التحالف أم التماهي؟ تفكيك خطاب التطابق والانتهازية الحقوقية في سياق تحالف “تأسيس: 2-2

خالد كودي، بوسطن، 24/ 3/ 2025

 

تحالف “تأسيس”: بين الرؤية والمسؤولية التاريخية:

إن تحالف “تأسيس”، الذي وُقّع في نيروبي بين الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال وقوات الدعم السريع، ليس سوى تحالف سياسي تأسّس على الحد الأدنى من الاتفاق حول قضايا مصيرية لا يمكن تجاهلها في لحظة الانهيار الوطني الكامل، وفي مقدمتها:

– تفكيك سلطة الأمر الواقع التي رسختها قوى الثورة المضادة بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021

– إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس مدنية تعددية، تقطع مع المركزية الإثنو-دينية ونظام الامتيازات الموروث.

– فتح مسارات المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين في مناطق النزاع، التي عانت لعقود من التهميش والخذلان.

– تأسيس منظومة عدالة تاريخية شاملة ترفض الإفلات من العقاب، وتُحمّل المسؤولية الفردية لكل من ارتكب جرائم.

بناءً على هذا، فإن تصوير التحالف وكأنه تفويض أخلاقي أو تماهٍ سياسي مع كل ما جرى من انتهاكات، هو تزوير فجّ لوقائع واضحة. فالحركة الشعبية لم تُغير رؤيتها المبدئية حول العدالة والمحاسبة، بل أعادت تأكيدها بوضوح في وثائقها التأسيسية، التي تنص صراحةً على أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة لا تخضع لمساومات سياسية

بل إن الحركة الشعبية، كما أوضح سجلها العملي، كانت من بين القلائل الذين واجهوا الدعم السريع بالموقف الأخلاقي والسياسي عندما علّقت التفاوض مع حكومة الثورة آنذاك بسبب خروقات الدعم السريع، الذي كان يمثل السلطة الرسمية حينها. أي أن رفض الانتهاكات لم يكن موقفًا انتقائيًا أو انتهازيًا، بل ثابتًا أصيلًا في بنيتها الفكرية والسياسية.

التحالف، إذًا، لا يعني التخلي عن المبادئ، بل استخدام ما هو متاح في لحظة تاريخية حرجة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البلاد، ومنح مشروع العدالة فرصة للحياة. إن القوى التي تقف ضد هذا التحالف دون أن تقدّم بديلًا عمليًا، لا تحارب الانتهاك كما تزعم، بل تحارب فكرة أن التغيير الحقيقي بات ممكنًا – فقط لأنه لم يعد يمر عبر بواباتها التقليدية.

: تفكيك تزييف المصطلحات وانتهازية الخطاب

في ضوء ما تقدّم من تفريق ضروري بين التحالف والتطابق، تتكشف طبيعة الحملات الممنهجة التي تستهدف تحالف “تأسيس” والحركة الشعبية تحديدًا، لا بوصفها فاعلًا سياسيًا عاديًا، بل لكونها حاملة لمشروع تحولي يهدد بإزاحة النظام القائم بأكمله، لا استبداله بواجهة جديدة. ولهذا، تُمارس ضدها واحدة من أقدم تقنيات الحرب النفسية والسياسية:

تزييف المصطلحات، والتلاعب بمفاهيم المسؤولية، والتشويش على الفروق الأخلاقية والسياسية بين الأطراف، لإغراق الناس في ضباب كثيف من الالتباس المُمنهج.

لقد باتت بعض الأصوات – ممن أدمنوا الوقوف على حافة الموقف، أو مارسوا المعارضة كوسيلة للحفاظ على الامتياز – تردّد خطابًا اختزاليًا يُحمّل الحركة الشعبية تبعات كل ما ارتكبته قوات الدعم السريع، لا لشيء إلا لأنها وقّعت معها على تحالف سياسي حول اهداف ليس من بينها ارتكاب الجرائم. هذا الخطاب، الذي يتجاهل المبادئ الأولية للمساءلة السياسية، يُذكّرنا بما حذّر منه نعوم تشومسكي حين قال:

“You’re responsible for the predictable consequences of your own actions. You’re not responsible for the predictable consequences of somebody else’s actions.”

