“الحراك النسوي” على مر تاريخ الدولة السودانية: ما بين التقدُّمية والمُحافظة على الامتيازات عبر “الدولة الدينية”.

✍️🏽 غادة حسن مردوم

 

 

لبناء مشروع نسوي سياسي لابد من وضع وتحديد رؤية وأهداف واضحة ومُحدَّدة عبر استراتيجيات تسعى لتحقيق الُمساواة والقضاء علي العنف القائم علي أساس النوع الاجتماعي تجاه جميع نساء السودان عبر تنوُّع هوياتهن وتجاربهن المُختلفة مدعومة بأنشطة وسياسات تُعزِّز وتحمي حقوق النساء، لأن مبدأ العمل النسوي من مُبادرات ونقاشات وحوارات سواء كانت قديمة منها أو جديدة نجدها مُفرغة تماماً من البعد السياسي لأنها تُحدِّد الأولويات حسب أجنده المُموِّل والداعم للحراك والأنشطة والبرامج وتفرض تلك المشاريع والمُقترحات على النساء بعيداً عن العوامل الاجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية والتاريخية التي تُحدِّد وتُشكِّل السياق لنساء السودان وفق مبدأ “الإختزال والتعميم”.

 

دراسة نقدية لنموذج الإتحاد النسائي السوداني والحزب الشيوعي السوداني تجاه قضايا النساء عبر التاريخ والوقت الراهن:

الإتحاد النسائي السوداني طوال تاريخه النضالي كان يتم تعيين القيادة العليا له من قبل الحكومة، ويتم تقديم الدعم المالي لهذا التنظيم الذي تم إنشائه بواسطة السلطة بهدف تقديم الدعم لشريحة النساء لأنهن أغلبية، وكان الإتحاد النسائي يقوم بنشر الدعوة الإسلامية لدعم نظام الإنقاذ في دار المؤمنات بالأحياء الشعبية وله الفروع في جميع الأقاليم أو أي مهام أخري مثل دعم المُجاهدين ورفع الروح المعنوية بالزغاريد والتصفيق والأغاني الجهادية أمثال “أخوات نسبية” أو أي أجنده أخري تُحدِّد من قبل الحكومة “الذكورية” ويتم تعيين اللجنة المركزية من قبل رئيس الجمهورية ومما نتج عنه إقصاء وتهميش لبقيه النساء وقضاياهِنَّ وبذلك تسبَّب في ظهور الأشكال الاجتماعية التي ظهرت جلياً في وضعية النساء في السودان في جميع جوانب حياتهِنَّ وفق المُحدِّدات الثقافية والتراتبية الاجتماعية القائمة علي الفوقية والاستعلاء أدَّى إلى شرخ في الوجدان السوداني. لقد استثمر الإسلاميون التحالف بين “رجال الدين والتجار” لبناء بنية تحتية لطبقة جديدة وتم توظيف النساء فيها كـ”أدوات” لترسيخ الثقافة العربية الإسلامية – وهِنَّ في الأصل ضحايا لذلك – وذلك مُقابل منحهنَّ مكاسب محدودة خاضعة لرقابة الدولة وهي سلطة مُتحكِّمة ومُتمكِّنة من الجهاز الفكري الذي يسعَى للتفاوض حول شروطه في موقع الناقد وشروط النقد في مجال السلطة التي لا تتَّسم بالموضوعية ولا تُمثِّل الواقع من جانب موقع النساء ليُقدِّمنَّ صورة أكثر صدقاً ودقة بشأن كيفية إحداث تغيير اجتماعي عبر التفاعلات داخل المُجتمع السوداني.

