينتظر حكومة تأسيس؟
إن أول ميدان ينتظر حكومة تأسيس سيكون ميدان القانون. فالثورة لا تكتمل بإسقاط نظام، بل بإسقاط المنظومة القانونية التي صنعت الإستبداد وحمته.
1. هدم البنية المقيدة للحريات
على حكومة تأسيس أن تبدأ بمراجعة شاملة لكل القوانين التي صيغت بروح أمنية قمعية. لا ترقيع ولا تجميل، بل إعادة كتابة جذرية تضع الحرية أصلاً، والقيود استثناء ضيقاً ومبرراً.
2. دستور يعكس إرادة الناس
الدستور الدائم للسودان القادم يجب ألا يكون وثيقة نخبوية مغلقة، بل عقداً اجتماعياً يشارك في صياغته ممثلو الأقاليم، والنساء، والشباب، والنازحون، وكل من همّشتهم الدولة طويلاً. دستور يُقرّ صراحة أن السيادة للشعب، وأن أي سلطة تتجاوز حدها تُحاسب.
3. قضاء مستقل لا يخشى السلطة
لا معنى لحقوق بلا قضاء يحميها. المطلوب إصلاح عميق يضمن استقلال القضاء والنيابة، ويمنع تدخل السلطة التنفيذية في التعيينات أو الإعفاءات. العدالة ليست شعاراً، بل مؤسسة تحتاج إلى تحصين قانوني ومهني.
4. عدالة ومحاسبة تاريخية تكسر حلقة الإفلات من العقاب
لا يمكن بناء مستقبل جديد بقوانين جديدة فوق أرضٍ لم تُطهر من جراح الماضي. يجب تقنين آليات واضحة للعدالة والمحاسبة التاريخية، يجب ان تعود كل الحقوق التي سُلِبت والحريات التي إنتهكت. فالحرية التي لا تُنصف الضحايا تبقى ناقصة.
☆التحدي الحقيقي: تغيير العقلية قبل النصوص
الأخطر من النصوص القمعية هو العقل الذي ينتجها. إذا بقيت الثقافة السياسية قائمة على الخوف من الشعب، فإن أي دستور مهما كان متقدماً سيُفرغ من محتواه. لذلك فإن معركة القوانين هي أيضاً معركة وعي، وعي بأن الدولة وُجدت لخدمة الناس، لا لإخضاعهم.
☆خاتمة : من قانون يُرهب إلى قانون يُحرر
في السودان، لم تعد معركة الحرية معركة شعارات تُرفع في الشوارع، بل معركة نصوص تُكتب في الدساتير، ومواد تُنقّح في القوانين، ومؤسسات يُعاد بناؤها على أسس العدالة لا الهيمنة. فالقانون الذي يُصاغ بعقلية الخوف لا ينتج إلا مزيداً من الخوف، أما القانون الذي يولد من إرادة الناس الحرة فهو وحده القادر على حماية كرامتهم.
لقد أثبت التاريخ أن السلطة حين تُترك بلا قيود، تتحول من خدمة عامة إلى امتياز خاص.
وكما قال مونتسكيو: “كل إنسان يملك سلطة يميل إلى إساءة استعمالها.”
لهذا، فإن ما ينتظر حكومة تأسيس ليس مجرد تعديل مواد أو إلغاء نصوص، بل وضع قيود دستورية واضحة على السلطة، وبناء منظومة قانونية تجعل الحرية أصلاً لا استثناء، وتجعل كرامة الإنسان معياراً أعلى من أي اعتبار سياسي.
عندها فقط، يمكن أن يتحول القانون من أداة تقييد إلى أداة تحرير، ومن سلاح في يد الحاكم إلى درع في يد المواطن. وعندها فقط، يصبح الدستور عهداً حقيقياً بين الدولة وشعبها، لا وثيقة تُعلّق على الجدران بينما تُصادر الحقوق في الواقع.
سودان جديد يتقدم سودان قديم يتحطم
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.