إقليم جبال النوبة سردية الظلم الطويل وبداية الدولة الجديدة

سعد منقلا

22 ديسمبر 2025
كمبالا

لم يكن إقليم جبال النوبة يومًا مجرد مساحة جغرافية على خارطة السودان، بل كان ومازال اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا لفكرة الدولة نفسها.
فمنذ تشكّل مايسمى بالدولة السودانية ، وُضع هذا الإقليم خارج دائرة الاهتمام الحقيقي ليس بسبب فقره أو ضعفه بل بسبب غناه الإنساني وتعدده الثقافي ، وهو ما لم يحتمله مشروع الدولة المركزية الأحادية التي تأسست منذ الاستقلال .

جذور الظلم التاريخي
الظلم الذي تعرّضت له شعب جبال النوبة ليس طارئًا ولا عابرًا، بل هو ظلم تاريخي ضارب في الجذور ، بدأ بالتهميش البسيط وتحول إلى التهميش المركب ، وانتهى باستهداف شامل لشعب جبال النوبة أرضًا وهويةً .
لقد ظلّ إقليم جبال النوبة محرومًا من أبسط حقوقه الأساسية في التنمية والخدمات، كما غُيًب عمدا عن دوائر اتخاذ القرار، بينما استُخدمت موارده وأراضيه دون أن ينعكس ذلك على حياة سكانه.
هذا التهميش لم يكن خللًا عابرًا في إدارة الدولة، بل خيارًا سياسيًا واعيًا، كرّس مركزية السلطة، وحوّل الهامش إلى مساحة مستباحة، وجعل من شعوب جبال النوبة مواطنين من درجة أدنى في دولة فشلت في الاعتراف بتنوعها .

الإسلاميون وحلفاؤهم من التهميش إلى مشروع قمع منظم
مع صعود الإسلاميين إلى السلطة، انتقل إقليم جبال النوبة من التهميش البنيوي إلى قمع ممنهج. لم يعد الإقصاء صامتًا، بل صار سياسة الدولة المعلنة ، استخدم الإسلاميون الدين كأداة للهيمنة السياسية، وصوّروا ثقافة الإقليم وتعدديته بوصفها تهديدًا لهوية الدولة وعملوا على إبادتها في محاولة لشرعنة العنف باسـم العقيدة.
وفي السودان عامة وفي جبال النوبة على وجه الخصوص ، لعبت مليشيات مثل الدفاع الشعبي ، بوصفها أحد واجهات المشروع الإسلامي، و الذراع الأيديولوجيى المسلح، وشاركت في حملات التعبئة والحرب، وأسهمت في تحويل الصراع إلى حرب على شعب جبال النوبة نفسه، لا على خصم عسكري فحسب. حيث أُستهدفت القرى وأحرقت عبر طائرات الأنتنوف والبراميل المتفجرة ، وصودرت الأراضي الزراعية من مُلاكها الأصليين لتوزع على مستثمرين وافدين ومُزق النسيج الاجتماعي ، في سياق مشروع إقصائي لا يعترف بالمواطنة المتساوية ولا بالتنوع

الجيش السوداني جيش الحركة الإسلامية
مايُسمّى بالجيش السوداني، الذي يفترض أن يكون جيشًا قوميًّا يحمي كل السودانيين دون تمييز، انخرط في المشروع الإسلامي وأصبح يده الباطشة على كل إقليم رفع صوته وطالب بحقه في التنمية والسلطة فقد خرج الجيش عن دوره الدستوري والوطني، وتحول بفعل التسييس والأدلجة إلى أداة في يد السلطة، تُستخدم لقمع مواطنيها بدلًا من حمايتهم .
في هذا الإقليم لم يظهر الجيش كحارس لوحدة البلاد، بل كطرف في الحرب ضد شعب جبال النوبة ، شارك في استهداف المدنيين، وتدمير القرى، وفرض الواقع المرير بالقوة ، فلم تعد الأزمة أزمة سلوك أفراد فقط ، بل هي أزمة مؤسسة فقدت عقيدتها الوطنية وحيادها القومي، وتخلّت عن أدوارها

المقاومة بوصفها وعيًا تاريخيًا
ورغم هذا التاريخ القاسي، لم ينكسر شعب جبال النوبة. فالمقاومة التي تشكّلت في الإقليم لم تكن مجرد رد فعل عسكري، بل تعبيرًا عن وعي تاريخي عميق بأن الأزمة لا تختزل في تغيير حكّام، بل في تفكيك بنية دولة قائمة على نظرية التفويض الألهي والإقصاء والعنف والغلبة .
لقد أدرك قادة التحرر في إقليم جبال النوبة أن المشكلة في طبيعة الدولة نفسها فهي دولة مركزية، أيديولوجية، تُدار بالقهر، وتُقصي المختلف ، وتستخدم مؤسساتها العسكرية والأمنية ضد مواطنيها. هذا الوعي هو الذي أبقى جذوة النضال متقدة طوال سنوات الحرب والتضحيات .
تحالف السودان التأسيسي
في هذا السياق، يبرز دور تحالف السودان التأسيسي (قوات تأسيس) كقوة تقود عملية تحرر تتجاوز البعد العسكري إلى أفق سياسي جديد. فـ«تأسيس» لا تطرح نفسها كسلطة بديلة تعيد إنتاج الاستبداد، بل كمشروع يعيد تعريف الدولة نفسها وعلاقتها بالمجتمع والدين، والتنوع، والأقاليم
فان تحرير إقليم جبال النوبة من قبضة الإسلاميين وحلفائهم، ومن عسكرة الدولة، لا يعني فقط إسقاط سلطة قمعية، بل فتح الطريق أمام إعادة بناء السودان على أسس جديدة، تُنهي عقود من الإقصاء والتهميش وتكسر حلقة العنف . هذا التحول لا يقتصر التغييرعلى جبال النوبة وحدها، بل يمتد كنبضٍ صامت في قلب السودان كله. فهذا تطلع من عرفوا القهر طويلًا، ويعلمون أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع وتُحمى بالوعي .
وتقرأ هذا في وجوه أهل إقليم جبال النوبة وفي أحاديثهم البسيطة، وفي صمتهم المليء بالأمل ويتجسّد حلم قديم في دولة لا تفرّق بين مواطنيها على أي أسس تمييزية ولا تحكمهم بالعقيدة أو البندقية، بل بالقانون والعدالة.
ملامح الدولة التي تتشكّل
تتبلور ملامح جديدة لدولة علمانية تفصل الدين عن السياسة وتحمي حرية المعتقد.
دولة ديمقراطية تقوم على المشاركة والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة.
دولة تعددية تعترف بالثقافات واللغات والهويات المختلفة.
دولة لامركزية تعيد السلطة والموارد إلى الأقاليم.
في هذا الواقع ، تتحول جبال النوبة من هامشٍ مُستباح إلى فاعلٍ أساسي في بناء مستقبل السودان

من الهامش إلى السودان الجديد
الأن إقليم جبال النوبة، يخرج من الظلم الطويل، ولا يطالب بأي امتيازات، بل بعدالة مؤجلة ، ولا يسعى للثأر، بل للاعتراف. ولا يبحث عن الهيمنة، بل عن شراكة حقيقية في وطن يُعاد تأسيسه من جديد.
من جبال النوبة، التي صبرت طويلًا، يلوح أفق السودان الجديد القائم على علمانية الدولة والديمقراطية التعددية واللامركزية
والتى تُبنى بالإرادة، وتُحمى بالوعي، وتُدار بالعدالة ، إن معركة جبال النوبة ليست معركة إقليم بل معركة بناء الدولة نفسها في السودان .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.