نجد كل من الحزبين الشيوعي السوداني والجبهة الاسلامية القومية “المؤتمر الوطني” قد وضعا النساء في مكان الصدارة في مشاريع التغيير السياسي، لكن كمستودع للثقافة وأدوات لخدمة أهداف حركتيهما الذكوريتين اللتين حولتا النساء إلى “أداة” تأصيل للهوية العربية الإسلامية. لقد كان تحرير النساء “شعاراً” برَّاقاً في النضال السوداني، لكنه لم يُترجم إلى تغيير جذري للأدوار النوعية داخل الحزب ولم يُحقِّق أي عدالة اجتماعية في الواقع السوداني مما جعل النساء مركزا لإحياء الثقافة (العربية – الإسلامية) كجزء من مشروع بناء دولة “المشروع الحضاري “الإسلامو-عروبي” حسب تصوُّر الإسلاميين.

علاقة الحزب الشيوعي والإتحاد النسائي والمُتاجرة بالقضايا “النسوية” في السودان:

العلاقة بينهما هي علاقة توظيف واستخدام للنساء عبر قضاياهِنَّ كاحتياطي “عمالة نضالية” دون تمكين حقيقي، ولقد زعم الحزب الشيوعي – كأول من فتح عضويته للنساء إنه يسعى لتحريرهنَّ، إلَّا أنه تجاهل المشكلات “الجندرية” داخل هياكله، ورفض دعم أي نشاط للتغيير الجذري للأدوار الاجتماعية وكان ظاهراً في خطاب رئيس الاتحاد النسائي السوداني وعضو الحزب الشيوعي وما قدَّمته في جريدة “الفجر اللندنية” بتاريخ 2 مايو 1991 في تراجع عن مُحاربة “الختان” ولم يرُد الحزب الشيوعي على مقالتها برغم أن الختان يُعتبر عنف تجاه النساء وانتهاك لحقوق الإنسان.

يوجد تخبُّط فكري واضح في الهجوم على النسوية من قبل فاطمة أحمد إبراهيم – حيث قالت إنها مُعارضة للنسوية الغربية لأنها مُعادية للرجال، وتدعو للمثلية، وهنا يظهر الخلط بصورة واضحة عند الحديث عن حرية المرأة من منظور إسلامي، وكما رأينا كذلك نقد الأطروحات والهجوم علي النسويات في موقف “آمال عباس” في كتاب “مهيرة بنت عبود” وأنهن ضد (الاختلاط مع الرجال وارتداء الزي الفاضح والموضة والفجور) أظهر ذلك مدي اختزال مفهوم النسوية والتخبُّط الفكري والمفاهيمي للقضايا عبر استخدام مُغالطات “غير منطقية” بصرف النظر عن حقيقة المفهوم، حيث تناولت القضايا بطريقة ضحلة وتقليدية، وبذات النهج تناولت السيرة الذاتية لـما أسمتها بالمجاهدة “مهيرة بنت عبود بن إزيرق بن زرقان بن أحمد” و”المجاهدة” مُفردة ذات دلالة دينية، ومهيرة معروفة بالدور الذي تقوم به كحكامة، وكما يقول “الأعراب” هي التي تُحرِّض القبيلة علي القتال والسلب والنهب عبر تحريك “الغُدد الغضبية” للتأثير في الحرب النفسية وعملياتها بواسطة الشعر الحماسي وزرع الفتن بالاستنفار وشحذ الهمم كأداة من أدوات تحقيق الأهداف، وهذا لا صلة له بأي قضيه نسوية، ولا علاقة له بالنضال النسوي الذي يتصدَّى للبنى الفكرية والاجتماعية المشوَّهة. والمُدهش إن “آمال عباس” يتم تقديمها بأنها “رائده حقوق المرأة والمساواة في المنطقة الأفريقية والعربية”، وأنها أول من تحدَّثت عن قضية “الجندر” على المستوي السياسي والعسكري والاجتماعي في القرن العشرين.

