
أردول ووجه الاستهبال الإنساني- محاولة رخيصة لتزييف الضمير أمام من يعرف الحقيقة كاملة: عن خطاب مبارك اردول إلى فخامة الرئيس سلفا كير ميارديت
3/8/2025 خالد كودي، الأراضي المحررة- كاودا
في ذروة كارثة إنسانية تضرب السودان، تحديدًا في جبال النوبة، يخرج علينا مبارك أردول بخطاب مموّه يتزيّا بثياب “الضمير”، ويوجه نداءه إلى فخامة الرئيس سلفا كير ميارديت، رجل يعرف معنى الحرب، وعاش تجارب الجوع والتجويع عن قرب، لا من خلف المكاتب. خطاب أردول مليء بالمراوغة والتباكي المصطنع، ويحاول أن يمرر رسائل سياسية ملوّثة تحت غطاء إنساني، متناسياً أنه أحد صانعي هذا الواقع الكارثي.
الرئيس سلفا كير لا يُخدع
ما يجهله أردول – أو يتجاهله – هو أن سلفا كير ليس جمهوراً يتلقى خطاباً دعائياً، بل رجل خَبِر النظام الذي يحكم من بورتسودان اليوم بنفسه، وقاتله لعقود. يعرف جيداً أن هذه السلطة، التي تواصل مشروع المركز الاستعلائي بوجهٍ جديد، تستخدم الطعام كسلاح، والجوع كأداة حرب، والإغاثة كورقة مساومة وترويض.
لقد خَبِر سلفا كير كيف كانت الأنظمة السودانية – ولا تزال – توظف المساعدات الدولية الانسانية وسيلةً للابتزاز، وتفرض “ضمانات سيادية” مقابل شحنة دواء، وتغلق المعابر متى شاءت، وتُعيد توزيع الغذاء وفق الولاء، لا الحاجة. هذه ليست تجارب من كتب التاريخ، بل وقائع محفورة في ذاكرته الشخصية، عاشها يوماً بيوم، وعاماً بعام.
ومن العبث أن يظن أردول أن بمقدوره خداع رجل عرف “عقلية الخرطوم” في كل أشكالها: من المجالس العسكرية إلى الأنظمة الإسلامية، ومن وجوه الأمن القديم إلى رطانة بورتسودان الجديدة بلسان كامل ادريس.
المجاعة ليست قضاءً وقدرًا… إنها سياسة ممنهجة
المجاعة التي يتظاهر أردول اليوم بالتحسر عليها، لم تولد من خلل طبيعي أو عجز لوجستي، بل هي ثمرة مباشرة لعقيدة السلطة التي يدافع عنها. سلطة بورتسودان هي من تغلق الطرق أمام القوافل، وتعطّل مبادرات الإغاثة، وتساوم على أرواح المدنيين، وتمنع دخول الدواء إلا عبر وساطات أمنية.
كما أن الحديث عن “مأساة” الدلنج وكادوقلي دون الإشارة إلى السيطرة المتعمده، وإلى تجفيف الأسواق، وقطع الإمدادات، وعرقلة عمل المنظمات، هو ضرب من التضليل المكشوف. وما يفعله أردول ليس نداءً إنسانيًا، بل محاولة وقحة لتبرئة سلطة يستخدمها كمنصة سياسية، والتغطية على دورها في خلق الكارثة.
إن سلطة بورتسودان اليوم، التي تُنكر وجود المجاعة حيناً وتُشهرها كسلاح تفاوض حيناً آخر، لا تختلف في شيء عن السلطة التي كانت في الخرطوم بالأمس. والمشكلة ليست في تغيّر المواقع، بل في ثبات العقلية.
وأردول ليس شاهداً على ذلك، بل مشارك فيه بدرجة بوق اشتر.
فخامة الرئيس سلفا كير لا يحتاج لمن يذكّره بتجربة الجوع تحت سطوة الخرطوم. فهو من واجهها وقاومها وانتصر عليها. أما مبارك أردول، فهو اليوم يمارس دور السادن الذي يغطّي على جرائم السلطة باسم الإنسانية، بينما يواصل تسويق مشروعها، تحت دخان المجاعة وصراخ الأطفال
من يصنع الجوع لا يبكي، ومن يصمت على الجريمة لا يملك حق المطالبة برحمة الضحية.
