
الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال – SPLM-N. بيان إلى المجتمع الإقليمي والدولي بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية في الحرب الدائرة.
بيان
الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال – SPLM-N.
بيان إلى المجتمع الإقليمي والدولي بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية في الحرب الدائرة.
إنّ الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وانطلاقًا من التزامات القانون الدولي والمعاهدات متعددة الأطراف، واستنادًا إلى مبادئ السودان الجديد وإلى إرث نضالي طويل في مواجهة الدولة المركزية ذات الطابع العنصري والعسكرة البنيوية، تتوجّه إلى الرأي العام الإقليمي والدولي، وإلى الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، لتضع أمامهم صورة واضحة وموثّقة عن الجرائم التي يرتكبها النظام السوداني الراهن بحق المدنيين، بما في ذلك استخدامه الأسلحة الكيماوية وغيرها من الأسلحة المحرّمة دوليًا، وما يترتب على ذلك من تهديد مباشر للأمن الإقليمي وانتهاك جسيم لقواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني.
أولًا: طبيعة النظام السوداني ومنهجه في العنف:
منذ الاستقلال وحتى اليوم، تناوبت على الحكم في الخرطوم أنظمة مركزية قامت بنيتها السياسية والأمنية على معادلة واحدة لا تتبدل: السودان “المفيد” مقابل السودان “الزائد”. النخب المركزية، سواء التي ارتدت ثوب الإسلام السياسي أو تلك المحسوبة على المؤسسة العسكرية التقليدية والثوي المدنية المتواطئة معها، اعتبرت مناطق الجنوب سابقًا، ودارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، والمناطق الطرفية حول الخرطوم، عبئًا بشريًا يمكن التخلص منه، أو إخضاعه، أو إسكاته وحرمانه من حقوق المواطنة المتساوية.
لقد قامت حرب الجنوب وحرب دارفور وحروب جبال النوبة والنيل الأزرق على المنطق نفسه: تجريم الضحية، إلباسها صفة “التمرد”، ثم تجريد السكان من إنسانيتهم وإخراجهم من دائرة المواطنة. ومثل كل الأنظمة القائمة على نفي الشعوب، لم تتردد هذه الدولة في اللجوء إلى أقصى أشكال العنف المحرم دوليًا كلما شعرت بأن سلطتها مهددة.
ثانيًا: استخدام الأسلحة الكيماوية كذروة لسياسة الإبادة إنّ ما وثّقته منظمات دولية معتمدة بحق حكومة السودان ليس شائعة عابرة ولا “حربًا إعلامية”. في عام 2016، قدّمت منظمة العفو الدولية توثيقًا واسعًا لاستخدام مواد كيماوية في جبل مرة، نتج عنها مئات الإصابات بين المدنيين، أغلبهم من الأطفال والنساء. لم يقبل النظام السوداني التحقيق المستقل، ولم يسمح بأي آلية شفافة، واكتفى بالإنكار، وهو السلوك ذاته الذي عرفه المجتمع الدولي عندما وُجهت الاتهامات إلى أنظمة مجرمة في أماكن أخرى من العالم.
وفي عام 2024، أثناء الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، أكّدت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عبر تقرير رسمي صادر بموجب التزاماتها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية أنّ الجيش السوداني استخدم أسلحة كيماوية محرمة دوليًا ضد خصومه وضد المدنيين. وقد تبع هذا الإعلان إجراءات عقابية، ومطالبة علنية من ممثلي الولايات المتحدة في الأمم المتحدة بأن تعترف حكومة السودان وتسمح بتحقيق مستقل.
إنّ رفض النظام الاعتراف، ورفضه تشكيل أو استقبال لجان تحقيق مستقلة، هو مؤشر واضح على نيته الاستمرار في الحرب لا إنهائها، واستمرار سياسة العقاب الجماعي ضد سكان الهامش باستخدام الأسلحة المحرمة دوليا.
ثالثًا: القانون الدولي بوصفه حكمًا واضحًا لا يقبل التأويل
بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية لعام 1993، يحظر على الدول الأطراف تطوير أو إنتاج أو تخزين أو نقل أو استخدام أي سلاح كيماوي تحت أي ظرف. السودان دولة طرف في الاتفاقية منذ عام 1999، وبالتالي فإن استخدام هذه الأسلحة يشكّل خرقًا جسيمًا لالتزاماته الدولية.
