إعادة الإنتاج والتنزيح الثقافي وأثره على سيكولوجية شعوب الهامش!…

🖋️/ عيسى خميس مرفعين

 

رقم (٢)
السودان- ضواحي “كادوقلي” حاضرة إقليم جنوب كردفان/جبال النوبة.

القاريء/ة الكريم/ة في الحلقة السابقة تحدثنا “إعادة الإنتاج” و”التنزيح الثقافي والاجتماعي” الذي حدث في مجتمعاتنا والأساليب التي إتبعتها الحكومات والأنظمة المتعاقبة على حكم البلاد منذ فجر خروج المستعمرون، والسياسات التي تبنتها هياكل ومؤسسات الدولة،
ونزولا لرغبة بعض المتابعين للمقال السابق والذين طالبوا بتبسيط مفهوم “التنزيح الثقافي والاجتماعي” حتى يتثني للكثيرين من الضحايا فهم عملية “التنزيح الثقافي والاجتماعي”،

فهذه العمليات تمت بشكل كبير داخل المدن، وكانت تتم داخل المداس في الأجيال السابقة إبان فترة الإستقلال “المزيف” الذي أعلنوا فيه هوية الدولة السودانية، وصارت المدارس أحدى أدوات إعادة الإنتاج والتنزيح الثقافي، وتغيير أسماء الطلاب ومن ثم تغيير أسماء المدارس والأحياء وحتى الشوارع الرئيسية، والمعالم التاريخية والأثرية، حيث صارت تسمية الأبناء محطة تنافسية كبيرة للأسماء العربية ورموز لثقافات أخري بعيدة عن الثقافة المحلية، وسهل ذلك عملية الإبتعاد تدريجيا عن الثقافة الأصلية، لأن الأسماء، واللغة هما أهم عناصر الثقافة والهوية.

على سبيل المثال في إقليم جنوب كردفان/ جبال النوبة، في فترة الإنقاذ، وبعدما توسعت دائرة الحروب ومورست عملية “التهجير القسري” للمعلمين من أبناء المنطقة والنزوح الجماعي للقري وخلق معسكرات النازحين داخل وخارج الولاية – نماذج (معسكر “الرحمانية”، و “البر” في جنوب كردفان ـ و”أم روابة” في شمال كردفان و”جبرونا”، و “مايو”، و”الحاج يوسف” في أم درمان وبحري، وأخري). وهذه المعسكرات تمت فيها أكبر عمليات إعادة الإنتاج والتنزيح الثقافي بشكل جماعي، وتحولت لاحقا لأكبر مراكز للتجنيد العسكري للشباب والأطفال، وتم إنشاء وحدات خاصة لإستيعاب هذه القوة التي تعتبر إستراتيجية لحماية تنظيم الحركة الإسلامية، ولقد سميت هذه القوة ب”القوات الخاصة” وتتبع لجهاز الأمن، وقوات أخرى تحولت إلى قوات (الدفاع الشعبي تحت قيادة كافي طيار) وجمعيهم مليشيات جهادية، عقائدية بفكر الإخوان المسلمين، الآن هم يقاتلون في “كادقلي” و”الدلنج” بالوكالة لحساب الحركة الإسلامية.

إعادة الإنتاج والتنزيح الثقافي والاجتماعي تضررت منه كل شعوب الهامش بدرجات متفاوتة والأكثر تضررا هما إقليمي دارفور وجبال النوبة، وفي الجبال أكثر المناطق تضررا من هذه العملية مدن الولاية الكبرى كادقلي والدلنج.

كأحد أبناء هذه المدن – فلقد أصبحنا ضحايا لهذا التنزيح الثقافي وهناك أجيال أعمارهم الآن في الأربعينات والخمسينات لا تستطيع أن تتخاطب “بلغة الأم”، أي مفصولين فصل تام عن الثقافة الأصلية، ولم تكن هذه مشكلتهم، بل هم ضحايا لمشكلة متجذرة تمت عبر مؤسسات الدولة سوي كانت صحية أو تعلمية أو حتى عدلية. فمنذ إستخراج شهادة الميلاد إلى مرحلة دخول المدرسة – تمثل هذه الخطوات المرحلة الأولى والمدخل الرئيسي لعملية إعادة الإنتاج والتنزيح الثقافي، حيث يجب أن يكون إسم المولود أو الطالب الجديد إسما عربيا خالصا، وهذا العنف الهيكلي في بنية الدولة إستمر لفترات طويلة وحتى الآن في فرض ثقافة أحادية إقصائية على حساب ثقافات أخري عبر هياكل الدولة، وأضيف عليها عملية “العنف اللفظي” الذي يمارس على أصحاب الثقافات الأخري والتقليل من شأنها حتى تجعل أصحاب الثقافات الأخري يخجلون من ممارسة العادات والتقاليد التي تمثل ثقافاتهم ويبتعدون عنها، ومن ثم يتبعون بالتبني ثقافة أخري غريبة عنهم وعن مجتمعاتهم ويصبحون نازحين ثقافيا وإجتماعيا في أرضهم.

