الاستغلال الطبقي وتمحور الخطاب البرجوازي في بيان الحزب الشيوعي بين الجيش والدعم السريع

بقلم✍️🏽 / عمار نجم الدين

 

 

الحزب الشيوعي السوداني وبيان الرباعية يقدمان مثالًا كاشفًا على كيفية اشتغال الخطاب السياسي في السودان كبنية أيديولوجية مغلقة. فالخطاب هنا لا يُفهم باعتباره مجرد كلمات أو مواقف آنية، بل ممارسة تنتج “الحقيقة” وتعيد إنتاج علاقات القوة، على نحو ما أشار إليه ميشيل فوكو في دراساته حول الخطاب والمعرفة. في هذا السياق، تعامل الحزب مع بيان الرباعية، الذي نص صراحة على فترة انتقالية من اثني عشر شهرًا، باعتباره أربعة وعشرين شهرًا. هذه ليست هفوة بسيطة، بل إعادة إنتاج متعمدة لحقيقة بديلة تنسجم مع أفق الشك الأيديولوجي حول “المؤامرة على الثورة”، أي أنها ممارسة لغوية تكشف انغلاقًا بنيويًا يمنع الحزب من رؤية النص كما هو، ويدفعه لقراءته بوصفه مرآة لذاته.

هذا الانغلاق يتكامل مع طريقة رفع الحزب لشعار “لا للحرب”، الذي يبدو في ظاهره مطلبًا أخلاقيًا مشروعًا. يتضح أن الشعار يتحول إلى رأسمال رمزي يمنح الحزب موقعًا أخلاقيًا مميزًا، من دون أن يترافق مع آليات عملية لوقف إطلاق النار أو فتح الممرات الإنسانية أو محاسبة مجرمي الحرب. هنا يتحول الشعار إلى قيمة استهلاكية ينتج بها الحزب شرعيته الخطابية، لكنه يظل عاجزًا عن التحول إلى قوة عملية تُغيّر الواقع.

المعضلة الأعمق تتجلى في علاقة الحزب بالجيش السوداني. الجيش لم يكن يومًا مؤسسة وطنية، بل ظل أداة للاستعمار الداخلي بعد الاستقلال، يقوم على تجنيد أبناء الهامش في المهام القتالية الدنيا، واحتكار القيادة لأبناء المركز النيلي، وتثبيت عقيدة عسكرية غايتها حماية الدولة المركزية والنخبة الحاكمة. رغم هذا التاريخ البنيوي، يستمر الحزب في تقديم الجيش ككيان قابل للإصلاح الإداري، متجاهلًا جذوره العنصرية التأسيسية. هذا التجاهل يمثّل ما يسميه فوكو “إرادة عدم المعرفة”، أي الامتناع المتعمد عن مواجهة البنية الأصلية التي تجعل الجيش أداة قمع وإعادة إنتاج للتراتبية. ومن زاوية ماركسية، يتضح أن هذه البنية ليست مجرد انحياز عرقي، بل هي علاقة استغلال طبقي–اقتصادي مكتملة الأركان؛ فالجيش يعمل كأداة للبرجوازية المركزية التي تحتكر فائض القيمة الاجتماعي والسياسي. أبناء الهامش يُستنزفون كقوة عمل بشرية رخيصة في خطوط النار، بينما يستأثر ضباط المركز بالقيادة والامتيازات، تمامًا كما يستغل الرأسمالي عمل البروليتاري ويصادر فائض إنتاجه. هنا يتحول الجسد الهامشي إلى “رأسمال مستهلك”، وفائض الدم إلى فائض قيمة سياسي يُكرّس سلطة المركز. في هذا الإطار، انهيار الحزب الشيوعي أمام أسطورة الجيش “القابل للإصلاح” يمثل انحيازًا طبقيًا صريحًا، إذ يتماهى مع رؤية البرجوازية المركزية ويعيد إنتاج وهم مؤسستها العسكرية بوصفها جهازًا وطنيًا يمكن تطهيره. النتيجة أن الحزب، بدل أن يكون أداة للبروليتاريا السودانية، يصبح عمليًا حزبًا مركزيًا بامتياز، يمارس خطابًا ثوريًا في الشكل، لكنه ينحاز لبنية الاستغلال الطبقي–المناطقي في الجوهر.