بموجب القانون الدولي الإنساني، واستخدام الغازات الخانقة والسامة، يُعدّ جريمة حرب، وتدخل ضمن الجرائم القابلة للملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، خصوصًا إذا ارتُكبت ضد المدنيين أو ضمن هجوم واسع النطاق ذو طابع ممنهج
إنّ الأسلحة الكيماوية ليست “وسيلة قتال”، بل أداة إبادة. استخدامها ضد مواطنيك ليس مجرد خرق قانوني، بل انهيار كامل للشرعية الأخلاقية والسياسية، ويجعل أي سلطة تمارس ذلك سلطة مجرمة لا تصلح لبناء دولة حديثة ولا لقيادة سلام.
رابعًا: رفض لجان التحقيق واستراتيجية إنكار السلام:
(OPCW) يرفض النظام السوداني كل أشكال التحقق في المستقل، سواء من منظمة حظر الأسلحة الكيماوية
أو من الأمم المتحدة، أو من آليات المجتمع المدني الدولي. وهو لا يعارض التحقيق فحسب، بل يفرض سردية عسكرية – قومية تعتبر أي تحقيق دولي مستقل “استهدافًا خارجيًا”، بينما الحقيقة أن التحقيق هو حماية للمدنيين وضمانة لتطبيق القانون الدولي.
إنّ الحكومة التي ترتكب هذه الجرائم، ثم ترفض التحقيق، ثم تُطالب العالم بالاعتراف بها بوصفها “حكومة سيادية”، هي حكومة ترفض السلام الحقيقي المبني على المواطنة والعدالة التاريخية واللامركزية. سلامها الوحيد هو سلام “منطق الديكتاتوريات العسكرية”، سلام يقبل قتل الهامش لحماية المركز، ويستبدل مفردة “الوطن” بمفردة “الجيش”
خامسًا: موقف الحركة الشعبية:
ترى الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال أن السلام الحقيقي لا يقوم على وقف مؤقّت لإطلاق النار أو تسويات جزئية تُرحّل جذور الأزمة، بل على معالجة ممنهجة لأسباب الصراع السوداني: التهميش التاريخي، المركزية الإقصائية، والعنف المؤسسي الذي حوّل مواطني الهامش إلى أهداف للحرب لا شركاء في الوطن. إنّ السلام الذي نطالب به هو سلامٌ يحفظ كرامة الإنسان السوداني دون تمييز، ويُرسّخ مبدأ المواطنة المتساوية، ويمنع تكرار الدورات الدموية للأزمة الوطنية.
وفي هذا السياق، فإنّ التحقيق في جرائم استخدام الأسلحة الكيماوية والأسلحة المحرّمة دوليًا ليس مطلبًا عقابيًا أو أداة لإضعاف طرفٍ لصالح آخر، بل استحقاق أخلاقي وقانوني لحماية المجتمع ومنع تكرار الجريمة. التحقيق المستقل ليس إدعاءً سياسيًا، بل شرط لبناء الثقة بين السودانيين ومؤسساتهم المستقبلية، وإشارة واضحة لكل الأطراف بأنّ حياة الإنسان لا يمكن أن تُختزل إلى وقود للمعارك أو أوراق تفاوض.
إنّ أي عملية سياسية تتجاوز هذا الملف أو تسعى لتجاوزه تُعيد إنتاج منطق السودان القديم، حيث تُمنَح القوى العسكرية حصانة مقابل استقرارٍ هش، بينما يبقى الألم قائمًا تحت السطح في انتظار انفجار جديد. لذا نرى أنّ إدماج آليات تحقيق مستقلة في أي مسار تفاوضي هو خطوة تأسيسية للسلام وليس عائقًا أمامه، لأنها:
– تحمي المدنيين بوضع حد لاستخدام الأسلحة المحرمة، وتُعيد تعريف قيمة الإنسان بوصفها حقًا غير قابل للمساومة
– تردّ الاعتبار للضحايا والمجتمعات المهمّشة، وتُعلن أن دماء أبناء الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق لا تقل قيمة عن دم أي مواطن آخر.
– تُعيد بناء الثقة في مستقبل الدولة عبر مصارحة عادلة مع الماضي، تمنع عسكرة المستقبل وتُرسّخ مبدأ سيادة القانون لا سلطة القوة.
