
البرهان وكيكل… حين وضع الحبل حول رقبته: الدولة التي أهدتنا مجرمًا مرتين ( مرافعة قانونية )
بقلم✍️🏽: عمار نجم الدين
حين اتخذ الاتحاد الأوروبي قراره بفرض عقوبات مباشرة على المدعو “كيكل”، لم يكن ذلك فقط توصيفًا لحالة فردية خرجت عن السيطرة، بل كان بمثابة تشخيص دقيق لمنهجية الجريمة داخل الدولة السودانية. لقد أُدرج كيكل ضمن قائمة العقوبات باعتباره قائد مليشيا ارتكب انتهاكات ممنهجة ضد المدنيين في ولاية الجزيرة: اغتصاب، تطهير عرقي، نهب، تهجير، واستخدام العنف الجنسي كسلاح حربي.
لكن خلف هذا الوجه الإجرامي، ثمة وجه آخر أكثر خطورة، ظل يختبئ خلف عباءة الدولة: عبد الفتاح البرهان.
لم يكن كيكل حرًّا في قراراته. كان ضابطًا في جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للجيش، تم زرعه داخل الدعم السريع في عملية اختراق مُخطط لها بدقة من قبل القيادة العامة. لقد دخل كيكل إلى الدعم السريع بمباركة استخباراتية، وتحرك بغطاء رسمي، ونفذ أوامره بصفته ضابط ارتباط تابع للجيش وليس كمجند عادي. ثم خرج منه في اللحظة المحددة، ليعود إلى مؤسسته الأصلية — الجيش السوداني — ويُستخدم مجددًا في ذات المنطقة الجغرافية التي سفك فيها الدم: ولاية الجزيرة.
من منظور القانون الجنائي الدولي، فإن عبد الفتاح البرهان قد وضع الحبل بيده حول عنقه وعنق كيكل، بتكريس نموذج مركّب من الجريمة الممنهجة، تتحقق فيه ثلاثة أركان قانونية واضحة:
المسؤولية القيادية المباشرة:
وفقًا للمادة (28) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُحمّل القادة العسكريين المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا يعلمون، أو كان ينبغي أن يعلموا، بوقوع تلك الجرائم، ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
الاشتراك الجنائي والتحريض:
وفقًا لفقه المحكمة الجنائية الدولية، من يشارك في خطة أو مشروع جماعي يُرتكب من خلاله الآخرون جرائم، يُعد شريكًا جنائيًا. والبرهان بتحريكه وإدارته لمهمة كيكل في الدعم السريع ثم الجيش، يعد شريكًا في كل الجرائم.
الإفلات الممنهج من العقاب:
المادة (4) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948) تنص على أن كل من يرتكب الإبادة، سواء كان رئيسًا أو موظفًا أو فردًا، يُحاسب. حماية البرهان لكيكل، وإعادة تدويره، هو جريمة بحد ذاتها، تكشف عن استراتيجية متعمدة لإعادة إنتاج الجريمة في ثوب جديد.
في سابقة تكرّر نفسها، وبذات الوقاحة السياسية التي وقف بها عمر حسن أحمد البشير ذات يومٍ أمام الكاميرات ليعترف بأن يده “ملوثة بدماء دارفور”، خرج عبد الفتاح البرهان، بعد أكثر من عشرين عامًا، ليُعيد نفس المشهد الكارثي، حين قالها بوضوح: “نعم، كيكل كان ضمن الدعم السريع… ونحن من أرسلناه وهذا كان شغل استخبارات ،،.
هذا الاعتراف الذي ورد في سياق خطاب تلفزيوني موثّق، ليس مجرد تصريح سياسي، بل إدانة قانونية دامغة تضعه في مرتبة المتواطئ الجنائي، وتُلزمه شخصيًا بمبدأ “الإقرار القضائي غير القابل للنقض”.
فباعترافه العلني بإرسال كيكل إلى الدعم السريع، يكون البرهان قد ربط نفسه مباشرة بسلسلة الانتهاكات التي ارتُكبت تحت اسم هذه القوة، وعلى رأسها ما جرى في ولاية الجزيرة من اغتصابات جماعية، وتهجير قسري، وإبادة موضعية، ونهب ممنهج، وبيع للنساء في أسواق النخاسة الميدانية.و حرق للقرى.
إن القانون الدولي لا يتعامل مع هذه الاعترافات بوصفها سقطات إعلامية، بل يعتبرها قرائن إثبات من الدرجة الأولى، وخاصة في قضايا الجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، كما نصت على ذلك القواعد الإجرائية للمحكمة الجنائية الدولية، وتأكيدات السوابق القضائية في قضايا يوغسلافيا ورواندا وسيراليون.
الاعتراف، وفقًا لأبسط مبادئ المسؤولية الجنائية، يُسقط كل حجج الإنكار أو التفويض أو الجهل. فحين يُقرّ قائد أعلى للقوات المسلحة بأنه هو من أرسل شخصًا ارتكب جرائم موثقة دوليًا، يصبح ذلك القائد شريكًا مباشرًا في الجريمة، سواء كـ”آمر” أو كـ”ممكّن” أو كـ”متستّر لاحقًا”، وهذا ما ينطبق بحذافيره على عبد الفتاح البرهان.
ما قاله البرهان اليوم هو نسخة محدثة مما قاله البشير بالأمس: الفرق أن البشير اعترف بعد أن لوّث الأرض، أما البرهان فاعترف بينما كانت الدماء لا تزال ساخنة. ولأن البرهان أعاد استخدام كيكل لاحقًا، وسمح له بارتكاب نفس الجرائم في ذات الجغرافيا، وتحت ذات العباءة، فإن الجريمة لم تعد فعلًا فرديًا أو انحرافًا ميدانيًا، بل أصبحت سياسة دولة، ومشروع إبادة، وخطة عسكرية منظمة.
إن قرار الاتحاد الأوروبي لم يكن عزلة سياسية، بل خطوة أولى نحو المساءلة الدولية. وإذا كانت العدالة لا تزال تنتظر ملفات متكاملة، فإن على قيادة الدعم السريع أن تُسلم كل ما لديها من أدلة على أن كيكل كان عنصرًا استخباراتيًا مدفوعًا من الجيش، وأن الجرائم التي ارتكبها كانت بإملاء من قيادة الدولة، لا من داخل صفوفها.
في النهاية، لا بد أن يُكتب في سجلات التاريخ أن نساء الجزيرة لم يُغتصبن من قبل عناصر متفلتة، بل من قبل نظام كامل، كان رأسه في بورتسودان ، وسوطه في
ود النوره ، وقائده الأعلى يتربع على كرسي مجلس السيادة.
وإذا كان الكف الذي امتد ليضرب قد امتد لاحقًا ليؤدي التحية العسكرية، فإن المحكمة الجنائية الدولية — لا الإعلام الرسمي — هي من يجب أن تستقبله.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.