لكن أصحاب هذا الخطاب لا يسعون إلى العدل، بل إلى مصادرة الحقيقة لصالح توازنات خطابية تخدم مصالحهم. إنهم يتعمدون الخلط بين المسؤولية السياسية والأخلاقية من جهة، والتواطؤ أو التطابق والاندماج التنظيمي من جهة أخرى، ويُسقطون أي تفكير نقدي لصالح ابتزاز لغوي رخيص يحوّل مفاهيم واضحة إلى أدوات تشويه.

وهم بهذا المعنى لا يختلفون عن النخب التي حذّر منها المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حين قال:

“كل أزمة تاريخية كبرى هي، في العمق، أزمة في قيادة النخبة: عندما تعجز النخبة عن التجديد، وتتمسك بأدواتها القديمة، فإنها تتحول إلى أداة قمع لا وعي لها”

هؤلاء الذين يمارسون القمع والاحتيال الرمزي باسم حقوق الإنسان، لا يدافعون عن الضحايا، بل يحاولون احتكار تمثيلهم والحديث باسمهم دون تفويض، ويختزلون معاناتهم في ملف سياسي يستخدمونه لمصادرة المستقبل. لقد غاب عن هؤلاء أن مشروع العدالة لا يُبنى على الشكليات، بل على إرادة فعل جذرية تعترف بالضحايا، وتُفكك البنية التي صنعت الجريمة، لا فقط تُدين منفذها.

في هذا السياق، لا بد من إعادة التأكيد على أن تحالف “تأسيس” لم يأت كترضية لأحد، ولا كمناورة تكتيكية، بل كاستجابة تاريخية لانسداد وطني شامل، ولكونه يحمل مبادئ واضحة في إدانة الجرائم والمحاسبة، وفي جعل العدالة ركيزةً لا مساومة فيها. وأي محاولة لتجريم هذا التحالف، دون فهم السياق، ودون تقديم بديل عملي، هي انتهازية أخلاقية تتستر بغطاء القانون لتعيد إنتاج منطق القوة والمركزية والإقصاء، وهذا ما تفعله حكومة بورتسودان.

لقد أظهر التاريخ – من جنوب أفريقيا إلى إيرلندا الشمالية – أن التحالفات في لحظات الانهيار لا تعني التواطؤ، بل قد تكون الممر الوحيد لبناء سلام عادل. وكما قالت القاضية الجنوب أفريقية ألبي ساكس، أحد رموز العدالة الانتقالية:

“العدالة لا تتحقق عبر الحقد، بل عبر التصميم على ألا تتكرر الجريمة مرة أخرى، أبدًا”

إن هذا هو بالضبط جوهر مشروع “تأسيس”: وقف الحرب، ومنع تكرار الانتهاك، وبناء دولة تُحاسِب ، وتُذكّر ولا تُزيّف.

وأي محاولة للالتفاف على هذا المشروع عبر سحب المصطلحات من سياقها هي محاولة لإبقاء السودان في دائرة الخراب.

التحالف كمسؤولية تاريخية لا كتنازل أخلاقيفي مواجهة الانتهازية الحقوقية:

تفكيك التوظيف الزائف لخطاب حقوق الإنسان في صلب الحملة التي تستهدف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال وتحالف “تأسيس”، تبرز واحدة من أخطر أدوات التشويش: الاستغلال الانتهازي لخطاب حقوق الإنسان.

وهي ليست حملة عابرة، بل امتداد منطقي لنمط قديم درجت عليه النخب المأزومة التي، كلما شعرت أن مشروع السودان الجديد بات ممكنًا، استعادت أدواتها الأثيرة في المزايدة الأخلاقية، والتزييف الخطابي، وتجيير مفاهيم العدالة لخدمة مصالحها المتآكلة موظفة لهذه المهمة الجهلة، و الانتهازيين.

في هذا السياق، يروّج خصوم مشروع “تأسيس” لدعوى باطلة مفادها أن الحركة الشعبية، بتحالفها مع قوات الدعم السريع، تكون قد تبنّت، بصورة أو بأخرى، سجل الانتهاكات المنسوب لتلك القوات، بل وصارت مسؤولة عن أي انتهاكات مستقبلية محتملة! واي احتيال غبي هذا؟

وهذه دعوى تُقوَّض على ثلاثة مستويات مترابطة: القانوني، الأخلاقي، والسياسي-التاريخي:

: ١/ قانونيًا

تنص مبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، على أن المسؤولية الجنائية فردية، ولا يجوز تحميل كيان سياسي مسؤولية أفعال طرف آخر لم يكن له دور مباشر في إصدار الأوامر أو تنفيذ الانتهاكات. التحالف السياسي لا يُنتج مسؤولية قانونية جماعية، إلا إذا ارتبط بمشاركة فاعلة في الجريمة، وهو ما لا ينطبق على الحركة الشعبية. فالحركة ظلت باستمرار تُدين الجرائم ضد المدنيين، وعلّقت التفاوض مع حكومة الثورة حين كانت قوات الدعم السريع ترتكب خروقات ميدانية – ما يثبت من حيث السلوك السياسي أنها لم تتواطأ، بل واجهت التجاوزات.

