
إستهبال النخب وإعادة إنتاج الأزمة السودانية في عباءة الدولة المدنية
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات
منذ خروج المستعمر، ظل السودان يتأرجح بين الحروب والأنظمة السلطوية المتعاقبة، في ظل غياب مشروع وطني جامع يعترف بالتنوع والتعدد ويقر بعلمانية الدولة ويؤسس لعقد اجتماعي جديد. وقد أتت ثورة ديسمبر 2018م كتتويج لنضالات الشعوب السودانية المهمشة والتضحيات الجسام لحركات الكفاح المسلح لتفتح أفقاً جديداً، لكن مسارات الإنتقال تعثرت كعادتها بفعل تدخلات النخب وتواطؤها مع بنية الدولة الإسلاموعروبية العميقة. في هذا السياق، جاء البيان الختامي الصادر عن “الملتقى التفاكري حول الخروج من الحرب وقضايا الدولة المدنية الجديدة” (كمبالا، يونيو 2025م)، تحت شعار (بالمعرفة والحوار نوقف الحرب ونبني السلام) باعتباره نموذجاً خطابياً يعكس الأزمة البنيوية التي تعاني منها النخبة السياسية السودانية في التشخيص والمعالجة، كما يشكل أحد محاولات هذه النخب لإعادة تأطير الأزمة السودانية ضمن قوالبها التقليدية الفاشلة.
يأتي هذا المقال كمواصلة للحوار السوداني التأسيسي، وسأحاول فيه تفكيك هذا البيان الختامي، للكشف عن أوجه القصور المفاهيمي والسياسي التي تجعله يمثل إعادة إنتاج لخطاب الهيمنة التقليدي في السودان، وعاجزًا عن تمثيل لحظة تحوّل حقيقية، وتقديم بديل ثوري تحرري في هذه المرحلة الحرجة.
فشل التشخيص، التهرب المستمر من جذور الأزمة السودانية
بينما يشير البيان إلى “الفشل في إدارة التعدد والتنوع” كأحد أسباب الأزمة السودانية وهو موقف إيجابي يحسب للملتقى، فإنه يتعمد تجاهل الأسباب البنيوية الأخرى الأكثر عمقاً وخطورة، مثل الأسلمة القسرية، التعريب الإجباري، هيمنة النخبة المركزية، الدولة الدينية/ دولة التفويض الإلهي، والعنصرية المؤسسية والوحدة القسرية وآثار ممارسة العبودية والإسترقاق وعلاقة الدين والدولة وقضايا الأرض وتسيس الدين والإستبداد السياسي المحمي بالسلاح والإستعمار الإنجليزي المصري وغيرها، إن هذا الإغفال ليس بريئاً، بل يعكس عجزاً أخلاقياً وسياسياً للنخب التقليدية عن مواجهة جذور الأزمة بجرأة، ويعيد إنتاج سرديات قديمة ما بعد الاستعمار تبرر الإقصاء باسم الوحدة والسيادة الوطنية.
هذه ليست مجرد فجوة في الخطاب، بل هي إستمرار للإستهبال السياسي المتعمد الذي مارسته النخب منذ خروج المستعمر وحتى هذا الملتقى، مما يجعل الحديث عن “إجماع وطني” مجرد وهم سلطوي يكرّس الإقصاء التاريخي بدل معالجته.
الدولة المدنية، الغموض المقصود والتواطؤ مع مشروع الهيمنة
الملتقى في بيانه يروّج لما يسميه “الدولة المدنية الديمقراطية”، متجاهلاً عن عمد أن هذا المفهوم ملتبس ولا يعالج بشكل جذري إشكال خلط الدين بالدولة والأسلمة والتعريب والوحدة القسرية، والعنصرية والمواطنة غير المتساوية. الدولة المدنية تبقي على التشريعات الدينية والعرقية العنصرية وتسمح بتسرب الدولة الدينية مرة أخرى كما في الوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الإنتقالية بعد ثورة ديسمبر وهذا البيان ماهو إلا إعادة إنتاج لمشاكل الوثيقة الدستورية من ذات النخب التي أفرغت ثورة ديسمبر من مضمونها ، فالدولة المدنية كما طُبق في فترات الوثيقة الدستورية بعد ثورة ديسمبر، سمحت بتمرير وتسرب الدولة الدينية من خلال الإبقاء على التشريعات المستندة على الشريعة الإسلامية، وإبقاء الإمتيازات الإثنية والدينية، واستمرار الإسلام والعروبة كهوية مركزية للدولة.
