السودان عند مفترق الطرق الجيش والإسلام السياسي ومستقبل الدولة ■ الحرب وتعقيدات الدولة السودانية

✍️ أحمد عمر نقرة كُنارقو المدافع عن حقوق الإنسان والشعوب مارس 2026 – كمبالا – أوغندا [email protected]

 

 

منذ اندلاع المواجهات المسلحة في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، دخلت البلاد مرحلة مفصلية يتداخل فيها العسكري بالسياسي، والأمني بالأيديولوجي. فالحرب الدامية لم تكن مجرد صراع على النفوذ بين قوتين عسكريتين، بل كشفت عن شبكة معقدة من التوازنات داخل مؤسسات الدولة، وعن صراع عميق بين القوة و العقل، وبين مشاريع متباينة حول هوية الدولة ومستقبل الحكم.

حين تتقدم البنادق على التسوية السياسية، ويُفترض أن الحسم العسكري قادر على فرض واقع سياسي جديد (منطق الكيزان)، يتعزز منطق الغلبة على حساب الحوار. وفي مثل هذه الظروف تتراجع فرص الحلول السياسية، وتتقدم رهانات الحسم العسكري بإعتباره الطريق الأقصر لإنهاء الصراع، رغم أن تجارب الحروب الأهلية عبر العالم أثبتت أن الانتصار العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى إستقرار دائم.

في السياق السوداني، سعي التياى الأيديولوجي إلى إعادة إنتاج منطق الحسم العسكري لإعادة إنتاج الحركة الإسلامية في مفاصل الدولة السودانية التي سئمت فسادهم. فمن خلال خطاب تعبوي وأدوات تعبئة سياسية من قبل الجماعة الإسلامية المتطرفة (كتائب البراء)، جرى استقطاب مجموعات من الشباب والزجّ بهم في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ليصبحوا وقوداً لصراع تحوّل تدريجياً من خلاف حول ترتيبات المرحلة الانتقالية وإصلاح المنظومة الأمنية إلى حرب مفتوحة تهدد كيان الدولة نفسه.

ومع تعقّد المشهد، تراجع صوت الحوار السياسي، وتصاعدت رهانات الحرب. غير أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن كلفة الصراع أصبحت تتجاوز الحسابات العسكرية. فقد شهدت الخرطوم وعدد من المدن السودانية دماراً واسعاً طال البنية التحتية والمرافق الحيوية، كما تفاقمت أزمة النزوح واللجوء، وتدهور الاقتصاد بصورة حادة،وتدهور الجيش وحلت محله مليشيات الخراب والتطرف والدمار، ما جعل الحرب تمثل تهديداً مباشراً لبقاء الدولة السودانية. بل إن المفارقة المؤلمة تمثلت في أن مؤسسات الدولة نفسها اضطرت في مرحلة ما، تحت ضغط المعارك، إلى الهروب شرقاً، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي تواجهها الدولة السودانية في هذه المرحلة الحرجة.

 

☆التيار الإسلامعروبي ونفوذه داخل الدولة

لا يمكن فهم تعقيدات المشهد السوداني من دون التوقف عند التيارات المؤثرة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية، وعلى رأسها ما يُعرف بالتيار الإسلامعروبي، الذي تعزز نفوذه خلال حقبة الرئيس السابق عمر البشير عقب انقلاب عام 1989. خلال تلك المرحلة، جرى تمكين كوادر ذات خلفية إسلامية عربية في مفاصل الدولة المختلفة، بما في ذلك المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية. وقد أسهمت سياسات التمكين التي انتهجها النظام آنذاك في بناء شبكة واسعة من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وهو ما جعل عملية تفكيك هذه الشبكات الإجرامية بعد سقوط النظام في عام 2019 مهمة معقدة لم تكتمل حتى اليوم.

ورغم سقوط النظام السابق بفعل الحراك الشعبي، فإن عملية تفكيك بنية التمكين لم تُستكمل بصورة جذرية، الأمر الذي أبقى على حضور مؤثر لبعض هذه التيارات في دوائر القرار. ويرى مراقبون أن هذا النفوذ ينعكس على المواقف المتعلقة بقضايا الإصلاح العسكري والتسوية السياسية، خصوصاً ما يتعلق بإعادة هيكلة القوات المسلحة ودمج التشكيلات العسكرية المختلفة في مؤسسة وطنية مهنية موحدة.

