الأستاذ/ كوكو محمد جقدول وزيراً للتربية و التعليم العام، قراءة داخل المؤسسات التعليمية المنهارة

بقلم ✍🏿 / أحمد عمر نقرة كافي [email protected] 

 

 

أوغندا – كمبالا 2 فبراير 2026

لا يمكن قراءة خطوة تعيين الرفيق الأستاذ/ كوكو محمد جقدول وزيراً للتربية والتعليم العام في حكومة الوحدة والسلام التأسيسية بمعزل عن تاريخه النضالي، ولا عن السياق السياسي الذي أوصل السودان إلى هذه اللحظة. فالرجل ليس نتاج صفقات قصر الإسلاميين، ولا من بقايا النخب التي أدمنت الفشل، بل هو أحد الثوريين المؤهلين الذين خاضوا نضالاً طويلاً في صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، دفاعاً عن الحقوق المدنية والسياسية، ومن أجل مشروع سودان جديد قائم على المواطنة لا الأدلجة وهو من صلب الهامش السوداني.

طوال عقود، إستخدمت الحكومات السودانية المتعاقبة التعليم كسلاح للهيمنة، لا كأداة للتحرر. فمن أنظمة ما بعد الإستقلال، إلى دكتاتوريات العسكر، وصولاً إلى الإسلاميين، ظل التعليم رهينة لمشاريع السلطة، لا مشروعاً للشعب. وقد بلغ هذا المسار ذروته في عهد الإسلام السياسي، حيث جرى تفريغ المناهج من أي مضمون نقدي، وتكريس خطاب الإقصاء، وإعادة إنتاج الطاعة بدل الوعي.

وما جرى في السودان لا يخرج عن ما وصفه المفكر التربوي باولو فريري ((بـالتعليم البنكي))، حيث يُختزل المتعلم إلى وعاء فارغ، وتُختزل المعرفة إلى معلومات تُودَع فيه دون حوار أو تفكير نقدي. في هذا النموذج، لا يُنظر إلى الطالب كذات فاعلة قادرة على إنتاج المعنى، بل كموضوع للتلقين والانضباط. وهي بالضبط الوظيفة التي أدتها الدولة السلطوية عبر مناهجها، إنتاج مواطن مطيع، لا مواطن ناقد.

ولا يمكن فهم إنهيار التعليم في السودان بمعزل عن سياسة تعريب المناهج القسرية التي فُرضت باعتبارها خياراً قومياً، بينما كانت في جوهرها أداة أيديولوجية للإقصاء والسيطرة. فقد جرى التعريب في سياق سلطوي لا تربوي، دون إعداد علمي حقيقي، ودون مراعاة للتعدد اللغوي والثقافي الذي يشكّل جوهر المجتمع السوداني. وبدلاً من أن يكون التعليم جسراً للمعرفة والانفتاح، تحوّل إلى حاجز إضافي أمام ملايين الطلاب، خاصة في مناطق الهامش، الذين فُرضت عليهم لغة ليست لغتهم الأم، ولا لغة العلوم الحديثة، ولا لغة سوق المعرفة العالمي.

لم يكن هذا التعريب مجرد خيار لغوي خاطئ، بل تطبيقاً عملياً للتعليم البنكي، حيث فُرضت لغة ومعرفة جاهزة من أعلى، دون إعتبار لتجربة المتعلم أو واقعه الإجتماعي والثقافي. وكما يحذّر فريري، فإن أخطر ما في هذا النمط من التعليم هو أنه ينزع عن الإنسان قدرته على تسمية العالم بلغته الخاصة، ويجبره على إستهلاك عالم مُسمّى سلفاً من قِبل السلطة. وهكذا تحوّل التعليم في السودان إلى أداة إغتراب مزدوج، إغتراب لغوي وإغتراب معرفي.

وقد أسهم هذا التعريب المشوَّه في إضعاف التحصيل العلمي، وعزل النظام التعليمي السوداني عن الإنتاج المعرفي العالمي، وتدمير تعليم العلوم والطب والهندسة، حيث فُقدت المصطلحات، وتراجعت الكفاءة، وحلّ الحفظ محل الفهم. ولم يكن الهدف تمكين اللغة العربية بوصفها لغة ثقافة ومعرفة، بل إستخدامها كأداة صهر قسري تخدم مشروع الدولة المركزية، وتُقصي اللغات الوطنية الأخرى من نوبة وأُدوك وبجا وفور وحلفاويين وغيرها من لُغات المجموعات الإثنية، وكأن التنوع خطر يجب محوه، لا ثروة يجب حمايتها.

وفي مناطق الهامش، تجلّت عنفوية التعليم البنكي بأوضح صورها. فالطفل الذي يُجبر على التعلم بلُغة لا يتحدثها، وبمحتوى لا يعكس حياته وبيئته، يُدفع مبكراً إلى الشعور بالدُونية والعجز. وبهذا المعنى، لم يكن التعليم أداة لدمج الهامش، بل وسيلة لإعادة إنتاج تهميشه، وهو ما عبّر عنه فريري بوضوح حين أكد أن التعليم القامع لا يكتفي بتشويه المعرفة، بل يُشوّه وعي المقهور بذاته وبِمكانه في العالم.

أما حكومة البرهان، ذات الطابع العسكري الإسلامي، فقد دفعت هذا الفشل إلى ذروته. ففي ظل الحرب والخراب، تُرِك ملايين الأطفال خارج المدارس، ودُمِّرت المؤسسات التعليمية، وغاب أي حديث جاد عن إنقاذ التعليم، فتجهِيل الشعب تحوّل إلى سياسة غير معلنة لضمان إستمرار السيطرة وإدارة الإنهيار.