سيدي الرئيس،
أنتم لا تحتاجون إلى تذكير، فذاكرتكم مغمّسة بالتجربة، وخبرتكم لم تُبنَ في القاعات المغلقة، بل في خنادق النضال والمجاعة والمقاومة. لكن لا بأس أن نعيد للتاريخ بعض صوره القاسية، لا لشرحها لكم، بل لفضح من يحاول أن يستغبينا جميعاً.
أنظمة الخرطوم، التي تواصل سلطتها اليوم من بورتسودان، جعلت من الطعام والمساعدات الإنسانية أدوات حرب، ومن الجوع سياسة ممنهجة، ومن الحصار عقيدة عسكرية. أنتم تعرفون ذلك تمامًا لأنكم عشتموه.
– في مجاعة 1988–1989، مات الآلاف من الأطفال والنساء في بحر الغزال، ليس فقط بسبب الجفاف أو النزاع، بل لأن حكومة الخرطوم رفضت منح التصاريح لطائرات برنامج الأغذية العالمي، وراوغت في فتح المعابر، وفرضت شروطًا سياسية على كل شحنة غذاء. كانت تسأل عن الولاء، لا عن الحاجة
– في أعقاب تلك الكارثة، وُلدت عملية شريان الحياة
(Operation Lifeline Sudan)
ليس كمبادرة طوعية، بل كضرورة قصوى، بعد أن استخدمت الخرطوم الحصار كأداة إذلال. العملية، التي تعد أول مبادرة من نوعها في العالم لتوصيل الإغاثة عبر خطوط النزاع، لم تكن لتقوم لولا أن الخرطوم كانت تمنع حتى الأدوية الأساسية عن المناطق “المتمردة”، وتساوم على كل كيس ذرة، وتتحكم في مسارات الطائرات، وتستخدم التصاريح كأدوات للابتزاز.
– في مجاعة 1993–1994، خصوصاً في واو وبنتيو وراجا، أعادت الخرطوم الكرة، وجعلت الجوع عقابًا جماعيًا. كانت المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة تُمنع من الغذاء، بينما تُغدق المعونات في مناطق الولاء، في تكرار لأساليب “الفرّق تسُد” الاستعمارية، لكن بغطاء قومي وديني.
– أما مجاعة 1998، فهي المثال الأوضح على ما وصفه المجتمع الدولي بـ”المجاعة المصنوعة”، حيث تحوّلت المساعدات إلى أدوات للرشوة السياسية، فكل منظمة إنسانية تريد العمل، كان عليها المرور عبر جحيم البيروقراطية الخرطومية، ودفع أثمان باهظة من كرامتها وحيادها. حتى طائرات الأمم المتحدة أصبحت تُستخدم كجزء من بروباغندا الدولة، تُصوَّر في التلفزيون الرسمي وكأنها “فضل” من الحكومة، لا حقّ للمنكوبين.
وليس سرًا أن نظام الخرطوم – الذي لا يزال يلفظ أنفاسه من بوابة بورتسودان – كان يشترط على المنظمات ألا تتعامل مباشرة مع الحركة الشعبية، بل أن تسلّم الشحنات للجيش أو للأمن، ليُعاد توزيعها وفق اعتبارات الولاء والطاعة، لا الحاجة الإنسانية. وكانت الخرطوم تغلق المعابر الإنسانية متى ما أرادت، وتفتحها كأداة ضغط تفاوضي. وفي كثير من الأحيان، كانت شحنات الغذاء تتعطّل لأسابيع في المطار أو الميناء، فقط لأن المسؤول الأمني لم “يقتنع” بمحتوى البيان الصحفي للمُنظمة
فهل نسي مبارك أردول هذه الوقائع، أم أنه يظن أن الرئيس سلفا كير، الذي عاش هذه الكوارث وقاتل من أجل كسر هذه السياسات، يمكن أن يُخدع بهذه اللهجة المزيّفة ؟
الرئيس سلفا كير لم يقرأ المجاعة في الصحف، بل عايشها، وقاد شعبه وسط لظاها. يعرف من منع الغذاء، ومن استخدم الذرة كقنبلة موقوتة، ومن حوّل المعابر الإنسانية إلى صكوك غفران لمن يسجد للنظام. ويعرف جيدًا أن ما تفعله سلطة بورتسودان اليوم مع أهل جبال النوبة هو إعادة إنتاج لتلك السياسات ذاتها: حصار، تجويع، مساومة، واستغلال للمعاناة.
لذلك، من العبث أن يتقمص أردول دور المنقذ، وهو الذي يساهم في تبرير نفس المنظومة التي مارست – ولا تزال – سياسة “الإغاثة مقابل الطاعة.”