نساء السودان مما يُسمينَّ بـ “الرائدات” نظَّرنَ لحرية المرأة من “منظور إسلامي”، وتناقُضهنَّ ظهر جلياً باستخدامهنَّ للدين كسلاح سياسي في منتدى أبريل 1984 الذي تناول قضايا النساء في ظل قوانين (سبتمبر-1983) وخطرها وخطورة الدولة الدينية) وكانت هنا المُفارقة العجيبة أن تتحدَّث فاطمة أحمد إبراهيم عن إن الشريعة الاسلامية تصلُّح للسودان، وهي ليست مُعوِّقاً لتقدُّم النساء، ولا تُساعد في تخلُّفهِنَّ، وإن الشريعة حقَّت حرِّيتهُن من “الوأد” والإسلام “دين ديمقراطي”. ولم يأخذ الحزب أي رد فعل كنوع من السلوك السياسي فيما قالته مما يظهر موقف الحزب تجاه قضايا النساء والدولة الدينية وإلى يومنا هذا يستمر الصمت دون أي خطوات حقيقية أو إظهار الجدية تجاه أي تغيير جذري في قضايا النساء.

التاريخ يكتبه المسيطر دوما والمُتماهي معه ولذلك نجد المكتبة السودانية خالية من أي توثيق دور النساء بشكل عام بالأحرى نجد أن هناك تحيُّز واضح لفئة مُحدَّدة واجحاف في دور نساء أخريات لهن أدوار مُهمَّة جدا في التاريخ النضالي للتحرُّر في السودان منذ وقت مُبكِّر جدا مثال (مندي بت السلطان عجبنا) التي قاتلت المستعمر بشراسة، وأخريات يمثلن أدوار محورية في تاريخنا السياسي كما كانت (الكنداكات) آنذاك اللائي حكمنَّ البلاد قبل الميلاد حيث تم تغييبهنَّ عن التاريخ. وإذا نظرنا إلى الأنظمة الاجتماعية إبتداءاً من الأسرة والجماعات الدينية أو الطوائف الاجتماعية وإلى الهياكل السياسية والقانونية والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية وأجهزه الإعلام لرأينا ما يتخلَّلها ويتغلغل فيها من تعابير وقيم تنطوي عليها التمييز ضد النساء وتُرسخ التراتبية الاجتماعية المُستندة إلى النوع في الدولة السودانية.

إذن الحزبين الشيوعي والحركة الإسلامية يتميزان بثنائية الطرح بين التقدمية والمحافظة، بين الطرح العلماني والديني. وقد انتهى خطابهما إلى نفس النموذج في التعامل مع قضية النساء في السودان واختزالهن في أدوار حاملات الثقافة، وان اختلفت مضامينها ما بين (الاشتراكية – الإسلام) وهناك تجاهل لحركات نسوية خارج المركز في كل من جبال النوبة ودارفور والفونج. ونجد الحركة الإسلامية والشيوعية والتناقض الأيديولوجي بينهما والعداء الظاهر بين الإسلاميين والشيوعيين لم يمنع اتفاقهما على أدوار النساء، وكشف عن آليات التوظيف السياسي للـ”جندر” سواء عبر شعارات التحرُّر أو الحفاظ على الهوية العربية.

الوعي ضرورة لتحرير النساء:

كما قال ماركس أن الوعي بأفكار الإنسان هي انبثاق لحالته المادية ويربط الفكر بالواقع الملموس مثال: (واقع الفقر وحده لا يشعل الثورة وإنما الوعي بالفقر هو المحرك للجماهير وبذلك لا توجد أفكار في الفراغ بل هي انعكاس للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها والأفكار بالحرية والعدالة وتظهر عندما يشعر الناس بغيابها).

