
الاعتذار السياسي: بين تكتيك السلطة ومسؤولية الضمير.
بقلم✍️🏽: علي تونجا علي
بعد ست سنوات على إسقاط نظامه في ثورة ديسمبر، ظهر النعمان عبدالحليم أحد أبرز وجوه المؤتمر الوطني النظام الحاكم السابق في مشهد يقدم اعتذار مُفتَعَل على شاشة “الجزيرة مباشر”. لم يأتِ هذا الاعتذار متأخراً فحسب، بل جاء ملوثاً بشرط الاصطفاف مع الجيش واستبعاد مطالب السلام الجوهريّة ليُقدم لنا نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته الاعتذار السياسي وهو الاعتذار الذي لا يهدف إلى تصحيح مسار لكن إلى تدشين مسار جديد لاستعادة النفوذ.
الاعتذار السياسي الحقيقي هو فعل أخلاقي وسياسي جريء يقوم على ثلاثة أركان:
الاعتراف بالخطأ ومن ثم الندم عليه مع تحمل تبعاته عبر المساءلة. أما الاعتذار الذي شاهدناه فهو نقيض ذلك تماماً:
* جاء في توقيت محسوب تكتيكي حيث لم يظهر بفعل ضمير مستيقظ ولكن مع بوادر تسوية سياسية جديدة محاولاً اقتناص فرصة لإعادة ترتيب أوراق سلطته القديمة ضمن المعادلة الجديدة.
* مقايضة الولاء بالغفران حوّل الاعتذار إلى عقد سياسي: أعترف ببعض أخطاء الماضي مقابل أن تمنحوني شرعية الحاضر والاصطفاف معي ضد خصومنا وهنا يُستخدم الاعتذار كأداة لتجيير الرأي العام وتكريس الانقسام، لا لبناء جسور المصالحة.
* غسيل رمزي للتاريخ حيث يحاول أن يقدم غطاءً فلسفياً وأخلاقياً زائفاً لتيار سياسي دمر البلاد محولاً الاعتذار من وسيلة للمحاسبة إلى أداة لتبييض صفحة النظام القديم وإعادة إنتاجه بوجه جديد.
خطورة هذا النوع من الاعتذارات لا تكمن فقط في خداعها السياسي ولكن في تبعاتها المدمرة على المستقبل الوطني فهو يمثل
1. إجهاض العدالة الانتقاليةحيث عندما يُقدّم الغفران السياسي المشروط بديلاً عن المساءلة فإننا نُرسي أساساً هشاً للمستقبل. فالضحايا وأهلهم لا يحتاجون إلى كلمات مجانية ولكن إلى اعتراف مؤسسي وكامل بالجرائم ومحاكمات عادلة وضمانات بعدم تكرارها.
2. تقويض أسس الدولة المدنية حيث يعاد هذا الخطاب إنتاج نفس عقلية الدولة المركزية التي تستثمر في الانقسام والعنف أداة للسيطرة. فهو يقدّم الولاء للجيش كمقياس وحيد للوطنية، ويحرم المجتمع من حقه في بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية والحوار الوطني الشامل.
3. تشويه الوعي الجمعي: أخطر تبعات الاعتذار السياسي هو تهديده لمعنى الوعي نفسه فهو يخلط الأوراق عمداً، فيجعل من الجلاد ضحية محتملة ومن المناضل من أجل السلام محايداً مشبوهاً. حين يصبح الاعتذار أداة للمناورة يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الصدق والزيف وبين الخطأ والصواب.
السودان اليوم لا يحتاج إلى كلام منمق يبرر الحرب ولا إلى فيلسوف يُعملق ليكون غطاءً لسلطة قديمة متجددة. يحتاج السودان إلى .
اعتراف سياسي صريح بالجرائم التي ارتُكبت .
مساءلة مؤسسية حقيقية تنهي دائرة الإفلات من العقاب.
الاعتذار الحقيقي يبدأ حيث تنتهي المناورة، ويثمر حين يكون جسراً نحو العدالة، لا سُلّماً للعودة إلى السلطة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.