الدولة المدنية بهذا المعنى هي قناع جديد للدولة الدينية، دولة الإقصاء باسم الحياد. إنها ليست حلاً بل إعادة إنتاج للأزمة، كما تجلت في البيان بتجاهل حتمية علمانية الدولة، وتفكيك بنية الأسلمة والتعريب، وإلغاء الإمتيازات القبلية والعرقية والدينية.
إصلاح الأجهزة الأمنية، ترميم لبنية الخراب وليس قطيعة معها
يتحدث البيان عن “الإصلاح الأمني والعسكري”، لكنه يغفل أن بنية الجيش والأجهزة الأمنية السودانية تأسست على عقيدة استعمارية ومركزية وإقصائية، مارست القتل والإغتصاب والعبودية والإبادة بحق شعوب بأكملها، لا سيما في الهامش.
الشعوب السودانية لا تطلب “إصلاحاً” لهذه المنظومة، بل تأسيس جيش وطني موحد ذو طابع مهني وقومي، يخضع من أول يوم من تأسيسه للرقابة والسيطرة المدنيتين، ويعكس في تكوينه كافة أقاليم السودان على أساس التوزيع السكاني العادل، ويكون مستقلاً عن أي ولاء أيديولوجي أو انتماء سياسي أو حزبي أو جهوي أو قبلي، ويقتصر دوره على حماية البلاد وأراضيها وسيادتها الوطنية، وصون النظام الديمقراطي، وضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وحماية النظام الدستوري، دون أي تدخل في الشأن السياسي أو الاقتصادي. كما أن المطلوب هو تأسيس جهاز أمن ومخابرات وطني مهني مستقل، لا يخضع لأي ولاء أيديولوجي أو سياسي أو حزبي أو جهوي أو قبلي، ويعكس في تشكيلاته التوازن السكاني بين كافة أقاليم السودان، ويقتصر دوره على جمع وتحليل المعلومات لحماية أمن السودان الداخلي والخارجي، وصون النظام الديمقراطي، وضمان حقوق الإنسان وسيادة حكم القانون، في إطار الشفافية والمساءلة واحترام الدستور.
وبذلك تتخلى المؤسسة العسكرية والأمنية عن كل تاريخها البشع في القتل والقمع الأيديولوجي والديني والعرقي. وأي حديث عن “إصلاح تدريجي” ماهو إلا إستهبال وسعي جاد من الملتقي للإبقاء على جوهر المؤسسة القمعية، وتطويل أمد بقائها.
الفدرالية، إعادة تدوير الوهم
بينما يحتفي البيان بالفدرالية كصيغة مثالية للحكم، يغفل عن عمد أن الفدرالية مطبقة منذ عهد الدكتور/ حسن عبدالله الترابي مروراً بفترة حكم نخب هذا البيان بعد ثورة ديسمبر وحتى الآن، فأين المشاركة الأصيلة للشعوب المهمشة الذي حققته او ستحققه الدولة المدنية الفدرالية كما أشار البيان؟. لم تجن الشعوب السودانية وخاصة الشعوب المهمشة من الدولة الفدرالية غير المزيد من الإقصاء والتهميش والقتل بإسم الدين (فتاوي إعلان الجهاد) وإعادة ممارسة العبودية والرق والإبادة الجماعية على أساس العرق اوالدين اواللون اوالنوع او الفكر وغيره. إذن بحكم التجربة والممارسة قضايا وحقوق الشعوب المهمشة يصعب معالجتها من خلال دولة مدنية فدرالية، فالمشاركة الأصيلة والفعلية لهذه الشعوب لن تتحقق إلا بتحقيق المواطنة المتساوية، ولن تتحقق المواطنة المتساوية إلا في ظل دولة علمانية ديمقراطية لامركزية، وهنا اللامركزية المقصودة هي السياسية والإدارية والمالية والقانونية.