وهذا يقودني للحالة النفسية للنازحين القادمين من كادقلي والدلنج وتلودي المنزحين أصلا ثقافيا وإجتماعيا، الذين نزحوا من مدنهم، في هذه الفترات العصيبة التي تعيشها هذه المدن. تجدهم يواجهون صعوبة كبيرة في عمليات الإندماج المجتمعي والتعايش مع السكان المحليين، يشعرون بعدم الأمان، القلق والخوف غير المبرر لإحساسهم بعدم الإنتماء لهذا المجتمع الذي إستضافهم وتقاسم معهم لقمة العيش، بعد كل هذا يشعرون بأنهم غرباء في دارهم الثانية التي قد تبعد فقط سبعة أو ثمانية كيلو مترات من مدنهم، وهذا ما جعل البعض منهم يفكر في الخروج الفوري إلى جنوب السودان “إيدا” ومنها إلى (كلوقي، الليري) ومنها إلى (العباسية كوستي، الخرطوم، بورتسودان)، أو مدن الشمال المختلفة حيث تعرضوا لعمليات التجنيد الإجباري وبطش قوانين الوجوه الغريبة، .. إلخ. وبرغم هذه المخاطر الكبيرة، إلا إنهم يشعرون بالأمان النفسي والإجتماعي لأنهم يعتقدون بأنهم أقرب ثقافيا وإجتماعيا لذلك الوسط حتى ولو مارس عليهم أبشع أنواع الإضطهاد والتعنيف النفسي، المعنوي والاجتماعي، لا يشعرون به، وهذه خطورة التنزيح الثقافي والاجتماعي الذي يجعل صاحبه يمارس العنف الذاتي ويقسو على نفسه برضى تام.

في هذه التجربة تأكد بأن الشّعوب المعاد إنتاجها أو المنزحة ثقافيا وإجتماعيا أمثال الأفندية وأبنائهم، أبعد ما يكونوا عن قضايا شعوبهم وإذا أجرينا إستطلاع بخصوص قضايا الأرض مثلا بين أبناء الأفندية والفلاحين، يمكن أن يساومك إبن الأفندي في الأرض، ولكن سيقاتلك إبن الفلاح للرمق الأخير، وجسد هذه الفرضية “محمد مركزو كوكو” إبن الأفندي عندما كان واليا لولاية جنوب كردفان سلم معظم مشاريع “هبيلا” لأبناء الجزيرة وشمال كردفان حتى يرضى عليه، أما أبناء الفلاحين المزارعين البسطاء هم أوائل الذين إلتحقوا بالكفاح المسلح ليقاتلوا ويقدموا التضحيات الجثام من أجل هذه الأرض.

أما المجموعات التي نزحت ثقافيا واجتماعيا بشكل جماعي وتم إعادة إنتاجهم عبر “معسكرات النزوح” – إحدى أدوات وآليات الحركة الإسلامية ـ أصبحت الآن واحدة من أكبر المحددات الأمنية في الولاية لأنها تشكلت منذ التنشئة الأولى كأطفال في هذه المعسكرات، ولذلك صارت مؤمنة بمشروع الحركة الإسلامية، والآن يشكلون مليشيات الحركة الإسلامية مع “كافي طيار”‘ وجهاز الأمن ووحدة العمل الخاص، وهذا سر بقاء “كادقلي” حتى الآن تحت قبضة الحركة الإسلامية، فهم الذين عرقلوا مسألة تسليم مدينتي “كادقلي” و”الدلنج” وتجنب الهجوم الأرضي والجوي على هذه المدن.

أزمة التنزيح الثقافي والاجتماعي تكمن في أنها تنتج هكذا “أمساخ” غريبة يصعب إعادة صياغتها مرة أخري أو ضبطها للأصل من جديد، لا نريد أن نتحدث عن عملية إزالة أو تدمير هؤلاء “الأمساخ” لأنها مكلفة جدا، ولكن، رغم كل ذلك لنا العشم فيهم بأن يقرروا الآن قبل فوات الأوان، والآن تعمل حكومة “تأسيس” مع شركائها في إعداد مشاريع إعادة تأهيل نفسي ومعنوي لأبناء السودان الذين غررت بهم الحركة الإسلامية وزجت بهم في حروبها العبثية حتى يسهموا بشكل إيجابي في عملية التأسيس لأنها عمليه كبيرة وتحتاج جهود وطاقات كل أبناء الشعب السوداني، وهم جزء من هذه الطاقة.

يرى “لوبون” بأنّ الجمهور يضعف ويفقد قوّته عندما تنهار أو تضعف القيادة، لأن الجمهور يميل دوما إلى أن يكون له زعيم يقوده ويملي عليه ما يفعل، وبعد فترة ما، يهيمن عليه، فحاجته ليست إلى الحرّية بل إلى العبودية، وتلك الحاجة تقوده إلى الخضوع غرائزيا لمن يعلن نفسه زعيما لهم. هذا ما يحدث بالضبط مع جيش الحركة الإسلامية في “كادقلي” و”الدلنج” رغم سقوط القيادة المركزية للحركة الإسلامية وإنهيار المؤسسة العسكرية وهزيمة الجيش في كل الحاميات الرابطة لخط الإجلاء والإمداد، وأصبحت مدينتي “كادقلي” و “الدلنج” معزولة تمامآ عن بورتسودان فنيا، وإداريا.

لكن حوجة الجيش لم تكن حوجة للحرية بل كانت ولا زالت حوجة إلى العبودية وهي التي تقودهم بشكل غرائزي إلى البرهان في بورتسودان.

النضال مستمر والنصر قريب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.