
السودان التأسيسي… الحساب الأخير بين الرصاص و الكَراس .
✍️🏽 بقلم عمار نجم الدين
في كاودا، في قلب جبال النوبة / جنوب كردفان اكتوبر 2017 م ، وقف عبد العزيز آدم الحلو أمام الآلاف، ورفع صوته بكلمات بدت أثقل من وقع المدافع نفسها: «يجب ألا نخرج من هذه الحركة خائرين الأرواح وخاسرين أجيالاً غير متعلمة، وخاصة البنات». لم يكن حديثه عن النصر في المعارك، بل عن النصر في الوعي، عن معركة الكتب والدفاتر والسبورات. كان يخاطب شعبه بوصية مختلفة: السلاح يحمي، لكن التعليم وحده يبني.
بعد عامين فقط، في قرى أنهكتها الغارات، ارتفعت جدران صغيرة تحمل أسماء المدارس. مئتان وخمسون مدرسة ابتدائية وثانوية وُلدت من تحت الرماد، وبعثات تعليمية عبرت الحدود، لا كلاجئين بل كطلاب عابرين نحو الأمل. حتى في زمن الحرب، اختارت الحركة الشعبية أن تقاتل على جبهتين: الصحة والتعليم. كان ذلك فعل تحدٍّ في وجه سبعين عاماً من الاستعمار الداخلي، حيث احتكرت الخرطوم الجامعات والضوء، فيما تُرك الهامش ظلاماً لا يخرج منه إلا الجنود.
السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق شبيه بما واجهته أمم بعيدة. الصين عام 1949 لم تكن سوى أرض منهكة بالجوع، نصيب الفرد من الناتج القومي لا يتجاوز 200 دولار، والأمية تتجاوز 80%. لكنها غامرت بالتعليم، فحوّلت شعبها إلى طاقة بشرية قادت المعجزة الاقتصادية، حتى بلغ دخل الفرد اليوم أكثر من 12 ألف دولار. أما سنغافورة، فكانت في ستينيات القرن الماضي ميناء فقيراً لا يتجاوز دخل الفرد فيه 500 دولار. بلا نفط ولا ذهب، استثمرت في العقول، فصارت مركزاً مالياً عالمياً، ودخل الفرد تجاوز 65 ألف دولار. درسا الصين وسنغافورة يختصران حقيقة واحدة: الشعوب المتعلمة وحدها تصنع الثورات التي تبقى.
إذا أرادت حكومة السودان التأسيسي أن تكتب اسمها في دفاتر التاريخ، فعليها أن تراهن على التعليم رهانا استراتيجياً. المطلوب خطة عشرينية تبدأ ببناء خمسة آلاف مدرسة في دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، والشرق خلال عشر سنوات، وتضمن تعليماً مجانياً وإلزامياً للبنات حتى نهاية المرحلة الثانوية، وتفتح الأبواب أمام عشرة آلاف طالب سنوياً يبتعثون إلى جامعات العالم الأول على أن يعودوا لبناء وطنهم، وتؤسس معاهد مهنية وتقنية تمنح الفلاحين والعمال حقهم في المعرفة، وتعيد صياغة المناهج لتزرع قيم الحرية والتعدد والعدالة بدل الطاعة العمياء التي رسّخها المركز لعقود.
قد تغيّر الحروب الخرائط، لكنها لا تغيّر المصائر من دون تعليم. البنادق قد تفتح العواصم، لكن المدارس هي التي تبني الدول. بعد عشرين عاماً من الآن، يمكن أن يبقى السودان أسيراً لدائرة الدم، أو أن ينهض بجيل جديد: أطباء ومهندسون ومعلمون خرجوا من رحم الحرب ليصيروا مهندسي السلام. التاريخ لا يرحم الأمم التي تهدر ثروتها البشرية، لكنه يكافئ الشعوب التي تراهن على أبنائها. الصين وسنغافورة أثبتتا أن الفقر ليس قدراً أبدياً، والسودان قادر أن يثبت أن التهميش ليس قدراً محتوماً.
الثورة الحقيقية لن تُحفر على جدران القصور ولا في بيانات الحرب. ستُكتب في الكراسات، وتُقرأ في أصوات التلاميذ، وتحيا في وعي الأجيال. الثورة الحقيقية اسمها كلمة واحدة: التعليم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.