العدالة الانتقالية، خطاب نخبوي لا يعالج المظالم التاريخية
البيان يدعو إلى “عدالة انتقالية” مستوحاة من تجارب المصالحة، لكنه يفشل في الاعتراف بأن الانتهاكات في السودان لم تبدأ من سنة 1989م، بل تعود إلى ما قبل خروج المستعمر وحتى الآن. فالعدالة الإنتقالية كما تُطرح في هذا البيان لا تلبي تطلعات الشعوب السودانية التي تطالب بـالعدالة والمحاسبة التاريخية نتيجة للمظالم التاريخية والإنتهاكات الحديثة، لابد من محاسبة بنيوية لكل من إرتكب الإنتهاكات المادية والمعنوية بحق الشعوب السودانية، بما في ذلك الأضرار الناتجة عن العبودية والأسترقاق، والإبادة الجماعية في دارفور، والتطهير العرقي في جبال النوبة والنيل الأزرق، والمناصير وكجبار والخرطوم وغيرها.
العدالة المطلوبة لا تتعلق بممارسات نظام سياسي معين، بل بكل أنظمة الحكم التي حولت الدولة إلى أداة قمع إستعماري داخلي، ويجب أن تشمل المحاسبة النخب السياسية والفكرية والدينية التي شرعنت هذه الانتهاكات.
الحل الحقيقي، الدولة العلمانية كخيار تحرري جذري
لم يجرؤ الـ(40) دكتور/ة وبروف وأستاذ/ة في بيانهم على ذكر العلمانية رغم مركزيتها في مشروع الخروج من الحرب، وهذا دليل على استبطان هذه النخب لخطاب الهيمنة الدينية وخوفها من مواجهته.
الدولة العلمانية الصريحة التي تفصل الدين عن الدولة، وتعيد الاعتبار للتنوع الحقيقي وتضمن المساواة القانونية والسياسية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية، هي المخرج الوحيد من نفق الحروب والمدخل الصحيح للسلام العادل والدائم والتنمية المستدامة.
هذه القضايا المصيرية وأسئلة التأسيس الصحيح للدولة السودانية والتي تتهرب منها النخب السودانية بإستمرار، جاوبت عليها الشعوب السودانية التي إنتظمت في تحالف السودان التأسيسي – تأسيس، بكل صدق وشجاعة في وثيقتين، تشكل أحداهما المشروع الوطني التأسيسي المفقود منذ خروج المستعمر، وهو (ميثاق السودان التأسيسي) والآخر يشكل عقد إجتماعي جديد، وهو (الدستور الإنتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025م)، واللذين أقرا ولأول مرة، بحق الشعوب السودانية في ممارسة حق تقرير المصير كضامن للمرتكزات الأساسية لوحدة الدولة السودانية من إستهبال العسكر والنخب البيروقراطية والإنتهازيين المحليين.
ختاماً، هذا البيان يعكس تحركاً شكلياً لنخبة عاجزة عن مساءلة نفسها، يعيد إنتاج مفاهيم ثبت فشلها، ويتبنى خطاباً عاطفياً دون أدوات تفكيك حقيقية لبنية الأزمة، وبالتالي لا ئشكل اختراقاً سياسياً او معرفياً، بل إعادة تدوير لهزائم الماضي في عباءة جديدة.
آخر حاجة، إذا كانت النخب السياسية والفكرية السودانية لا تزال عاجزة عن تسمية الأشياء بأسمائها، العبودية، العنصرية، الأسلمة، التعريب، المركزية الإسلاموعروبية، الهيمنة الثقافية، الدولة الدينية، الإستبداد السياسي المحمي بالسلاح، اللامركزية فإن الملتقيات والبيانات، مهما حسنت نواياها، لن تُخرج السودان من الحرب، بل ستُبقي عليه داخلها باسم الحوار والمعرفة والسلام والوحدة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.