– تنسجم مع التجارب العالمية الناجحة التي أثبتت أنّ السلام المستدام يولد من الاعتراف والعدالة، لا من الإنكار وتدوير العنف.
نخاطب المجتمع الدولي بروح الشراكة لا التنازع: لسنا ضد الحوار ولا الحلول السياسية، بل ضد تسويات تتجاهل الضحايا أو تحوّل جرائم كبرى إلى بنود هامشية. التحقيق المستقل ليس عقبة أمام السلام، بل جسرٌ نحو سلامٍ يتجاوز منطق الحرب ويؤسس لوطنٍ تُقاس قوته بقدرته على حماية مواطنيه لا إخضاعهم.
سادسًا: المطلوب من المجتمع الدولي
تدعو الحركة الشعبية الأمم المتحدة، ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، والدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية إلى اتخاذ إجراءات عملية ومسؤولة، تشمل:
(OPCW ) – فتح تحقيق كامل ومستقل تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية
بما في ذلك آلية التفتيش التحدّي، والوصول غير المقيّد للمواقع العسكرية والوثائق المرتبطة بالحرب
– تشكيل لجنة تحقيق أممية خاصة بجرائم استخدام الأسلحة الكيماوية في السودان، تضمن حماية الشهود وتوثيق الأدلة وتحديد المسؤوليات.
– فرض تدابير دولية موجهة ضد الجهات الرافضة للتعاون، بما يشمل العقوبات المالية، حظر السفر، ووقف الدعم العسكري والأمني..
– إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية عند توفر الأدلة الفنية الأولية، باعتبار استخدام الأسلحة الكيماوية جريمة حرب لا يجوز إدخالها في صفقات سياسية.
– ضمان حماية المدنيين وتوسيع الدعم الإنساني المستقل، إضافة إلى مراقبة دولية للوضع الميداني بعيدًا عن أجهزة القمع والهيمنة العسكرية.
سابعًا: نحو سلامٍ عادل يتجاوز الحرب:
تنطلق الحركة الشعبية من قناعة راسخة بأن السلام الحقيقي لا يعني هزيمة طرف أو انتصار آخر، بل إزاحة منطق الحرب ذاته من بنية الدولة والمجتمع. السلام الذي نطالب به هو سلامٌ يعترف بالألم الإنساني، ويعيد للضحايا مكانتهم وكرامتهم، ويمهّد لقطيعة تاريخية مع سياسات الإقصاء والإفلات من العقاب التي حوّلت فئات كاملة من المواطنين إلى مادة للعنف والتجارب الحربية.
إنّ بناء سودان جديد مستقر يتطلّب تفكيك المنظومات التي جعلت حياة الإنسان في الأطراف أقل قيمة، واعتماد مبادئ المساواة في المواطنة عبر العلمانية، واللامركزية، والعدالة التاريخية بوصفها الأساس الوحيد لدولة حديثة تُحترم فيها الحقوق دون تمييز. فالدولة العادلة والحديثة ليست دولة تُخضع مواطنيها أو تساوم على حياتهم، بل دولة تحميهم جميعًا، وتتعامل مع تنوعهم باعتباره مصدر قوة لا تهديدًا.
ونحن نؤكد أن الصمت أمام الجرائم الكبرى ليس حيادًا أخلاقيًا، بل تورطًا مباشرًا فيها. إنّ الوقوف إلى جانب الضحايا، والاعتراف بحقهم في العدالة والكرامة، هو واجب إنساني اصيل يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة أو توازنات القوة العسكرية. وفي هذا السياق، فإنّ المجتمع الدولي مطالب اليوم بأن ينحاز إلى الحق وإلى الإنسان، لا إلى سلطةٍ استخدمت أسلحة محرمة ضد مواطنيها ثم تطالب بالاعتراف بشرعيتها!
هذا هو السلام الذي نطرح بوصفه خيارًا أخلاقيًا ووطنيًا: سلامٌ يضمن الحياة قبل السلطة، والعدالة قبل المصالحة الشكلية، ويعيد للسودان معنى الدولة التي تُبنى المواطنة، وعلى الإنسان لا على إخضاعه.
الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال.
1 ديسمبر 2025
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.