إدواردو موندلاني الرجل الذي حاول تحرير وعي القارة فاغتالته السياسة.

 

تبدو سيرة إدواردو موندلاني واحدة من أهم السير السياسية التي تعكس التحولات العميقة التي عاشتها أفريقيا في منتصف القرن العشرين. فهو ليس مجرد قائد حركة تحرر، ولا مجرد ضحية لصراع داخلي بين أجنحة العمل الثوري، بل هو حالة فكرية وسياسية تتجاوز إطار الإنتماء الوطني الضيق لتلامس أسئلة كبرى حول معنى التحرر ومعنى الأمة والهوية الأفريقية. إن قراءتي مسار موندلاني لا تقودنا إلى موزمبيق وحدها، بل إلى القارة بأسرها، إلى الجرح المفتوح الذي خلفه الإستعمار، وإلى محاولات بناء وعي جديد قادر على مواجهة إرث طويل من التهميش والتقسيم والإستغلال.

 

وُلد موندلاني في بيئة ريفية فقيرة، في مجتمع موزمبيقي كانت تتعايش داخله تقاليد محلية عميقة مع بنى إستعمارية خانقة. كان الطفل يرى تناقضا بين الحياة التقليدية التي تمنح الإنسان شعورا بالجماعة والإنتماء، وبين منظومة إستعمارية لا تعترف بإنسانية من هم خارج مركز القوة. هذه التجربة المبكرة لم تكن مجرد خلفية لسيرته، بل كانت الشرارة الأولى لتكون وعيه السياسي. فالرجل لم ينشأ على الحقد، بل على السؤال. لماذا يعيش أبناء بلده مهمشين في أرض هي أرضهم؟ ولماذا تحرم الأغلبية من التعليم والفرص بينما تبنى الثروات على أكتافهم؟

 

كانت دراسته في الولايات المتحدة نقطة إنعطاف كبيرة. في مجتمع يشهد صعود حركة الحقوق المدنية وصراع السود ضد التمييز العنصري، وجد موندلاني نفسه أمام فهم أعمق لطبيعة الهيمنة. إكتشف أن الإستعمار ليس مجرد إحتلال للأرض، بل هو إحتلال للعقل، وأن التمييز العرقي والفصل الإجتماعي لا ينتهيان بإنتهاء السيطرة العسكرية. وبهذه الخلفية السوسيولوجية تشكلت رؤيته السياسية: فكرة أن التحرر يجب أن يبدأ من إعادة صياغة وعي الأمة، لا من طرد المستعمر فحسب.

 

عندما عاد إلى موزمبيق ليؤسس حركة فريليمو، كان يحمل مشروعا أكبر من شعار الإستقلال. ففي حين كانت غالبية حركات التحرر الأفريقية تركز على الكفاح المسلح بإعتباره الطريق الوحيد للخلاص، كان موندلاني يرى أن تحرير الأرض بلا تحرير العقل هو إستقلال ناقص، وسرعان ما يتحول إلى نسخة محلية من الحكم الإستعماري. قال ذلك بوضوح في عدة مناسبات: على الأمة أن تتحرر من داخلها قبل أن تتحرر من خارجها. كان يرى أن الإستقلال قد يسمح للنخب بالوصول إلى مقاعد الحكم، لكنه لا يضمن بناء دولة، ولا يؤسس تنمية، ولا يعيد للإنسان قيمة نفسه.

 

من منظور سوسيولوجي، إهتم موندلاني بتحليل البنية الإجتماعية الموزمبيقية، وفهم طبيعة الإنقسام الإثني والثقافي الذي راكمه الإستعمار لخدمة مصالحه. لقد كانت موزمبيق نموذجا كلاسيكيا لسياسة فرق تسد، حيث تقسم الجماعات المحلية إلى هويات منفصلة، ويعاد ترتيب ولاءاتها بما يخدم السلطة البرتغالية. أدرك موندلاني أن هذا الإنقسام هو الخطر الأكبر على أي مشروع وطني، فبناء الأمة لا يمكن أن يتم من دون مصالحة داخلية شاملة، ومن دون بناء وعي جمعي يتجاوز الإنتماء القبلي ويخلق مكانا جديدا للهوية الموزمبيقية المشتركة.

 

من هنا جاءت رؤيته لوحدة الجماعة الوطنية كشرط أولى للتحرر. لم يكن الأمر عنده مجرد خطاب سياسي، بل رؤية إجتماعية. كان يؤمن بأن القبيلة ليست عائقا بطبيعتها، بل يمكن أن تكون رصيدا لبناء مجتمع متماسك، إذا ما تحولت من رابطة إنغلاق إلى مكون ثقافي داخل مشروع وطني أكبر. وهنا يظهر تأثره الواضح بأفكار أميلكار كابرال، الذي كان يرى أن الوعي الوطني لا يولد تلقائيا، بل يصنع، وأن الثورة الحقيقية هي ثورة في الوعي قبل أن تكون في ساحات القتال.