وبذلك فواقع النساء في السودان وجميع تجاربهنَّ في إنشاء حراك نسوي نجد اختلاف في الحاجات والأهداف ولا يوجد وعي مُشترك بين النساء لأن عمليه تحويل المعاناة والآلام التي تعيشها النساء إلى وعي هي ليست عملية تحويل سهلة بأي حال لأن القرون الطويلة من المعاناة أو القهر وتغيير الإنسان رجلاً كان أم امرأة، والعبودية الطويلة تشوِّه طبيعة الانسان وتغيرها ليصبح الإنسان ضعيفاً وجبان بعد أن كان شجاعاً، ويصبح القهر جزءاً من التكوين النفسي والعقلي والجسدي للعبد، ويصبح القهر كنوع من الدفاع النفسي ضد الألم، لهذا السبب تتحوَّل النساء من “مقهورات” إلى “قاهرات” لأنفسهن ومشوَّهات عبر الوعي الزائف، أي تصور المرأة تجاه الرجل أو المجتمعات هو أفضل من التغيير وبذلك الحركة النسوية تعتمد أساسا علي تحرير عقول النساء من الوعي الزائف وتحرير طبيعة النساء من ذلك التشويه الذي حدث لهن عقلاً ونفساً وجسداً، ومن هنا تختلف الحركات النسوية عن غيرها، لذا ننشد الثورة النفسية والعقلية والقيم والوظائف التي سميت بالطبيعة الأنثوية ولا يمكن أن ندرك معني النضال ضد مجموعة القيم والصفات التي يطلق عليها طبيعة المرأة، وهو تشويه اجتماعي ونفسي عميق حدث للنساء منذ نشؤ المجتمع الطبقي والأبوي الذي أنتج الطبيعة المزيفة، وان النضال المطلوب هو من أجل تحرير النساء من أنفسهن وهذا يتطلب مجهود فردي لا ينوب عنهنَّ شخص في هذا العمل رغم صعوبة هذا التحرُّر النفسي إلا أنه ضروري لقيام حراك نسوي. واستمرار الحركة النسائية ونجاحها يعتمد على حركة نسوية جماعية، والحركة التي يقوم بها أفراد استطاعوا أن يحقَّقوا الثورة الفردية في حياتهم الخاصة والعامة، وهي ثورة حقيقية وهي التي تقوم بها الجماهير عن وعي وإدراك لأهدافهم ومصالحهم، وإن الثورة التي تُطلق عليها ثورة لم تكن الا حركة لمجموعة من النساء في السودان، ومن مُختلف الاتجاهات والأهداف، ولم تصل لأي تغيير جذري وحقيقي لقضية النساء في السودان.

“الحراك النسوي” على مر تاريخ الدولة السودانية: ما بين التقدُّمية والمُحافظة على الامتيازات عبر “الدولة الدينية”.

 

غادة حسن مردوم

لبناء مشروع نسوي سياسي لابد من وضع وتحديد رؤية وأهداف واضحة ومُحدَّدة عبر استراتيجيات تسعى لتحقيق الُمساواة والقضاء علي العنف القائم علي أساس النوع الاجتماعي تجاه جميع نساء السودان عبر تنوُّع هوياتهن وتجاربهن المُختلفة مدعومة بأنشطة وسياسات تُعزِّز وتحمي حقوق النساء، لأن مبدأ العمل النسوي من مُبادرات ونقاشات وحوارات سواء كانت قديمة منها أو جديدة نجدها مُفرغة تماماً من البعد السياسي لأنها تُحدِّد الأولويات حسب أجنده المُموِّل والداعم للحراك والأنشطة والبرامج وتفرض تلك المشاريع والمُقترحات على النساء بعيداً عن العوامل الاجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية والتاريخية التي تُحدِّد وتُشكِّل السياق لنساء السودان وفق مبدأ “الإختزال والتعميم”.

 

دراسة نقدية لنموذج الإتحاد النسائي السوداني والحزب الشيوعي السوداني تجاه قضايا النساء عبر التاريخ والوقت الراهن:

 

