
السلام المؤجل في السودان، هل يحتاج القادة إلى حرق كل شيء ليتعلموا؟
السلام المؤجل في السودان، هل يحتاج القادة إلى حرق كل شيء ليتعلموا؟ ✍️🏽 كتب/ كاظم كمال كالو 09/11/2025
إن مفهوم السلام في السودان ليس مجرد غياب للحرب أو صمت للسلاح، بل هو حلم مؤجل وثمن باهظ دفعته أجيال كاملة من ثروتها وأمنها ووحدتها. بالنسبة للملايين الذين هُجروا قسراً من ديارهم في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، السلام يعني استعادة الكرامة المسلوبة، والعودة الآمنة إلى الأرض الزراعية والماشية، والعيش المشترك القائم على الاعتراف الكامل والمساواة الفعلية. هذه الشعوب، التي تحملت لعقود طويلة ويلات التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي، تدرك بعمق أن العنف ليس سوى التعبير الأخير عن فشل الدولة في احتواء تنوعها وتقديم العدالة لشعوبها المتعددة. لكن هذه الحرب الأخيرة، التي اندلعت في أبريل 2023، أضافت فصلاً جديداً ومؤلماً من المعاناة، حيث اكتوى “المركز” بنفس نيران “الهامش”. سكان الخرطوم الذين كانوا يظنون أنهم في معزل عن العنف، وسكان ولاية الجزيرة التي كانت سلة غذاء السودان والملاذ الآمن للنازحين، اكتشفوا أن الحرب لا تعرف حدوداً جغرافية أو قبلية، وأن الألم الإنساني واحد. هذا الألم الموحد الذي وحّد مصير النازح من الفاشر والنازح من أم درمان، هو ما يجعل الشعب السوداني، بكل مكوناته، القوة الأكثر إلحاحًا وصدقًا في البحث عن نهاية لهذا المسلسل الدموي المدمر.
للأسف، النزاعات المسلحة في السودان لم تكن مجرد صراعات عابرة على الموارد، بل كانت انعكاسًا لبنية دولة ركزت السلطة والثروة والتنمية في “المركز”، مهمشةً “الهامش” بشكل منهجي. مناطق مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق أصبحت مسرحًا لحروب مدمرة، نتيجة الإقصاء المتعمد من دوائر صنع القرار وتقاسم السلطة. ويقف شاهدًا على هذه الكلفة الباهظة، تاريخ جنوب السودان قبل الانفصال، الذي ظل مثالًا صارخًا على سياسات الدولة القائمة على الفوقية وعدم الاعتراف بقيمة التنوع والوحدة الطوعية؛ لقد كان الانفصال نفسه، رغم مرارته الوطنية، نتيجة حتمية لـ فشل النخب المتعاقبة في بناء “وحدة طوعية” قائمة على أساس المساواة في المواطنة والعدل في تقاسم الموارد والسلطة. هذه الخلفية التاريخية تؤكد أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون تفكيك تلك البنية الجائرة والبدء في مشروع وطني شامل يعترف بالتنوع ويقدم العدالة للجميع، وإلا ستظل الصراعات تتكرر وتتنقل وتتحور من منطقة إلى أخرى، مهددة بقاء الدولة.
شهدت الساحة السودانية منذ اندلاع القتال في أبريل 2023 عددًا كبيرًا من جهود السلام والهدنة، بدءاً من منبر جدة برعاية أمريكية سعودية، مروراً بجهود الإيغاد الإقليمية، وصولاً إلى المبادرة الأمريكية الأخيرة التي تسعى لتهدئة طويلة الأمد. جميع هذه المساعي، رغم تنوعها الإقليمي والدولي وتعبئة المبعوثين والخبراء، واجهت نهاية مؤسفة أو تعقيدات مستمرة ومماطلة متعمدة. إن كثرة المبادرات وعرقلتها المتكررة تشير بوضوح إلى أن المشكلة ليست في نقص الوسطاء أو الخرائط الدبلوماسية المتاحة، بل في موت الإرادة الحقيقية والملزمة للسلام لدى الأطراف المتنازعة. الهدنات قصيرة الأجل تُستغل عادة لإعادة التموضع العسكري والتحشيد، بدلاً من إتاحة فرصة مستدامة للإغاثة الإنسانية والجلوس الجاد على طاولة المفاوضات السياسية. هذه السلبية في التعامل مع جهود السلام، واختيار العناد على حساب الإنقاذ الإنساني، تعكس استخفافاً غير مقبول بمعاناة شعب بأكمله.