من هنا، فإن تعيين الاستاذ/ كوكو محمد جقدول في وزارة التربية والتعليم العام في حكومة تأسيس ليس تشريفاً، بل يضعه في مواجهة مفتوحة مع دولة عميقة ترى في التعليم الحر تهديداً مباشراً وستكون المواجهة اشرس من التي قابلت القراي في رحلته في تغيير المناهج وستكون عبر أبواق الإسلاميين من الهامش نفسه و الأستاذ/ جقدول اهلاً للتصدي لذلك. وهو إمتحان حقيقي لمدى قدرة الثوريين على تفكيك مؤسسات الدولة، لا التكيف معها أو التعايش مع أعطابها.

إن الخلفية النضالية لوزير التربية والتعليم التأسيسي تضع عليه مسؤولية تاريخية مضاعفة، مسؤولية قطع الطريق أمام إعادة إنتاج المناهج المؤدلجة، وإعادة الإعتبار للتعليم كحق مدني أساسي، وبناء نظام تعليمي يعكس تنوع السودان الثقافي والإثني والديني، ويُربّي أجيالاً لا تخاف السؤال، ولا تُقاد بالعقيدة السياسية أو الدينية. ولكي لا يبقى نقد تعريب المناهج في حدود التشخيص، فإن المطلوب اليوم هو قلب معادلة التعليم جذرياً عبر تبنّي بدائل واضحة وشُجاعة. أول هذه البدائل هو إرساء نظام تعليمي متعدد اللغات لإحتواء (التعددية اللُغوية) في السودان، نظام تعليمي يعترف بحق الطفل في التعلّم بلغته الأم في المراحل الأولى، لا بوصف ذلك ترفاً ثقافياً، بل شرطاً أساسياً للعدالة التعليمية وجودة التحصيل، وتقليص الفجوة التاريخية بين المركز والهامش وليس هذا فحسب وإنما كتابة اللغات التي لم تُحظي بالكتابة بعد، لتسهيل عمليات دمجها في الخطط التعليمية وهذا من صميم عمل التأسيسيين ولابد من إيلاءه الأهمية القصوي . وفي هذا السياق، يصبح الإعتراف باللغات الوطنية السودانية جزءاً من إعادة بناء الدولة نفسها. إدماج هذه اللغات في التعليم ولو بشكل مرحلي أو اختياري وان لا يظل الإعتراف سياسي بأن السودان ليس دولة لغة واحدة ولا هوية واحدة علي الورق وإنما ضرورة ترجمته علي ارض الواقع ، حتي يثبت أن المواطنة لا تُقاس بالإنصهار القسري مثل نموذج المركز، بل بالحق المتساوي في الوجود والتمثيل .

بناءً عليه فإن إعادة الإنجليزية كلُغة أساسية للتدريس لم يعد خياراً إعتباطياً، بل ضرورة معرفية ملحّة والدليل علي ذلك هو الآن معاناة التلاميذ والطلاب اللاجئين ودخولهم في تحديات مع اللغة الانجليزية للدراسة في الخارج. فالقطيعة التي أحدثها التعريب القسري مع المعرفة العالمية جعلت الطالب السوداني معزولاً، ضعيف الأدوات، ومحروماً من المنافسة والبحث والتواصل العلمي ما لم يبذل قصاري جهده وإضاعة ما يقارب العام او اكثر ليوفق اوضاعه اللُغوية. إعادة الإنجليزية هنا لا تعني إقصاء العربية، بل تحرير العلم من الإستخدام الأيديولوجي، وربطه من جديد بالفضاء الإنساني المفتوح.

غير أن هذه التحولات لا يمكن أن تنجح بقرارات فوقية أو شعارات عامة، بل تتطلب ثورة حقيقية وخطوات جريئة نحو تفكيك البيروقراطية، وإعادة تأهيل المعلمين لطالما هم من الأركان الأساسية في العملية التعليمية والخلل الآن واضح، وتطوير المناهج بالشراكة مع خبراء مستقلين، والاستماع لمجتمعات الهامش لا التحدث بإسمها وهذا ما تعانيه مجتمعاتنا لفترات طويلة من الهجران والتغييب المتعمدين. وهي خطوات ستضع وزير التعليم في مواجهة مباشرة مع بقايا الدولة القديمة، لكنها في الوقت ذاته تشكّل الإمتحان الحقيقي لمعنى وجود رجل ثوري داخل مؤسسة تعليمية.

ختاماً، فإن الرفيق الأستاذ/ كوكو محمد جقدول يقف اليوم أمام لحظة فاصلة وخيار واحد وهو مؤهل له أن ينجح في تحويل وزارة التعليم إلى ساحة من ساحات النضال من أجل إنقاذ ما تبقي في هذا الصرح . والشعب، الذي خبر الخذلان طويلاً، لن يكتفي هذه المرة بالنوايا، بل ينتظر أفعالاً تليق بتضحيات الثوار، وبأحلام الأطفال الذين حُرموا من المدرسة، كما حُرم وطنهم طويلاً من العدالة، أمل الهامش ونصيبه من التعليم بيدك يا استاذ جقدول والدرب طويل.

فقد قالها الأستاذ الشهيد/ يوسف كوة مكي في قصيدته الشهيرة افريقيتي:

فغدا سيأتى

سأكلل بالعلم هامتي

وسأشعل شمعتي

وعلى ضوئها سأبنى حضارتي

وعندها سأمد راحتي

وسأغفر لمن تعمد طمس هويتي

لان المحبة والسلام هي غايتي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.