الإتحاد النسائي السوداني طوال تاريخه النضالي كان يتم تعيين القيادة العليا له من قبل الحكومة، ويتم تقديم الدعم المالي لهذا التنظيم الذي تم إنشائه بواسطة السلطة بهدف تقديم الدعم لشريحة النساء لأنهن أغلبية، وكان الإتحاد النسائي يقوم بنشر الدعوة الإسلامية لدعم نظام الإنقاذ في دار المؤمنات بالأحياء الشعبية وله الفروع في جميع الأقاليم أو أي مهام أخري مثل دعم المُجاهدين ورفع الروح المعنوية بالزغاريد والتصفيق والأغاني الجهادية أمثال “أخوات نسبية” أو أي أجنده أخري تُحدِّد من قبل الحكومة “الذكورية” ويتم تعيين اللجنة المركزية من قبل رئيس الجمهورية ومما نتج عنه إقصاء وتهميش لبقيه النساء وقضاياهِنَّ وبذلك تسبَّب في ظهور الأشكال الاجتماعية التي ظهرت جلياً في وضعية النساء في السودان في جميع جوانب حياتهِنَّ وفق المُحدِّدات الثقافية والتراتبية الاجتماعية القائمة علي الفوقية والاستعلاء أدَّى إلى شرخ في الوجدان السوداني. لقد استثمر الإسلاميون التحالف بين “رجال الدين والتجار” لبناء بنية تحتية لطبقة جديدة وتم توظيف النساء فيها كـ”أدوات” لترسيخ الثقافة العربية الإسلامية – وهِنَّ في الأصل ضحايا لذلك – وذلك مُقابل منحهنَّ مكاسب محدودة خاضعة لرقابة الدولة وهي سلطة مُتحكِّمة ومُتمكِّنة من الجهاز الفكري الذي يسعَى للتفاوض حول شروطه في موقع الناقد وشروط النقد في مجال السلطة التي لا تتَّسم بالموضوعية ولا تُمثِّل الواقع من جانب موقع النساء ليُقدِّمنَّ صورة أكثر صدقاً ودقة بشأن كيفية إحداث تغيير اجتماعي عبر التفاعلات داخل المُجتمع السوداني.

 

نجد كل من الحزبين الشيوعي السوداني والجبهة الاسلامية القومية “المؤتمر الوطني” قد وضعا النساء في مكان الصدارة في مشاريع التغيير السياسي، لكن كمستودع للثقافة وأدوات لخدمة أهداف حركتيهما الذكوريتين اللتين حولتا النساء إلى “أداة” تأصيل للهوية العربية الإسلامية. لقد كان تحرير النساء “شعاراً” برَّاقاً في النضال السوداني، لكنه لم يُترجم إلى تغيير جذري للأدوار النوعية داخل الحزب ولم يُحقِّق أي عدالة اجتماعية في الواقع السوداني مما جعل النساء مركزا لإحياء الثقافة (العربية – الإسلامية) كجزء من مشروع بناء دولة “المشروع الحضاري “الإسلامو-عروبي” حسب تصوُّر الإسلاميين.

 

علاقة الحزب الشيوعي والإتحاد النسائي والمُتاجرة بالقضايا “النسوية” في السودان:

 

العلاقة بينهما هي علاقة توظيف واستخدام للنساء عبر قضاياهِنَّ كاحتياطي “عمالة نضالية” دون تمكين حقيقي، ولقد زعم الحزب الشيوعي – كأول من فتح عضويته للنساء إنه يسعى لتحريرهنَّ، إلَّا أنه تجاهل المشكلات “الجندرية” داخل هياكله، ورفض دعم أي نشاط للتغيير الجذري للأدوار الاجتماعية وكان ظاهراً في خطاب رئيس الاتحاد النسائي السوداني وعضو الحزب الشيوعي وما قدَّمته في جريدة “الفجر اللندنية” بتاريخ 2 مايو 1991 في تراجع عن مُحاربة “الختان” ولم يرُد الحزب الشيوعي على مقالتها برغم أن الختان يُعتبر عنف تجاه النساء وانتهاك لحقوق الإنسان.