تختلف تعريفات السلام جوهريًا بين من يدفع الثمن ومن يمتلك قرار الحرب. بالنسبة للشعب السوداني، الذي فقد منازله ومصادر رزقه، السلام هو العودة إلى الحياة الكريمة، وتفعيل دور المؤسسات المدنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والمساواة الحقيقية في كل شبر من البلاد. السلام هو عملية جراحية لإزالة جذور التهميش والظلم.
أما بالنسبة لبعض القيادات العسكرية المتصارعة، فالوضع مختلف جذرياً؛ فهم محصنون عن الخطر المباشر، وأسرهم في الغالب بعيدة عن مرمى القصف، واستمرار القتال يخدم حساباتهم لتحقيق مكاسب استراتيجية أو للسيطرة على موارد البلاد. ولهذا، يُنظر إلى السلام كـمناورة سياسية أو عملية عسكرية يمكن تأجيلها أو رفضها أو تعطيلها بـشروط تعجيزية ومطالب غير واقعية، مثل إصرار طرف على انسحاب الطرف الآخر كشرط مسبق للهدنة الإنسانية. هذا الإصرار ليس سوى شكل مقنَّع لرفض السلام، ومحاولة لفرض إملاءات عسكرية على طاولة التفاوض.
هذا “الاغتراب القاسي” بين وجدان القيادة المشتغلة بالحرب ووجدان الشعب المكتوي بها يخلق أزمة ثقة عميقة. حين تُرفض الهدنة وتُعرقل المبادرات مثل منبر جدة أو المقترح الأمريكي، فإن الضريبة لا تُدفع من حسابات القادة، بل تُدفع يومياً من دم وكرامة المواطنين، وتنعكس في تزايد أعداد النازحين وتفاقم المجاعة والأوبئة. إنها مسؤولية تاريخية وإنسانية كبرى لا يمكن التهرب منها.
لقد ذاق كل السودان الآن، من أقصاه إلى أقصاه، مرارة الصراع. بعد أن عانت شعوب الهامش لعقود طويلة، وبعد أن تضررت مدن المركز تضرراً غير مسبوق، وبعد أن أصبح النزوح والمجاعة شبحاً يطاردنا جميعاً ويهدد كيان الدولة، يجب أن يُطرح سؤال قاسٍ ومُلِح على القيادات والنخب التي تحمل السلاح اليوم:
هل تريدون للحرب أن تمتد وتصل إلى كل شبر في شمال وشرق السودان، لكي تدركوا حينها فقط القيمة المطلقة للسلام والأمان؟ هل يجب أن يحترق الوطن بأكمله، وتنهار مؤسسات الدولة بشكل كامل، وتتحول بلادنا إلى ساحة صراع مفتوح، لتفهموا المعنى الحقيقي للمسؤولية الوطنية وضرورة السلام؟
كجزء من النسيج الاجتماعي السوداني الموحد في المعاناة، ندعو ونطالب النخب العسكرية التي تدير الصراع اليوم أن تتجاوز فكرة المكسب الصفري (Zero-Sum Game)، وتضع المصلحة العليا للشعب السوداني فوق أي مكاسب شخصية أو فئوية أو عسكرية ضيقة. السلام الحقيقي والدائم لا يمكن أن يُفرض بالإكراه، بل يجب أن ينبع من مسؤولية وطنية وقيم إنسانية مشتركة. حان الوقت لتدركوا أن رفض الهدنة والتعامل بسلبية مع المبادرات هو استمرار لتاريخ من الفشل لن يغفره لكم التاريخ، وأن صوت المعاناة في كل أنحاء السودان لم يعد صوتاً هامشياً يمكن تجاهله، بل هو صوت الوطن كله الذي يطالب بسلام عاجل وشامل ودائم، ليتمكن شعبنا من البدء في عملية إعادة بناء الدولة على أسس العدل والمساواة التي لا تحتمل التأجيل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.