 

■ السلام الممكن والبعد الإقليمي للصراع

إن أي تسوية سياسية شاملة في السودان تتطلب إعادة هيكلة عميقة في بنية المؤسسة العسكرية، وترسيخ مبدأ خضوعها للسلطة المدنية المنتخبة. غير أن مثل هذه الإصلاحات تمسّ توازنات داخلية راسخة، وقد تثير مخاوف فقدان النفوذ أو إعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة.

في هذا السياق يتقاطع منطق السلاح مع الحسابات الأيديولوجية؛ فاستمرار الحرب قد يُبقي على معادلات قائمة، بينما قد تفرض التسوية السياسية واقعاً جديداً يعيد تشكيل المشهد السياسي والعسكري. غير أن الرهان على إطالة أمد الصراع يحمل مخاطر جسيمة، إذ يهدد بتفكك الدولة واستنزاف مواردها، ويعقّد أي فرصة لبناء عقد اجتماعي جديد بين مكونات المجتمع السوداني.

☆البعد الإقليمي للحرب السودانية

لا يمكن فهم الحرب في السودان بمعزل عن البيئة الإقليمية المحيطة، إذ تحولت الأزمة تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية متعددة، لكل منها حساباته الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. فالسودان يحتل موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية، إذ يربط بين القرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، كما يشرف على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لذلك تنظر عدة قوى إقليمية إلى استقرار السودان أو اضطرابه باعتباره عاملاً مؤثراً في توازنات المنطقة.

بعض الدول تنظر إلى السودان من زاوية الأمن الإقليمي ومنع تمدد الفوضى، في حين ترى فيه قوى أخرى مجالاً للتنافس الجيوسياسي أو الاقتصادي، سواء من خلال النفوذ السياسي أو الاستثمار في الموارد الطبيعية أو السيطرة على الموانئ والممرات البحرية.

وقد أسهم هذا التداخل الإقليمي في تعقيد مسار الحرب، إذ باتت بعض الأطراف المحلية تستند، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى علاقات إقليمية تمنحها هامشاً أوسع للمناورة. وهو ما يجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر تعقيداً، لأن الصراع لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من المصالح الإقليمية.

 

☆الطريق الأصعب والأكثر إستدامة

في المقابل، يفرض السلام نفسه كخيار استراتيجي لا أخلاقي فحسب. فالسودان بلد متعدد الهويات والثقافات، واستقراره يتطلب نموذج دولة جامعة تستوعب هذا التنوع دولة علمانية ديمقراطية، لا مشروعاً أحادياً يحتكر تعريف الهوية الوطنية.

كما أن بناء جيش وطني محترف يقتضي تحييده عن الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي، وترسيخ عقيدة عسكرية تقوم على حماية الدستور وصون وحدة البلاد وخدمة الشعب.

غير أن السلام الحقيقي لا يتحقق بوقف إطلاق النار فقط، بل بإعادة صياغة العلاقة بين المدني والعسكري، وضمان مشاركة القوى المدنية والمجتمعية في رسم ملامح المرحلة المقبلة. كما يتطلب شجاعة سياسية في مواجهة إرث الماضي المعقد، وتوافر الإرادة السياسية للحلول هو اساس ولب الموضوع.

 

☆مفترق الطرق

يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، إما الاستمرار في دوامة الحرب ومنطق السلاح بما يحمله من إستنزاف وإنقسام، أو الإنحياز إلى تسوية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس جديدة تعالج جذور الأزمة.

فالسلام ليس تنازلاً، بل إستثمار في بقاء الدولة نفسها. وأي تيار، أياً كان توجهه، يضع مصالحه الأيديولوجية فوق مصلحة الوطن إنما يغامر بمستقبل السودان كله. فوحده التوافق الوطني القائم على مؤسسات مهنية جامعة، وجيش وطني محترف، ونظام سياسي مدني تعددي، يمكن أن ينقل السودان من ساحة صراع مفتوح إلى أفق استقرار مستدام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.