 

يوجد تخبُّط فكري واضح في الهجوم على النسوية من قبل فاطمة أحمد إبراهيم – حيث قالت إنها مُعارضة للنسوية الغربية لأنها مُعادية للرجال، وتدعو للمثلية، وهنا يظهر الخلط بصورة واضحة عند الحديث عن حرية المرأة من منظور إسلامي، وكما رأينا كذلك نقد الأطروحات والهجوم علي النسويات في موقف “آمال عباس” في كتاب “مهيرة بنت عبود” وأنهن ضد (الاختلاط مع الرجال وارتداء الزي الفاضح والموضة والفجور) أظهر ذلك مدي اختزال مفهوم النسوية والتخبُّط الفكري والمفاهيمي للقضايا عبر استخدام مُغالطات “غير منطقية” بصرف النظر عن حقيقة المفهوم، حيث تناولت القضايا بطريقة ضحلة وتقليدية، وبذات النهج تناولت السيرة الذاتية لـما أسمتها بالمجاهدة “مهيرة بنت عبود بن إزيرق بن زرقان بن أحمد” و”المجاهدة” مُفردة ذات دلالة دينية، ومهيرة معروفة بالدور الذي تقوم به كحكامة، وكما يقول “الأعراب” هي التي تُحرِّض القبيلة علي القتال والسلب والنهب عبر تحريك “الغُدد الغضبية” للتأثير في الحرب النفسية وعملياتها بواسطة الشعر الحماسي وزرع الفتن بالاستنفار وشحذ الهمم كأداة من أدوات تحقيق الأهداف، وهذا لا صلة له بأي قضيه نسوية، ولا علاقة له بالنضال النسوي الذي يتصدَّى للبنى الفكرية والاجتماعية المشوَّهة. والمُدهش إن “آمال عباس” يتم تقديمها بأنها “رائده حقوق المرأة والمساواة في المنطقة الأفريقية والعربية”، وأنها أول من تحدَّثت عن قضية “الجندر” على المستوي السياسي والعسكري والاجتماعي في القرن العشرين.

 

نساء السودان مما يُسمينَّ بـ “الرائدات” نظَّرنَ لحرية المرأة من “منظور إسلامي”، وتناقُضهنَّ ظهر جلياً باستخدامهنَّ للدين كسلاح سياسي في منتدى أبريل 1984 الذي تناول قضايا النساء في ظل قوانين (سبتمبر-1983) وخطرها وخطورة الدولة الدينية) وكانت هنا المُفارقة العجيبة أن تتحدَّث فاطمة أحمد إبراهيم عن إن الشريعة الاسلامية تصلُّح للسودان، وهي ليست مُعوِّقاً لتقدُّم النساء، ولا تُساعد في تخلُّفهِنَّ، وإن الشريعة حقَّت حرِّيتهُن من “الوأد” والإسلام “دين ديمقراطي”. ولم يأخذ الحزب أي رد فعل كنوع من السلوك السياسي فيما قالته مما يظهر موقف الحزب تجاه قضايا النساء والدولة الدينية وإلى يومنا هذا يستمر الصمت دون أي خطوات حقيقية أو إظهار الجدية تجاه أي تغيير جذري في قضايا النساء.

التاريخ يكتبه المسيطر دوما والمُتماهي معه ولذلك نجد المكتبة السودانية خالية من أي توثيق دور النساء بشكل عام بالأحرى نجد أن هناك تحيُّز واضح لفئة مُحدَّدة واجحاف في دور نساء أخريات لهن أدوار مُهمَّة جدا في التاريخ النضالي للتحرُّر في السودان منذ وقت مُبكِّر جدا مثال (مندي بت السلطان عجبنا) التي قاتلت المستعمر بشراسة، وأخريات يمثلن أدوار محورية في تاريخنا السياسي كما كانت (الكنداكات) آنذاك اللائي حكمنَّ البلاد قبل الميلاد حيث تم تغييبهنَّ عن التاريخ.

 

وإذا نظرنا إلى الأنظمة الاجتماعية إبتداءاً من الأسرة والجماعات الدينية أو الطوائف الاجتماعية وإلى الهياكل السياسية والقانونية والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية وأجهزه الإعلام لرأينا ما يتخلَّلها ويتغلغل فيها من تعابير وقيم تنطوي عليها التمييز ضد النساء وتُرسخ التراتبية الاجتماعية المُستندة إلى النوع في الدولة السودانية.