 

أما من منظور ما بعد الإستعمار، فإن موندلاني يمثل نموذجا للقائد الذي أدرك مبكرا إشكالية الإستقلال الشكلي. كان يرفض أن تتحول فريليمو إلى مجرد بديل محلي لإدارة الدولة كما كانت تديرها البرتغال. كان يخشى أن تعيد الحركة المنتصرة إنتاج بنى الهيمنة نفسها، لكن بوجوه جديدة. وهذه الرؤية النقدية تجعله قريبا من فكر نكروما وكابرال وفرانز فانون. ففانون كان يحذر بوضوح من النخبة الوطنية التي ترث دولة المستعمر من دون أن تغير بنيتها، فتصبح مجرد طبقة وسيطة في إقتصاد عالمي يتحكم في مصائر البلدان المتحررة شكليا. موندلاني كان يفكر بالطريقة نفسها وإن لم يكتب ذلك في كتب، فقد كان يعي أن الإستقلال بدون مشروع إجتماعي وثقافي وفكري سيبقى هشا، وأن الشعب الذي لا يدرك معنى الدولة لن يكون قادرا على حمايتها.

 

هذا الوعي السياسي والإجتماعي هو ما يجعل إغتياله ليس حدثا محليا، بل ضربة كبرى للقارة. فإغتيال موندلاني لم يكن إغتيال رجل، بل إغتيال إتجاه فكري كان يمكن أن يغير مسار موزمبيق، وربما جزءا من أفريقيا. لقد أدى موته إلى صعود أجنحة أخرى داخل فريليمو، بعضها أكثر ميلا للعسكرية الصرفة، وبعضها أقل حساسية للقضايا الإجتماعية التي كان يضعها في قلب مشروعه. ومع غيابه، فقدت الحركة صوتا كان يدعو إلى التوازن بين السلاح والفكر، بين الحرب وبناء الإنسان، بين المقاومة وبناء الدولة.

 

شخصيته الفكرية تتسم بوضوح بمنحى تحليلي عميق. كان مثقفا قبل أن يكون سياسيا، وكان مفكرا قبل أن يكون قائدا. لم يكن يقود لأنه يبحث عن السلطة، بل لأنه يرى أن القيادة مسؤولية معرفية، وأن السياسي الذي لا يفهم مجتمعه محكوم عليه أن يتحول إلى نسخة أخرى من المستعمر. وما يميز موندلاني، مقارنة بكابرال أو نكروما، أنه جمع بين التجربة الأكاديمية الأمريكية وبين التجربة الشعبية الأفريقية، فأصبح قادرا على قراءة الواقع المحلي بأدوات تحليل عالمية، من دون أن يفقد حساسيته تجاه التفاصيل اليومية لحياة الفقراء في القرى والمجتمعات الريفية.

 

إن إرث موندلاني اليوم يكشف لنا عن فجوة كبيرة بين ما كان يحلم به وما صارت إليه موزمبيق لاحقا. فالدولة التي نالت إستقلالها ظلت لسنوات طويلة أسيرة صراعات داخلية، وتوترات إثنية، وإعتماد إقتصادي على الخارج، وهو ما كان يخشاه الرجل. وربما هنا تكمن المفارقة المؤلمة: لقد كان موندلاني يرى الخطر قبل وقوعه، وعرف أن بناء الأمة أهم من الإنتصار العسكري، وأن الوعي أهم من السلطة. لكن إغتياله قطع هذا المسار، فبقي المشروع ناقصا.

 

إن قراءة موندلاني ليست ترفا فكريا، بل ضرورة لفهم تاريخ أفريقيا الحديث. فهو يقدم نموذجا للزعيم الذي أراد أن يحرر الوعي قبل الأرض، وأن يبني الأمة قبل الدولة، وأن يعيد للإنسان مكانته قبل أن يعيد توزيع السلطة. إغتياله كان خسارة لموزمبيق، نعم، لكنه كان أيضا خسارة لأفريقيا كلها، التي كانت تحتاج إلى قادة مثل هذا الرجل في لحظة تاريخية كان يمكن أن تتحول فيها القارة إلى فضاء جديد من النهضة، لو لم تتكالب عليها صراعات الداخل والخارج.

 

#زكريا_نمر#

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.