٢/ أخلاقيًا وفلسفيًا:

يشير الفيلسوف السياسي مايكل والزر إلى أن “التحالف لا يُفترض أن يُبرّئ الشريك من جرائمه، بل يُمكن – بل يجب – أن يكون وسيلة للضغط الأخلاقي عليه”. فالتحالف، في سياق التحول السياسي، هو مساحة اشتباك معقدة بين المبدأ والواقع، يُستخدم فيها النفوذ السياسي لإعادة توجيه مسارات القوة، لا لتجميلها بل لوجيهها نحو المتحالف عليه..

وتذهب حنة آرنت أبعد من ذلك حين تكتب:

“الشر لا يُواجه بالعزلة، بل بتفكيك ظروفه من الداخل والخارج”.

وهذا بالضبط ما تسعى إليه الحركة الشعبية: تحويل موقعها داخل المعادلة السياسية إلى وسيلة لتفكيك بنية العنف من الداخل، وليس الهروب منها أو الوقوف على هامشها بتعالٍ عديم الجدوى او بسطحية غير منتجة.

: ٣/ سياسيًا وتاريخيًا

لقد عرف التاريخ الحديث عشرات التحالفات التكتيكية والاستراتيجبة حتي التي جمعت بين أطراف متباينة، بل متناقضة، دون أن يُحمَّل طرفٌ مسؤولية الآخر. والأمثلة كثيرة:

– في الحرب العالمية الثانية، تحالف الحلفاء ضد النازية جمع بين الديمقراطيات الغربية (الولايات المتحدة، بريطانيا) والدولة السوفييتية الستالينية شخصيا. لم يكن ذلك تحالفًا منطقيا، بل ضرورة تاريخية لهزيمة الفاشية.

– في جنوب أفريقيا، تحالفت قوى ليبرالية من البيض مع المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة نيلسون مانديلا، دون أن يعني ذلك تحميل المؤتمر إرث الفصل العنصري.

– وفي إيرلندا الشمالية، أدّى اتفاق الجمعة العظيمة إلى دمج الجماعات المسلحة داخل العملية السياسية، كجزء من مشروع سلام مستدام لم يكن ممكنًا دون تسويات صعبة.

كل هذه الأمثلة تؤكد أن التحالف السياسي لا يعني التطابق ولا الاندماج، بل إدارة التعقيد، وتوظيفه لتحقيق هدف أعلى، وهو في حالة السودان:

وقف الحرب، تفكيك الدولة المركزية، وبناء منظومة عدالة تاريخية شاملة.

اخيرا: المشروع مقابل الانتحال:

ما تمارسه بعض الأقلام من ربط مباشر وساذج بين الحركة الشعبية والانتهاكات المرتكبة من طرف قوات الدعم السريع، ليس إلا محاولة خبيثة لاختزال مشروع تاريخي في عنوان تحالفي معلوم الاهداف. إنه تزييف يُقصَد به إضعاف المضمون الحقيقي للسودان الجديد، من خلال الانقضاض على أدواته، وتجريمه لإعاقة انتاج تغييرًا حقيقيًا. هذه الحملة تفضح الإفلاس السياسي والأخلاقي لمن يخشون أي مشروع لا يتكئ على هياكلهم البالية.

إن الدفاع عن حق الحركة الشعبية في التحالف السياسي التكتيكي لا يعني الدفاع عن جرائم أحد، بل هو دفاع عن القدرة على التفكير الاستراتيجي، والمضي بثبات في طريق التغيير الحقيقي، دون السقوط في فخ التماهي أو التنازلات المبدئية ومن لا يفهم الفرق، أو يتعمد طمسه، لا يحارب الجريمة – بل يحارب السياسة بوصفها أداة للتحرر والتحوّل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.