 

من خلال تتبع التاريخ السياسي يتضح أن هذا الموقف ليس جديدًا، بل يمثل استمرارية أيديولوجية متكررة. ففي ثورة أكتوبر 1964 صُوِّر الجيش كمنقذ للانتقال الديمقراطي، وفي انتفاضة أبريل 1985 قُبل المجلس العسكري كضامن للسلطة، وفي 2019 دخل الحزب في تفاوض مع المجلس العسكري مباشرة بعد مجزرة القيادة، ثم في أزمة 2023–2025 يهاجم الحزب المليشيات بعنف لكنه يترك الجيش في خانة الإصلاح الممكن. هذه الاستمرارية تكشف عجزًا بنيويًا عن إنتاج قطيعة معرفية مع أسطورة “الجيش الوطني”.

 

الأبعاد الإثنية–البنيوية في الخطاب تكشف عن ازدواجية عنصرية مقنّعة. فالمليشيات، وغالب أفرادها من أبناء الهامش، تُقدَّم كخطر “همجي” و”مدمر”، بينما الجيش، المسيطر عليه من أبناء المركز، يُقدَّم ككيان “دستوري” قابل للإصلاح. هذا التمييز يعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية–السياسية ويشكّل ما يسميه بورديو “العنف الرمزي”، أي إعادة إنتاج الهيمنة عبر خطاب يبدو محايدًا وموضوعيًا في ظاهره.

 

المقارنات الدولية تُظهر دروسًا صارخة. ففي ألمانيا بعد 1945، جرى تفكيك الفيرماخت النازي بالكامل وإعادة بناء الجيش بعقيدة دفاعية جديدة. وفي رواندا بعد إبادة 1994، فُكك الجيش الإثني وأُعيد تأسيسه بتمثيل عادل بين الهوتو والتوتسي. وفي جنوب أفريقيا بعد 1994، أُعيدت هيكلة الجيش بدمج قوى التحرير وتغيير عقيدته جذريًا. الدرس المركزي هنا أن لا ديمقراطية حقيقية بلا تفكيك جذري للمؤسسة العسكرية القائمة. أما الاكتفاء بالإصلاح الإداري، فهو إعادة إنتاج للأزمة نفسها بصيغة جديدة.

 

الأزمة السودانية الراهنة تضيف بعدًا إنسانيًا يفضح خواء الخطاب الشعاراتي. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، هناك أكثر من 11 مليون نازح داخليًا، و3.4 مليون لاجئ عبر الحدود، و30.4 مليون بحاجة لمساعدة إنسانية، و24.6 مليون يواجهون انعدامًا غذائيًا حادًا، مع مناطق بلغت حد المجاعة. إضافة إلى ذلك سُجِّلت 113 ألف إصابة بالكوليرا وأكثر من 3 آلاف وفاة مؤكدة، بينما تجاوز عدد القتلى منذ أبريل 2023 أربعين ألفًا. هذه الأرقام تفضح أي خطاب يكتفي بالشعارات الأخلاقية، وتكشف أن الأزمة ليست سياسية فقط بل أزمة بقاء مجتمعي شامل.

 

يمكن القول إن خطاب الحزب الشيوعي يعاني من ثلاث أزمات مترابطة: أزمة قراءة تستبدل النصوص بالنيات، أزمة موقف تكتفي بالشعارات الأخلاقية كعملة رمزية، وأزمة رؤية تشرعن الجيش متجاهلة جذوره العنصرية. من هنا، فإن المطلوب ليس “جيش قومي مهني” كشعار، بل تفكيك الجيش الحالي وإعادة تأسيسه على قاعدة المواطنة والتعددية. المطلوب ليس مجرد “لا للحرب”، بل آليات ملموسة لوقف إطلاق النار، مراقبة دولية فعالة، فتح الممرات الإنسانية قسرًا، ومحاكمة مجرمي الحرب. المطلوب أيضًا ليس رفض الخارج باسم الأيديولوجيا، بل بناء بديل داخلي ديمقراطي شامل قادر على مقاومة التبعية.

تخلص هذه القراءة إلى أن الحزب الشيوعي، رغم ادعائه تمثيل الضمير الثوري، يظل أسيرًا لبنية أيديولوجية قديمة تعيد إنتاج الاستعمار الداخلي عبر شرعنة الجيش وتجاهل جذوره البنيوية. أي حديث عن انتقال ديمقراطي بلا قطيعة معرفية مع أسطورة “الجيش الوطني” ليس سوى تكرار مأساوي للتاريخ. الطريق نحو ديمقراطية حقيقية في السودان يمر عبر مواجهة العنصرية المتجذرة، وتفكيك البنى الاستعمارية الداخلية، وإعادة تأسيس الدولة على عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة والتعدد والتمثيل المتساوي. بدون ذلك، سيظل الخطاب السياسي يستهلك الأزمات ليبني شرعيته الرمزية، بينما يستمر المجتمع في دفع ثمن الحروب والمجاعات والانقسامات.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.