 

إذن الحزبين الشيوعي والحركة الإسلامية يتميزان بثنائية الطرح بين التقدمية والمحافظة، بين الطرح العلماني والديني. وقد انتهى خطابهما إلى نفس النموذج في التعامل مع قضية النساء في السودان واختزالهن في أدوار حاملات الثقافة، وان اختلفت مضامينها ما بين (الاشتراكية – الإسلام) وهناك تجاهل لحركات نسوية خارج المركز في كل من جبال النوبة ودارفور والفونج. ونجد الحركة الإسلامية والشيوعية والتناقض الأيديولوجي بينهما والعداء الظاهر بين الإسلاميين والشيوعيين لم يمنع اتفاقهما على أدوار النساء، وكشف عن آليات التوظيف السياسي للـ”جندر” سواء عبر شعارات التحرُّر أو الحفاظ على الهوية العربية.

 

الوعي ضرورة لتحرير النساء:

 

كما قال ماركس أن الوعي بأفكار الإنسان هي انبثاق لحالته المادية ويربط الفكر بالواقع الملموس مثال:

 

(واقع الفقر وحده لا يشعل الثورة وإنما الوعي بالفقر هو المحرك للجماهير وبذلك لا توجد أفكار في الفراغ بل هي انعكاس للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها والأفكار بالحرية والعدالة وتظهر عندما يشعر الناس بغيابها).

 

وبذلك فواقع النساء في السودان وجميع تجاربهنَّ في إنشاء حراك نسوي نجد اختلاف في الحاجات والأهداف ولا يوجد وعي مُشترك بين النساء لأن عمليه تحويل المعاناة والآلام التي تعيشها النساء إلى وعي هي ليست عملية تحويل سهلة بأي حال لأن القرون الطويلة من المعاناة أو القهر وتغيير الإنسان رجلاً كان أم امرأة، والعبودية الطويلة تشوِّه طبيعة الانسان وتغيرها ليصبح الإنسان ضعيفاً وجبان بعد أن كان شجاعاً، ويصبح القهر جزءاً من التكوين النفسي والعقلي والجسدي للعبد، ويصبح القهر كنوع من الدفاع النفسي ضد الألم، لهذا السبب تتحوَّل النساء من “مقهورات” إلى “قاهرات” لأنفسهن ومشوَّهات عبر الوعي الزائف، أي تصور المرأة تجاه الرجل أو المجتمعات هو أفضل من التغيير وبذلك الحركة النسوية تعتمد أساسا علي تحرير عقول النساء من الوعي الزائف وتحرير طبيعة النساء من ذلك التشويه الذي حدث لهن عقلاً ونفساً وجسداً، ومن هنا تختلف الحركات النسوية عن غيرها، لذا ننشد الثورة النفسية والعقلية والقيم والوظائف التي سميت بالطبيعة الأنثوية ولا يمكن أن ندرك معني النضال ضد مجموعة القيم والصفات التي يطلق عليها طبيعة المرأة، وهو تشويه اجتماعي ونفسي عميق حدث للنساء منذ نشؤ المجتمع الطبقي والأبوي الذي أنتج الطبيعة المزيفة، وان النضال المطلوب هو من أجل تحرير النساء من أنفسهن وهذا يتطلب مجهود فردي لا ينوب عنهنَّ شخص في هذا العمل رغم صعوبة هذا التحرُّر النفسي إلا أنه ضروري لقيام حراك نسوي. واستمرار الحركة النسائية ونجاحها يعتمد على حركة نسوية جماعية، والحركة التي يقوم بها أفراد استطاعوا أن يحقَّقوا الثورة الفردية في حياتهم الخاصة والعامة، وهي ثورة حقيقية وهي التي تقوم بها الجماهير عن وعي وإدراك لأهدافهم ومصالحهم، وإن الثورة التي تُطلق عليها ثورة لم تكن الا حركة لمجموعة من النساء في السودان، ومن مُختلف الاتجاهات والأهداف، ولم تصل لأي تغيير جذري وحقيقي لقضية النساء في السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.