التاريخ لا يُمحى، والذاكرة الثورية لا تخون. وسلفا كير ليس من أولئك الذين يُخدَعون بمفردات إنسانية ملفّقة، تصدر من أفواه سماسرة الأزمات.
أردول… بين الذاكرة والخيانة
مبارك أردول يتحدث اليوم كـ”ضابط سابق في الجيش الشعبي” وكـ”ناطق سابق باسم الحركة الشعبية – شمال”. جميل. لكن هذه الصفات لا تمنحه صكوك براءة، بل تُثقله بمسؤوليات أخلاقية جسيمة. هو يعرف تمامًا أن الحركة الشعبية لم ترفع السلاح إلا دفاعًا عن الكرامة الإنسانية، ولم تساوم على دواء أو غذاء أو حليب أطفال.
لكن أردول اليوم يعمل ضمن سلطة تقطع الغذاء عن المهمشين، وتُجزئ الحق في الحياة على أساس الولاء السياسي والاثني والجغرافي، ويصمت عن ذلك، بل يدافع عنه بلغة مموّهة. إنه يمارس ما لا يُسمّى إلا الاستهبال السياسي.
في التاريخ… خونة الداخل أخطر من العدو.
لقد عرف التاريخ الحديث أمثلة كثيرة لأشخاص خانوا مجتمعاتهم لصالح من يستعمرها أو يقمعها. من جوزيف بنديتو مالكولم في روديسيا، إلى الذين عملوا كوسطاء للاحتلال الفرنسي في الجزائر، ومن تواطؤ بعض النخب في رواندا مع المتطرفين قبيل المجازر، إلى “ساسة” جنوب أفريقيا الذين ساندوا الفصل العنصري من الداخل.
ومبارك أردول اليوم، بنفاقه وخطابه المزدوج، لا يختلف كثيرًا عن هؤلاء. فبدلًا من الدفاع عن حق مجتمعه في الغذاء والدواء الفير مشروط، يشارك في تسويق سردية سلطة تمنع ذلك، ثم يطلب منكم، سيدي الرئيس، أن تساعده في تحسين صورتها وتلميع مجازرها!
الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال: موقف أخلاقي وإنساني
في المقابل، لا بد من التأكيد على موقف الحركة الشعبية – شمال، التي أعلنت منذ 13 أغسطس 2024 المجاعة في المناطق التي تُسيطر عليها، وفتحت أراضيها للمنظمات الدولية، وطالبت بتبني مبدأ عدم تجزئة الكرامة، ورفضت ربط إيصال المساعدات بأي حسابات سياسية أو أمنية.
هذه المقاربة، التي تساوي بين إنسان الدلنج وإنسان مدني، وبين جبال النوبة وجبل مره، هي وحدها التي تستحق أن تُسمّى موقفًا إنسانيًا.”
وفي حين تُخزن سلطة بورتسودان الإغاثة وتوزعها حسب الولاء وتستخدمها وسيلة لتجنيد الشباب، تطرح الحركة الشعبية رؤية حديثة تتقاطع مع دعوات الباحثين والمنظمات الدولية إلى ممرات إنسانية محمية، حيادية، غير خاضعة للمساومة وغير مشروطة باي ملف امني او سياسي.
سيدي الرئيس،
رسالة أردول، بكل اختصار، ليست “نداءً إنسانيًا”، بل محاولة بائسة لتزييف الوعي، وتوريط أصدقاء الحركة في لعبة قذرة هدفها تغطية الوجه القبيح لسلطة لم تتغير منذ عقود، وإن غيّرت مواقعها.
أنتم، بحكم التجربة والذاكرة، تعرفون جيدًا أن من يسرق الطعام من أفواه الجوعى لا يؤتمن على الإنسانية. وأن من يبرر قمع المدنيين لا يمكن أن يتحدث عن التضامن.
التاريخ لا يرحم من خان، ولا من تستّر على الخيانة.
وإذا كان هناك من سيتحدث باسم جبال النوبة، فليكن من يقف مع أهلها حين يجوعون، لا من يقف مع من يمنع عنهم الطعام ثم يُرسل دموع التماسيح عبر القارات.
لا شرعية لاستخدام الجوع سلاحًا.
ولا مصداقية لمن يقف مع الجلاد ويتقمص دور الضحية.
“الخبز لا يُشترى بالولاء. والكرامة لا تُقسّم بالخرائط.”
“والتاريخ سيكتب من أنقذ الشعوب، لا من تاجر بجراحها”
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.